[ ٢ / ٣٦٩ ]
اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات:
الأولى: قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانًا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه.
الثانية أن توجد رواية المحدث عن المحدث، لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالانقطاع، وسنزيد هذا شرحًا إذا انتهينا إليه.
الثالثة: أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه.
الرابعة: أن يكون الانقطاع مصرحًا به من المحدث، مثل أن يقول: حدثت عن فلان، أما بلغني، إما مطلقًا، وإما في حديث [حديث].
وعلى هذا الترتيب نذكر مضمون الباب إن شاء الله تعالى فنقول:
المدرك الأول لانقطاع الأحاديث في هذا الباب
:
(٣٦٨) ذكر من طريق مسلم حديث علي قال: «أرسلنا المقداد إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي» الحديث
[ ٢ / ٣٧١ ]
(٣٦٩) وحديث أبي هريرة: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر».
(٣٧٠) وحديث كون سالم مولى أبي حذيفة، ذا لحية في رضاعه الكبير.
(٣٧١) وحديث عائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله».
(٣٧٢) وحديث ابن عمر: «كان إذا استجمر استجمر بألوة، غير مطراة وكافور يطرحه مع الألوة»، وقال: «هكذا كان رسول الله ﷺ يستجمر».
كل هذه الأحاديث هي عنده صحيحة بسكوته عنها، لم يعرض لها بشيء، وهو قد أخبر عن نفسه بأن ما يسكت عنه صحيح عنده، إلا أن يكون مما لا حكم فيه، فإنه ربما كان فيه بعض السمح، ولم يبين في شيء منها
[ ٢ / ٣٧٢ ]
أنها من رواية مخرمة بن بكير
عن أبيه، وهي كذلك من روايته عنه، وجميعها من كتاب مسلم.
(٣٧٣) ومما هو أيضًا من رواية مخرمة عن أبيه ولم يعرض له من أجله، مما هو عند غير مسلم - حديث ابن عمر عن النبي ﷺ: «إذا كان الجهاد على باب أحدكم، فلا يخرج إلا بإذن أبويه».
ذكره أبو أحمد، ولم يعرض أبو محمد لكونه من رواية مخرمة، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، بل لكونه من رواية ابن أخي ابن وهب.
ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما يحدث من كتابه، وقد نص هو على ذلك أثر أحاديث:
(٣٧٤) منها حديث أبى موسى في ساعة الجمعة: «إنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضي الصلاة».
قال فيه: لم يسنده غير مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومخرمة لم يسمع من أبيه، إنما كان يحدث من كتاب أبيه.
وقد كان له أن يسمح فيه، لأنه من الأحاديث المرغبة في عمل، المخبرة عن ثواب
[ ٢ / ٣٧٣ ]
(٣٧٥) ومنها حديث محمود بن لبيد، أخبر رسول الله ﷺ «عن رجل طلق امرأته ثلاثًا جميعًا» الحديث.
قال بإثره: رواه مخرمة بن بكير، عن أبيه، ولم يسمع منه، وإنما كان يحدث من كتاب أبيه.
فأبو محمد أحد القائلين بأنه لم يسمع من أبيه، وقد أخبر بذلك مخرمة عن نفسه، فهو بهذا الاعتبار من المدرك الرابع.
وقد قدمنا ذكره في هذا الأول، لأن المحدثين قائلون به عنه، والأمر فيه عندهم مشهور.
قال الدارقطني: قال حماد بن خالد: سألت مخرمة، أسمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا.
وقال سعيد بن أبي مريم: حدثنا موسى بن سلمة خالي، قال: أتيت مخرمة ابن بكير فقلت له: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وقال ابن حنبل: مخرمة ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما يروي من كتابه وكذا قال ابن معين.
وحكى البخاري عن حماد بن خالد بن الخياط، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتابًا، فقال: هذه كتب أبي، لم أسمع منه منها شيئًا.
(٣٧٦) ومثل هذا أيضًا، ما ذكر من طريق أبي داود، عن سمرة بن
[ ٢ / ٣٧٥ ]
جندب، أن النبي ﷺ قال: «احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها».
هكذا ذكره وسكت عنه، ولم يقل بإثره شيئًا، ولو تأمل إسناده عند أبي داود، وجد فيه مثل ما قد فرغنا منه الآن من أمر مخرمة بن بكير.
قال أبو داود: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده - ولم أسمع منه - قال قتادة: عن يحيى بن مالك، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
(٣٧٧) وذكر من طريق مسلم حديث أبي مالك: «الطهور شطر الإيمان»
[ ٢ / ٣٧٦ ]
ولم يعرض له بشيء، واكتفى بأنه من كتاب مسلم.
وإسناده في كتاب مسلم هو هذا: أنبأني إسحاق بن منصور قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا أبان، قال: حدثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، فذكره.
والذي لأجله ذكرناه، هو انقطاع ما بين أبي سلام وأبي مالك، فقد قال الدارقطني وغيره: إنه منقطع، وإنه إنما يرويه عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك.
وذلك أن معاوية بن سلام يخالف فيه يحيى بن أبي كثير، فيرويه عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، أن أبا مالك حدثهم بهذا.
وقد نبه الناس على انقطاع ما بين أبي سلام، وأبي مالك في هذا الحديث، وعدوه من الأحاديث المنقطعة في كتاب مسلم.
(٣٧٨) وقد روى بهذا الإسناد في كتاب الجنائز، حديث أبي مالك
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الأشعري أيضًا، أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية».
وسكت عنه أيضًا أبو محمد، مصححًا له، وليس القول فيه فيما بين أبي سلام وأبي مالك - كما تقدم - بل ربما أمكن فيه الاتصال، إذ لم نجده عنه بواسطة كما وجدنا الأول، ولا نعلم أحدًا قال فيه: أنه منقطع.
وأعلم أن في هذين الحديثين موضعًا آخر للنظر، وهو ما بين يحيى بن أبي كثير وزيد بن سلام، فإنه قد قال ناس: إنه منقطع.
ذكر أبن أبي خيثمة، عن ابن معين قال: «لم يسمع يحيى بن أبي كثير، من زيد بن سلام»، زاد عنه عباس الدوري: «ولم يلقه»، وإنما قدم أخوه معاوية على يحيى فأعطاه كتابًا فيه أحاديث أخيه زيد، فدلسه عنه، ولم يسمع منه.
وعندي أنه مما يجب التثبت فيه، فإنه قد ذكر في نفس الإسناد أن زيدًا
[ ٢ / ٣٧٨ ]
حدثه في الحديثين جميعًا، والرجل أحد الثقات أهل الصدق والأمانة، والغالب على الظن أن زيدًا أجازه أحاديثه، وبلغه إجازته أخوه معاوية، فحدث يحيى بها عنه قائلًا: «حدثنا» وكان الأكمل أن يقول: إجازة.
والرجل من مذهبه جواز التدليس، بل كان عاملًا به، فجاءت روايته عنه مظنونًا بها السماع، وليست بمسموعة.
قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: قال بعض المحدثين: ما رأيت مثل يحيى بن أبي كثير، كنا نحدثه بالغداة، ويحدثنا به بالعشي.
يعني بذلك أنه كان يدلس، وقال الدارقطني: «أنه كان يدلس كثيرًا»
فينبغي على هذا أن يكون في معنعن يحيى بن أبي كثير من الخلاف - بالقبول حتى يتبين الانقطاع، أو الرد حتى يتبين الاتصال - مثل ما في معنعن كل مدلس.
ويزداد إلى ذلك في حديث يحيى بن أبي كثير أنه أيضًا ولو قال: حدثنا، أو: أخبرنا فينبغي أن لا يجزم بأنه مسموع له، لاحتمال أن يكون مما هو عنده بالإجازة، أما إذا صرح بالسماع فلا كلام فيه، فإنه ثقة، حافظ، صدوق، فيقبل منه ذلك بلا خلاف.
واعلم أن حدثنا ليست بنص في أن قائلها سمع:
(٣٧٩) وقد جاء في كتاب مسلم حديث الذي يقتله الدجال، ثم
[ ٢ / ٣٧٩ ]
يحييه ثم يقول: من أنا؟ فيقول: أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله ﷺ.
ومعلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات.
(٣٨٠) وقد ذكر أبو محمد ﵀ حديث الحارث الأشعري، في كتاب الجهاد، في الإمارة - وهو حديث طويل - وحكى عن الترمذي تصحيحه.
وهو إنما يرويه يحيى بن أبي كثير المذكور، عن زيد بن سلام المذكور، أن أبا سلام حدثه، أن الحارث الأشعري حدثه، فذكره.
ولم يقل فيه يحيى: حدثنا زيد، إنما قال: عن زيد.
فمثل هذا ينبغي أن يكون القول فيه: إنه منقطع، لأن يحيى لم يلق زيدًا، وإنما قلنا: لعله أجازه في الحديثين المتقدمين، لمكان قوله فيهما: إن زيدًا حدثه، وها هنا إذ لم يقل ذلك وهو لم يقله - فلا اتصال.
وأما الترمذي حيث صححه، فلعله توهم أنه أجازه الكتاب أجمع، كما قدمنا الحكاية عن ابن معين، من رواية الدوري عنه.
(٣٨١) وقد وقع لأبي محمد قول يظن به منه خلاف هذا، في حديث
[ ٢ / ٣٨٠ ]
يحيى عن زيد.
وذلك أنه لما ذكر الذهب للنساء قال: وقد خرج المنع من التحلي بالذهب للنساء، عن ثوبان وحذيفة، وأبي هريرة، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم، عن النبي ﷺ، والصحيح الإباحة للنساء، وذكر ذلك النسائي، وأبو داود.
يعنى أن الأحاديث عن هؤلاء الصحابة بالمنع، ذكرها النسائي وأبو داود، وضعفها - كما ترى - بقوله: والصحيح الإباحة، وقد بينا أمرها في موضعه.
فكان منها حديث ثوبان، لم نجد له علة يرميه بها إلا أنه من رواية يحيى ابن أبي كثير، عن زيد بن سلام، وعلى أنه مثل الحديثين المتقدمين، قال فيه: حدثني زيد، عن أبي سلام، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، فهو - والله أعلم - مما أجازه، ولكن مع هذا لم يره أبو محمد صحيحًا.
وقد ذكرنا الحديث بإسناده ومتنه، في الموضع الذي ذكرنا فيه جميعها، وهو باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها.
وقد ذكرنا أيضًا - فيما تقدم - وهمه في عده فيهم حذيفة، والحديث بذلك إنما هو عن أخته.
(٣٨٢) وذكر من طريق الترمذي، عن عمر قال: [قال] رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٣٨١ ]
«من توضأ فأحسن الوضوء …» الحديث، بزيادة: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين».
وسكت عنه، مصححًا له، وهو منقطع، فإنه من رواية أبي إدريس، وأبي عثمان، عن عمر.
قال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمدًا عنه فقال: هذا خطأ، وإنما هو معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة، عن عمر.
ومعاوية عن ربيعة بن يزيد، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر.
قال: وليس لأبي إدريس سماع من عمر.
قلت: من أبو عثمان هذا؟ قال: شيخ لم أعرف اسمه.
وقد نص الترمذي في جامعه على أن أبا إدريس، لم يسمع من عمر، والقول بأن أبا عثمان لم يسمعه من عمر، هو لأجل إدخال جبير بن نفير بينهما، فمدركه إذن زيادة واحدة بينهما، فهو من المدرك الذي بعد هذا، وقدمناه هنا لقولهم: إن أبا إدريس لم يسمع من عمر
[ ٢ / ٣٨٢ ]
(٣٨٣) وذكر من طريق أبي داود، عن محمد بن سيرين، أن عائشة نزلت على صفية بنت طلحة الطلحات، فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله ﷺ: «دخل وفي حجرتي جارية، فألقى إلي حقوه» الحديث.
وسكت عنه، ولم يتبين له - والله أعلم - من أمره شيء، وقد يظن به أنه تبرأ من عهدته بعض التبري بقوله: عن محمد بن سيرين، أن عائشة، وليس كذلك، وما ذكره إلا ليستقيم له الإخبار عن عائشة.
وقد قال الدارقطني في علله: إن رواية محمد بن سيرين، عن عائشة مرسلة.
وقد بينا الوهم الذي في قوله: نزلت على صفية بنت طلحة الطلحات، فيما تقدم
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(٣٨٤) وذكر من طريق أبي داود أيضًا عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: «كان يصلي، فذهب جدي يمر بين يديه» الحديث.
وسكت عنه، وخفي عليه انقطاعه، وذلك [أنه] عند أبي داود، من رواية يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، وهو لم يسمع منه، وإنما بينه وبينه أبو الصهباء.
وقد نص على ذلك ابن أبي خيثمة في نفس إسناد هذا الحديث، فقال: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس - ولم أسمعه - «أن جديًا مر بين يدي النبي ﷺ» الحديث.
وكذا هو أيضًا عند ابن أبي شيبة، وإنما كتبته ها هنا باعتبار تعريف ابن أبي خيثمة بانقطاعه، ولو شئت كتبته في المدرك الرابع، لأن يحيى بن الجزار، قد صرح بأنه لم يسمع منه في نفس إسناد الحديث المذكور.
(٣٨٥) وذكر أيضًا أبو محمد من طريق أبي داود، حديث ابن عباس
[ ٢ / ٣٨٤ ]
في مرور الجاريتين أمام الصف «فما بالى ذلك رسول الله ﷺ».
وهو أيضًا من رواية ابن الجزار عنه كذلك، فينبغي أن يكون منقطعًا.
(٣٨٦) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: نبأني عبد الرحمن بن سابط، أن أبا أمامة، سأل النبي ﷺ متى غروب الشمس؟ قال: «من أول ما تصفر إلى أن تغرب».
ثم قال بإثره: عبد الرحمن بن سابط أكثر ما يعرف بالرواية عن جابر.
(٣٨٧) وذكر أيضًا بهذا الإسناد، أن أبا أمامة سأل النبي ﷺ: أي الدعاء أسمع؟ قال: «شطر الليل الآخر، وأدبار الصلوات المكتوبات» وذكر الحديث.
هذا نص ما أورد، ولم يقل بإثره شيئًا، فاعلم الآن، أن ما يرويه ابن سابط عن أبي أمامة، هو منقطع، ولم يسمع منه، وحديثه عنه طويل، تقتطع منه - هكذا - قطع بحسب تقاضي الأبواب إياها، ذكره بطوله عبد الرزاق.
وابن سابط هذا هو الجمحي، مكي، ثقة، يرسل عن عمر، واختلفوا في حديثه عن جابر: فقال ابن أبي حاتم: إنه متصل وزعم ابن معين أنه
[ ٢ / ٣٨٥ ]
مرسل، وكذلك عن أبي أمامة، الذي هو الآن موضع النظر.
قال عباس الدوري: مثل ليحيى: سمع من أبي أمامة؟ قال: لا، قيل: سمع من جابر؟ قال: لا، هو مرسل، كان مذهب يحيى أنه يرسل عنهم، ولم يسمع منهم.
وقد تقدم في أول باب من هذا الكتاب - وهو باب الزيادة في الأسانيد، من ذكر رواية ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط - ما يحتاج فيه إلى الاستظهار عليه بهذين الحديثين وغيرهما من روايته عنه، فاعلم ذلك.
(٣٨٨) وذكر حديث أم عبد الله الدوسية: «في عدد من تجب عليه الجمعة»
[ ٢ / ٣٨٦ ]
ورده بضعف رواته.
وبقي عليه أن يبين من أمره ما قد تولى الدارقطني بيانه من انقطاعه فيما بين الزهري، وأم عبد الله، فإنه لم يسمع منها.
(٣٨٩) وذكر من طريق مسلم، عن أم هشام بنت حارثة، قالت: «ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس».
هكذا أورد هذا الحديث، مختارًا له على غيره مما هو أصح منه، وذلك أن هذا منقطع - فيما يقال - فيما بين يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وأم هشام، فإنه من روايته عنها.
قال أبو عمر بن عبد البر: لم يسمع يحيى بن عبد الله من أم هشام، بينهما عبد الرحمن بن سعيد، ذكر ذلك في بابها من كتاب الاستيعاب.
وهذا الطريق الذي أورد أبو محمد، الذي قلنا عنه: إنه منقطع، هو من طريق ابن إسحاق، وقد كان له أن يورده صحيحًا، متصلًا من رواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أخت لعمرة، قالت: «أخذت (ق والقرآن المجيد) من في رسول الله ﷺ، في يوم جمعة، وهو يقرأ بها على المنبر كل جمعة» ذكره أيضًا مسلم
[ ٢ / ٣٨٧ ]
(٣٩٠) وذكر من طريق الدارقطني من حديث ابن جريج، عن عمران ابن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر، حديث: «وفي البز - هكذا بالزاي - صدقته».
ولم يتبعه أكثر من أن موسى بن عبيدة أيضًا رواه عن عمران كذلك.
فاعلم أن الترمذي [قال]: سأل البخاري عن هذا، فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس، ذكر ذلك في كتاب العلل.
فالحديث على هذا منقطع، وابن جريج لم يقل: حدثنا عمران، وهو مدلس
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وللحديث شأن آخر، ذكرناه به بعد في باب الأحاديث التي سكت عنها إلا أنه ذكرها بقطع من أسانيدها.
(٣٩١) وذكر حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، في الهلال إذ سقط لليلة أو ليلتين.
رواه بقية، عن مجاشع بن عمرو، عن عبيد الله، وضعفه، ولم يبين انقطاعه، قال الدارقطني: لم يسمع مجاشع من عبيد الله بن عمر شيئًا.
(٣٩٢) وذكر في قضاء صوم التطوع، من رواية أبي الأحوص، عن طلحة بن يحيى عن مجاهد، عن عائشة، عن النبي ﷺ «إنما مثل صوم
[ ٢ / ٣٨٩ ]
التطوع، مثل الذي يخرج من ماله الصدقة».
(٣٩٣) وبعده حديث آخر من رواية شريك، عن طلحة، بهذا الإسناد، ولم يقل فيهما شيئًا.
وهما منقطعان عند أهل الحديث:
قال يحيى بن سعيد: كان شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة، ذكره الترمذي في كتاب العلل وكذلك روي عن يحيى بن معين قال: كان يحيى بن سعيد ينكره، ذكره الدوري عنه.
وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: كان شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة، قال: وقال يحيى بن سعيد، في حديث موسى الجهني، عن مجاهد، قال: خرجت إلينا عائشة، أو حدثتني [عائشة] قال يحيى: فحدثت به شعبة فأنكره
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وقال ابن أبي حاتم: روى عن عائشة مرسلًا.
(٣٩٤) وذكر من طريق أبي داود، من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة أيضًا قالت: «كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ، محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه.
لم يعرض له بأكثر من هذا، والقول فيه كما تقدم.
(٣٩٥) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن عائشة «أنها حاضت بسرف، فتطهرت بعرفة».
ولم يقل في إسناده شيئًا، وهو عند مسلم من طريق ابن أبي نجيح، عن
[ ٢ / ٣٩١ ]
مجاهد عن عائشة، والقول فيه كما تقدم.
(٣٩٦) والصحيح عن عائشة من غير رواية مجاهد، أنها إنما طهرت يوم النحر، ويوم النحر إنما تكون فيه إما بمزدلفة سحرًا، أو بمنى، أو بمكة.
(٣٩٧) وعنها أيضًا صحيح في كتاب مسلم: «أدركني يوم عرفة وأنا حائض».
(٣٩٨) وذكر حديث حبيبة بنت أبي تجراة: «إن الله كتب عليكم السعي»
[ ٢ / ٣٩٢ ]
اختار من ألفاظه لفظًا أورده به من التمهيد.
وأبو عمر قد تولى بيان انقطاع طريق ذلك اللفظ، وقد استحق الحديث أن
[ ٢ / ٣٩٣ ]
يذكر ذكرا مستوعبًا، في باب الأحاديث التي أتبعها كلامًا، يقضي ظاهره بصحتها وليست بصحيحة.
(٣٩٩) وذكر من مراسل أبي داود، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: علي بدنة وأنا موسر لها، ولا أجد، فقال رسول الله ﷺ: «اذبح سبع شياه».
ثم قال: وصله يحيى بن الحجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، والصحيح مرسل.
هكذا أورده هذا الموضع، وهو دال على المجازفة، وينبغي أن نورد ما في المراسل بنصه، حتى يتبين له أن يحيى بن الحجاج، لم يأت بزيادة.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن سعيد، أن سليمان بن حيان، حدثهم عن ابن جريج، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجد، فقال رسول الله ﷺ: «اذبح سبع شياه».
حدثني الوليد بن عتبة، قال: حدثني أبو ضمرة، عن ابن جريج بإسناده ومعناه
هذا نص ما في كتاب المراسل، وهو مثل ما ذكر عن يحيى بن حجاج سواء، فلنبين ما في كلام أبي محمد فنقول المحدث إذا قال: مرسل، فأكثر ما يقوله
[ ٢ / ٣٩٤ ]
عن حديث سقط أول إسناده.
مثاله أن يسقط من هذا ذكر ابن عباس، فيبقى عن عطاء الخرساني، عن النبي ﷺ، فلو سقط منه أوله وثانيه فأكثر، سموه مرسلًا أيضًا، ومنهم من يخص به اسم معضل، فمتى ثبت أوله، وسقط مما بعده، أو ثبت أوله وثانيه، وسقط مما بعدهما، فأكثر ما يقولون في هذا: منقطع وربما قالوا: مرسل.
فقول أبي محمد: «وصله يحيى بن الحجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، والصحيح مرسل»، لا يصح إلا لو كان الأول الذي في المراسل لا ذكر فيه لابن عباس، ويكون يحيى بن الحجاج قد زاده، أن يكون يحيى بن الحجاج، قد زاد واحدًا بين عطاء وابن عباس، وليس شيء من ذلك كائنًا، بل الانقطاع الذي كان فيما أورد من المراسل، باق في رواية يحيى بن الحجاج كما كان.
وما يدل هذا إلا على أن أبا محمد خفي عليه انقطاع الأول، واعتمد في كونه مرسلًا سوق أبي داود له في المراسل، وإلا فلو علم انقطاعه ما كان يقضي على رواية يحيى بن الحجاج بالاتصال، وذلك الانقطاع بعينه فيها، وانقطاع الأول هو فيما بين عطاء الخرساني وابن عباس، وقد تولى بيانه أبو داود بنفسه في باب آخر.
(٤٠٠) وذلك أنه ذكر في كتاب النكاح من المراسل حديث ابن جريج
[ ٢ / ٣٩٥ ]
أيضًا، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة».
ثم قال بإثره: عطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره.
فإذا الأمر هكذا، فرواية يحيى بن الحجاج أيضًا منقطعة كذلك.
وما أوهمه قوله من أن رواية يحيى بن الحجاج فيها ما ليس فيما أورده من المراسل خطأ، وإنما رأى رواية يحيى في كتاب أبي أحمد.
قال أبو أحمد: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن حسان الأزرق، أخبرنا يحيى بن أبي الحجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أن علي بدنة وأنا موسر، ولا أجدها، قال: «فأمره أن يذبح تسع شياه، أو سبع شياه - ابن حسان شك -».
فهذه رواية يحيى بن حجاج بن أبي الحجاج، مثل رواية أبي خالد وأبي ضمرة سواء فاعلم ذلك.
(٤٠١) وذكر من طريق أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون وكل منى منحر، وكل فجاج
[ ٢ / ٣٩٦ ]
مكة منحر، وكل جمع موقف».
هكذا ذكره وسكت عنه، وهو حديث يرويه عند أبي داود أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة.
وقد نص يحيى بن معين على أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة وتكرر ذلك في كتاب عباس الدوري.
وذكر البزار لمحمد بن المنكدر عن أبي هريرة أحاديث يسيرة.
منها هذا الحديث بعينه، فقال: ومحمد بن المنكدر لا نعلمه سمع من أبي هريرة، وقد سمع من ابن عمر، وجابر، وأنس
ثم قال في آخر الباب: وقد ذكرنا أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، فأمسكنا أن نذكر عنه إلا هذه الأحاديث لنبين أنه لم يسمع منه.
ولهذا الحديث شأن آخر ليس من هذا الباب، وهو أن جماعة روته عن أيوب فوقفته على أبي هريرة:
منهم عبد الوهاب الثقفي، وابن علية، واختلف فيه على معمر، عن أيوب، فرفع عنه ووقف، وقد بين ذلك كله الدارقطني في علله.
(٤٠٢) وذكر من طريق أبي داود، عن حميد، عن الحسن، عن عمران
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ابن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب في الرهان».
هكذا ذكره على أنه متصل.
(٤٠٣) ولما ذكر من طريق مسلم حديث عمران بن حصين في «الذي
[ ٢ / ٣٩٨ ]
أعتق عند موته ستة أعبد»، أتبعه أن قال: القول الشديد - والله أعلم - هو ما ذكر النسائي من رواية الحسن، عن عمران بن الحصين، أن النبي ﷺ قال:
(٤٠٤) «لقد هممت أن لا أصلي عليه».
ولم يعرض للحديث أيضًا بشيء.
(٤٠٥) وذكر من طريق أبي داود، عن الحسن، عن عمران، أن
[ ٢ / ٣٩٩ ]
نبي الله ﷺ قال: «لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر» الحديث.
وقال بإثره: تكلموا في سماع الحسن من عمران.
لم يزد على هذا، والحسن لا يصح له السماع من عمران، فهو منقطع.
وقد أنكر أحمد بن حنبل على مبارك بن فضالة قوله في غير حديث عن الحسن: حدثنا عمران، وأصحاب الحسن غيره لا يقولون ذلك، وكان كثير التدليس.
(٤٠٦) وقد ذكر أبو محمد في كتاب النكاح من طريق الترمذي، عن
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الحسن، عن عمران بن حصين، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن ابني مات فما لي من ميراثه؟ قال: «السدس» الحديث.
ثم قال: صححه الترمذي.
وقال أبو حاتم: لم يسمع الحسن من عمران.
فهذا منه اعتراف بأنه لم يسمع حين اعترض به تصحيح الترمذي للحديث المذكور.
وقد اعترى أبا محمد في الحديث الأول ما أوجب كتبه في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها وقد تقدم ذلك.
(٤٠٧) وذكر من طريق الترمذي عن أم هانئ، قالت: «قدم رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٠١ ]
مكة وله أربع غدائر»، ثم قال: هذا حديث حسن.
كذا ذكره، ولم يعرض له بأكثر من هذا.
والترمذي قد حكى إثره عن البخاري أن قال: لا أعرف لمجاهد سماعًا من أم هانئ، وهو عنده من رواية مجاهد عنها فاعلمه.
(٤٠٨) وذكر من طريق النسائي حديث جابر: كانت لنا جوار، وكنا نعزل عنهن، فقال اليهود: تلك الموؤودة الصغرى، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك. الحديث.
وهو عندي متصل، وإنما كتبته ملزمًا له فيه الانقطاع على مذهبه.
وذلك أنه من رواية يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن جابر بن عبد الله قال: كانت لنا جوار
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وأبو محمد قد نص في باب الصيام في السفر على أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لم يسمع من جابر.
وذلك خطأ من قوله، وسنبين ذلك في باب الأحاديث التي ردها بالانقطاع وهي متصلة إن شاء الله تعالى.
(٤٠٩) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي بكر الصديق ﵁
[ ٢ / ٤٠٣ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: «ملعون من ضار مسلمًا أو مكر به».
ثم قال: هذا حديث غريب، وخرجه أبو بكر البزار عن أبي بكر أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام، ولا يدخل الجنة سيئ الملكة، ملعون من ضار مسلمًا أو غره».
في إسناده أسلم الكوفي.
هذا نص ما أورد، وعليه فيه أدرك.
أحدها هو مقصود الباب، وهو انقطاع حديث الترمذي، وذلك أن الترمذي ساقه من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا أبو سلمة الكندي قال: حدثنا فرقد السبخي، عن مرة بن شراحيل الهمداني، - وهو الطيب - عن أبي بكر، فذكره.
وقد نص البزار على أن مرة بن شراحيل لم يدرك أبا بكر، في المكان الذي ذكر فيه الحديث المذكور، وأدخل بينهما زيد بن أرقم، هو عنده هكذا من رواية عبد الواحد بن زيد، قال: قال أسلم الكوفي: عن مرة الطيب، عن زيد ابن أرقم، عن أبي بكر، فذكره.
ولم يعتمد الآن في انقطاع حديث الترمذي زيادة البزار بينهما واحدًا، فإن هذا القسم لم نذكره بعد، وإنما نذكر ما نص المحدثون على انقطاعه.
والبزار قد قال: إن مرة لم يدرك أبا بكر، وما من الجميع شيء يصح، فإن فرقدًا السبخي - وهو ابن يعقوب، وإن كان رجلًا صالحًا - حديثه منكر جدًا
قاله البخاري
وقد كان ابن معين يوثقه
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وأبو سلمة الكندي مجهول.
وعبد الواحد بن زيد، وأبو عبيدة البصري، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال عمرو بن علي: كان قاصًا، وكان متروك الحديث.
وقال البخاري: تركوه، يذكر بالقدر، منكر الحديث.
وقال البزار: أحسبه كان يذهب إلى القدر مع شهرة عبادته.
وأسلم الكوفي لا يعرف بغير هذا، ولا يعرف روى عنه غير عبد الواحد هذا.
وأبو محمد ﵀ أعل الحديث بأسلم، وترك إعلاله بعبد الواحد، ولم يقل في حديث الترمذي شيئًا، وقد تبين انقطاعه، وضعف فرقد، والجهل بحال أبي سلمة، فاعلم ذلك.
(٤١٠) وذكر من طريق مسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٤٠٥ ]
«قضى بيمين وشاهد».
كذا أورده، ولم يعرض [له] بشيء لما كان من عند مسلم.
وهو في كتاب مسلم من طريق قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس.
والترمذي قد ذكره في علله هكذا، ثم قال: سألت محمدًا عنه فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث.
وقال الطحاوي: قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء.
فهذا - كما ترى - رمي للحديث بالانقطاع في موضعين:
من البخاري فيما بين عمرو بن دينار، وابن عباس.
ومن الطحاوي، فيما بين قيس بن سعد، وعمرو بن دينار.
(٤١١) وقد ذكر الدارقطني في سننه، ما لا نعتمده مما يوافق ذلك: من
[ ٢ / ٤٠٦ ]
رواية عبد الله بن محمد بن ربيعة، قال: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: «قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد».
فلو صحت هذه الرواية، تبين بها ما قاله البخاري، ولكن لا تصح، فإن عبد الله بن محمد بن ربيعة هذا، هو القدامي، يروي عن مالك، وهو متروك، قاله الدارقطني، فاعلم ذلك.
(٤١٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب أعتق أمهات الأولاد
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وقال: «أعتقهن رسول الله ﷺ».
ثم قال: في إسناده عبد الرحمن الإفريقي، وهو ضعيف.
(٤١٣) وذكر من طريق أبي داود، عن سعيد بن المسيب، أن أخوين من الأنصار، كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب» الحديث.
ثم قال بعده: قال أحمد: سعيد بن المسيب عن عمر، عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم نقبل سعيدًا عن عمر، فمن نقبل؟
ذكر هذا عنه أبو محمد بن أبي حاتم.
(٤١٤) وذكر من طريق الترمذي عن الضحاك بن قيس، أن رسول الله ﷺ: «كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها»
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ثم قال: هذا حديث صحيح، قال: وقال أبو عمر: حديث الضحاك هو حديث صحيح عند جماعة العلماء، معمول به، انتهى ما ذكر.
ولم يبين أنه من رواية سعيد بن المسيب.
هكذا قال: قال عمر: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي بالخبر المذكور.
(٤١٥) وذكر من طريق الدارقطني عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب: «قضى في يوم وجد بينهم قتيل، فاستحلف منهم خمسين شيخًا، بالله رب هذا البيت الحرام» الحديث.
وضعفه بعمر بن صبح، ولم يعرض لسعيد عن عمر.
(٤١٦) وذكر من طريق قاسم بن أصبغ، عن سعيد بن المسيب، عن
[ ٢ / ٤٠٩ ]
صفوان بن المعطل السلمي، أنه ضرب حسان بن ثابت بالسيف في هجائه، فأتى النبي ﷺ، فاستعداه عليه فلم يعده، وعقل له جرحه، وقال: «إنك قلت قولًا سيئًا».
ثم قال: تكلموا في سماع سعيد بن المسيب من صفوان.
وصفوان قتل في أيام عمر، وإن كان سعيد قد سمع من عمر نعيه النعمان ابن مقرن.
(٤١٧) وقال في باب الوتر - بعد أن ذكر حديث وتر أبي بكر أول الليل، وعمر آخره -: يقال: إن سعيدًا لم يسمع من عمر إلا نعيه النعمان بن مقرن.
(٤١٨) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي عيسى الخرساني، عن عبد الله ابن القاسم [عن أبيه] عن سعيد بن المسيب، أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب يشهد أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه: «ينهي عن العمرة قبل الحج»
[ ٢ / ٤١٠ ]
ثم قال: هذا منقطع وضعيف الإسناد.
وليس فيه موضع للانقطاع الذي يعني، إلا فيما بين سعيد وعمر.
(٤١٩) وذكر من طريق الدارقطني، عن أبي قرة، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد عن عمر، عن النبي ﷺ قال: «ليس لقاتل شيء».
ثم قال: قد تكلم في سماع سعيد عن عمر
[ ٢ / ٤١١ ]
والمقصود أن كل ما سكت عنه من هذه الأحاديث - ولم يبين أنه من رواية سعيد عن عمر - فإنه قد أوهم اتصاله، وهو منقطع، فإن سعيدًا لا يصح له سماع من عمر، إلا نعيه النعمان بن مقرن.
ومنهم من أنكر أن يكون سمع منه شيئًا البتة، فاعلم ذلك.
(٤٢٠) وذكر من طريق النسائي، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعًا».
كذا ذكره ولم يقل فيه شيئًا، وهو منقطع، فإنه من رواية أبي قلابة عن معاوية، وقد قال أبو داود - بعد ذكره إياه في رواية عنه -: أبو قلابة لم يلق معاوية.
(٤٢١) وذكر من طريق الترمذي - في زكاة الفطر بنصف صاع من بر - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ
[ ٢ / ٤١٢ ]
ثم قال: اختلف في إسناده.
لم يزد على هذا، والخلاف الذي أشار إليه قد ذكره الترمذي، وذلك أن راويه عن عمرو بن شعيب، وهو ابن جريج، فعنه في ذلك قولان:
أحدهما: قول سالم بن نوح: عنه، عن عمرو، عن أبيه، عن جده
والآخر: قول عمر بن هارون: عنه، عن العباس بن ميناء، عن النبي ﷺ، وهذا لم يكن بضار له لو اتصل، وإنما الحديث غير متصل.
قال الدارقطني في كتاب العلل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب، فاعلمه.
(٤٢٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن رفاعة بن هرير، حدثنا أبي
[ ٢ / ٤١٣ ]
عن عائشة، قلت: يا رسول الله، أستدين وأضحي: قال: «نعم، فإنه دين مقضي».
ثم قال عن الدارقطني: إنه إسناد ضعيف.
لم يزد على هذا فيما ذكره به، وقد بين الدارقطني أن هرير بن عبد الرحمن ابن رافع، لم يدرك عائشة، فالحديث منقطع
وقد نبهنا عليه أيضًا في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها.
(٤٢٣) وذكر من طريق أبي داود، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثم
[ ٢ / ٤١٤ ]
ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم».
لم يزد على إبراز هذه القطعة من إسناده، واعتمد في يزيد بن أبي زياد ما قدم: من أنه لا يحتج به.
وقد بينا في باب الأحاديث التي سكت عنها، مصححًا لها، ما اعتراه فيه.
ولم يعرض لعيسى بن فائد بأمرين:
أحدهما: أنه لم يعرف بحاله، وهي مجهولة، ولا يعرف روى عنه غير يزيد بن أبي زياد.
وقال البخاري: هو أمير الرقة.
والثاني: أنه لم يبين هل سمع من سعد بن عبادة أم لا؟ وهو الذي قصدنا بذكره في هذا الباب.
فاعلم أن أبا محمد بن أبي حاتم لما ذكره قال: روى عمن سمع سعد بن عبادة، روى عنه يزيد بن أبي زياد، فاعلم ذلك
المدرك الثاني لانقطاع الأحاديث في هذا الباب
:
أعلم أن المحدث إذا روى حديثًا عن رجل قد عرف بالرواية عنه والسماع منه، ولم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وإنما جاء به بلفظة «عن» فإنه يحمل حديثه على أنه متصل، إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس، فيكون له شأن آخر
[ ٢ / ٤١٥ ]
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعنًا، غلب على الظن أن الأول منقطع، من حيث يبعد أن يكون قد سمعه منه، ثم حدث به عن رجل عنه.
وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله، وقيام الريب في ذلك، ويكون هذا أبين في اثنين لم يعلم سماع أحدهما من الآخر، وأن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون، وعليه وضعوا كتبهم، كمسلم في كتاب التمييز، والدارقطني في علله، والترمذي، وما يقع منه للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، تجدهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن، إذا روي بزيادة واحد بينهما، بخلاف ما لو قال في الأول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، ثم نجده عنه بواسطة بينهما، فإن ها هنا نقول: سمعه منه، ورواه بواسطة عنه، وإنما قلنا: سمعه منه، لأنه ذكر أنه سمعه منه، أو حدثه به، وينبغي أن نعرض عليك في هذين الفصلين، ما يدلك على أن مذهب أبي محمد: عبد الحق، هو هذا الذي وصفناه فيهما.
(٤٢٤) ذكر حديث قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، أن معاوية قال لأصحاب النبي ﷺ: هل تعلمون أن النبي ﷺ «نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النمور»؟ قالوا: نعم قال: فتعلمون أنه «نهى أن يقرن بين الحج
[ ٢ / ٤١٦ ]
والعمرة؟» قالوا: أما هذه فلا
قال: إنها معهن، ولكنكم نسيتم.
ثم أتبعه أن قال: لم يسمعه أبو شيخ من معاوية بكماله، سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور، فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان، عن معاوية، ومرة يقول: عن أخيه حمان ومرة يقول: جماز، وهم مجهولون.
فهذا - كما ترى - حكم منه على الأول بالانقطاع، لزيادة واحد بينهما.
واختصار أمر هذا الحديث، هو أن أبا شيخ يرويه عنه رجلان: قتادة، ومطر، فلا يجعلان بينه وبين معاوية أحدًا، ورواه عنه بيهس بن فهدان فذكر سماعه من معاوية لفظة النهي عن جلود النمور خاصة، وحديثه مذكور ببيان ذلك عند النسائي، ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير، فأدخل بينه وبين معاوية رجلًا اختلفوا في خبطه كما ذكر.
فقيل: أبو حمان، وقيل: جمان [وقيل: جماز] وهو أخو أبي شيخ.
وقال الدارقطني: إن القول فيه قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدًا - يعني قتادة، ومطرًا، وبيهس بن فهدان.
ولكن أبى ذلك أبو محمد عبد الحق، وقضى بانقطاعه، لإدخال الواسطة بينهما، اتباعا لابن حزم
[ ٢ / ٤١٧ ]
(٤٢٥) وذكر من طريق أبي داود، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين: الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل منبطحًا على بطنه».
ثم قال: لم يسمعه جعفر من الزهري هذا أيضًا إنما تلقاه من أبي داود، فإنه لما أورد الحديث، أتبعه رواية هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن جعفر بن برقان، أنه بلغه عن الزهري.
(٤٢٦) وذكر حديث سلمة بن المحبق، في الذي يقع على جارية امرأته.
من رواية الحسن، عن سلمة، ثم قال: إن أبا عمر بن عبد البر صححه، ثم أبى ذلك عليه، فإنه قد روي عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة، ثم ضعفه من أجل قبيصة.
فهذا عمله في الفصل الأول، يقضي بانقطاع المعنعن، إذا وجده بزيادة
[ ٢ / ٤١٨ ]
واحد، وقد يقع له ما يوهم خلاف هذا، وليس على ظاهره.
(٤٢٧) ذكر حديث عمرو بن العاص: «في صلاته حين أجنب دون اغتسال» من رواية جبير بن نفير عنه، ثم أردفه لفظًا آخر، من رواية جبير ابن نفير، عن أبي قيس مولى عمرو عن عمرو، ثم قال: هذا أوصل من الأول.
كأنه يفهم أن الأول أيضًا موصول، وليس كذلك، بل معنى قوله: «أوصل» أن هذا متصل دون الأول، فإنه منقطع، والأمر فيه بين عند المحدثين أنه دون أبي قبيص منقطع.
(٤٢٨) وأما الفصل الثاني، فإنه ذكر حديث حكيم بن حزام: «إذا
[ ٢ / ٤١٩ ]
ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تستوفيه».
وصححه لما وجد في رواية همام قول يوسف بن ماهك: حدثنا حكيم بن حزام، ولم يبال بإدخال من أدخل عبد الله بن عصمة بينهما، لأنه قد قال: حدثنا حكيم، فلم يبعد أن يسمعه منه، ويرويه بواسطة عنه، فيحدث به على الوجهين، وعلى أن هذا العمل عندي في هذا الحديث خاصة خطأ، لما قد بينت من أمره فيما تقدم في باب الأحاديث التي لم يعزها.
(٤٢٩) وصحح أيضًا حديث عبد الرحمن بن معاذ التميمي في «خطبة النبي ﷺ بمنى، وإنزال المهاجرين والأنصار، ورمي الجمار»، فإنه ذكر أنه سمعه من النبي ﷺ، ثم روي عنه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
(٤٣٠) وكذلك حديث الحجاج بن عمرو: «من كسر أو عرج» يرويه
[ ٢ / ٤٢٠ ]
عكرمة قال: سمعت حجاج بن عمرو، يرويه أيضًا عن عبد الله بن رافع عنه بزيادة: «أو مرض».
(٤٣١) وكذلك حديث المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء».
رواه عنه زياد بن علاقة، فقال: سمعت المغيرة، من رواية أبي داود الحفري عن سفيان الثوري، عن زياد.
ولم يبال بإدخال من أدخل من أصحاب الثوري بين زياد والمغيرة رجلًا
(٤٣٢) وكذا حديث علي: «نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن وأنا
[ ٢ / ٤٢١ ]
راكع أو ساجد».
لما وجد في رواية يونس عن ابن شهاب، من قول عبد الله بن حنين: إنه سمع عليًا، لم يبال بإدخال الضحاك بن عثمان، وابن عجلان بينهما ابن عباس.
وقد استمر به هذا حتى عمله حيث لا ينبغي.
(٤٣٣) وذلك أنه ذكر حديث عرفجة المتخذ أنفًا من ورق، فلما أنتن
[ ٢ / ٤٢٢ ]
اتخذه من ذهب.
وقبله لما علم أن عبد الرحمن بن طرفة قد سمع من جده عرفجة
ولم يبال أن روي من طريق ابن علية، عن أبي الأشهب بزيادة أبيه طرفة بينهما
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وهو عمل غير صحيح، لأنا نقول له: هبك أنه سمع منه، فهو لم يقل في هذا الحديث: إنه سمعه منه، وقد روي بزيادة واسطة، فهو في الحقيقة مثل القسم الأول.
وقد فرغت من مقدمة هذا المدرك الثاني، والآن أبتدئ بذكر ما فيه، مستعينًا بالله فأقول:
(٤٣٤) ذكر من طريق أبي داود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»
[ ٢ / ٤٢٤ ]
كذا أورده وسكت عنه، وهو عند أبي داود من رواية حماد بن سلمة قال: حدثنا علي بن الحكم عن عطاء، عن أبي هريرة.
وتابع حماد بن سلمة على هذا، عمارة بن زاذان ذكره عنه البزار، وخالفهما عبد الوراث ابن سعيد - وهو ثقة - فرواه عن علي بن الحكم، عن رجل عن عطاء، عن أبي هريرة - أدخل بين علي وعطاء رجلًا مجهولًا - وقد قيل: أنه حجاج بن أرطاة.
ولو كان علي قد سمعه من عطاء، ما رواه عن رجل عنه، اللهم إلا لو كان قد صرح بسماعه من عطاء بأن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، أو ما أشبه ذلك فحينئذ كنا نقول: رواه عنه سماعًا، ورواه بواسطة عنه، فحدث به على الوجهين، وإذا كان الأول معنعنا، فزيادة رجل بينهما دليل انقطاع المعنعن.
وللحديث إسناد آخر برجال ثقات، سليم من الانقطاع، فذكره به في باب الأحاديث التي هي صحيحة من غير الطرق التي ذكرها منها إن شاء الله تعالى.
(٤٣٥) وذكر في الطهارة من طريق الترمذي، من حديث أبي: «إنما كان الماء من الماء [رخصة] في أول الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك»
[ ٢ / ٤٢٥ ]
ولم يتبعه شيئًا، اعتمادًا على تصحيح الترمذي إياه.
وهو عند الترمذي من رواية الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب.
وقد تبين عند أبي داود، من رواية عمرو بن الحارث عن ابن شهاب أنه منقطع.
قال ابن شهاب: أخبرني بعض من أرضى، أن سهل بن سعد أخبره، أن أبي بن كعب أخبره، فذكره.
وإن صح ما ذكر بقي بن مخلد، كان الحديث متصلًا، قال: حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: نبأني سهل بن سعد الساعدي، عن أبي بن كعب، قال: كانت الفتيا في الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أحكم الأمر ونهي عنه.
وقد تقدم ذكر هذا الحديث أيضًا في باب الأحاديث التي يذكرها عن راو أو رواة، ثم يردف عليها آخر، ليست من رواية أولئك الرواة.
(٤٣٦) وذكر من طريق مسلم عن أبي هريرة، أنه: «لقي النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب» الحديث
[ ٢ / ٤٢٦ ]
سكت عن هذا الحديث ولم يقل فيه شيئًا، وهو عند مسلم من رواية يحيى ابن سعيد، وإسماعيل بن علية، عن حميد، عن أبي رافع.
وهو هكذا منقطع فيما بين حميد وأبي رافع.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى - هو ابن سعيد - وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: «لقيني رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، وأنا جنب»، الحديث بنصه.
وفيه: «سبحان الله، إن المسلم لا ينجس».
وقال في حديث بشر: نبأني حميد، قال: حدثني بكر، وكذلك ذكره البخاري عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع.
ولا أدري لم لم يذكره من عند البخاري بهذا الإسناد المتصل.
وكذلك ذكر ابن أبي شيبة في مسنده رواية إسماعيل بن علية، عن حميد عن بكر، عن أبي رافع.
وكذلك ذكره ابن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع.
فإذن إما قصر فيه عن يحيى بن سعيد زهير بن حرب - أسقط منه بكرًا من بينهما - ولا أدري لم لم يذكر حديث حذيفة بمثل ذلك أيضًا؟ وهو حديث صحيح متصل، ذكره مسلم، فاعلم ذلك.
(٤٣٧) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال: «اغتسل بعض
[ ٢ / ٤٢٧ ]
أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ منها» الحديث.
وأتبعه تصحيح الترمذي إياه، واعترضه هو بكون سماك يقبل التلقين.
وقد كان يجب على أصله في قبول حديث شريك بن عبد الله في بعض المواضع، أن يكون هذا مرسلًا، فإن شريكًا رواه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: «أجنبت فاغتسلت من جفنة، فجاء النبي ﷺ» الحديث.
ذكر ذلك الدارقطني، فزاد - كما ترى - عن ميمونة، فيجب به أن تكون رواية شعبة، والثوري، وأبي الأحوص، عن سماك، مرسلة، إذ لم تذكر فيها ميمونة، ويتبين برواية شريك، أن ابن عباس لم يشهد ذلك، وإنما تلقاه من ميمونة خالته، والله أعلم.
(٤٣٨) وذكر من طريق النسائي عن قيس بن عاصم، أنه أسلم «فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر».
قال: وذكره الترمذي وقال فيه: حديث حسن
[ ٢ / ٤٢٨ ]
هذا ما ذكره به ولم يزد عليه، وهو حديث منقطع الإسناد عند النسائي، وذلك أنه عنده من رواية سفيان الثوري، عن الأغر - وهو ابن الصباح - عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم.
رواه عنده عن سفيان يحيى بن سعيد، ورواه أبو داود عن محمد بن كثير، عن سفيان بهذا الإسناد أيضًا، وقد زيد بينهما واحد - أعني بين خليفة بن حصين، وقيس بن عاصم -.
قال أبو علي بن السكن في كتابه في السنن، عن محمد بن يوسف، هو - الفربري - عن البخاري، عن علي بن خشرم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده قيس بن عاصم أنه قال: «أسلمت فأمرني رسول الله ﷺ أن أغتسل بماء وسدر».
ثم قال: هكذا رواه وكيع مجودًا عن أبيه، عن جده.
ويحيى بن سعيد وجماعة رووه عن سفيان، لم يذكروا أباه، انتهى كلام أبي علي.
فقد تبين بهذا أن رواية يحيى ومحمد بن كثير عن سفيان منقطعة، فإنها كانت معنعنة، فجاء وكيع - وهو في الحفظ من هو - فزاد «عن أبيه» فارتفع الإشكال وتبين الانقطاع.
ثم نقول: فإذ لابد في هذا الإسناد من زيادة حصين بن قيس بين خليفة وقيس، فالحديث ضعيف فإنها زيادة عادت بنقص، فإنها ارتفع بها الانقطاع وتحقق ضعف الخبر، فإن حاله مجهولة بل هو في نفسه غير مذكور ولم يجر له ذكر في كتابي البخاري وابن أبي حاتم إلا غير مقصود برسم يخصه
[ ٢ / ٤٢٩ ]
أما البخاري فإنه لما ذكر خليفة بن حصين قال: روى عن أبيه.
وأما ابن أبي حاتم فإنه لما ذكر قيس بن عاصم قال: روى عنه ابن ابنه خليفة بن حصين.
فأما في باب من اسمه حصين فلم يذكر وابنه خليفة ثقة، وكذلك الأغر بن الصباح فأعلم ذلك.
(٤٣٩) وذكر في التيمم ألفاظ حديث عمار.
ثم قال: ويروى من حديث عمار أيضًا أن النبي ﷺ «مسح وجهه ويديه إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين، ويروى إلى المرفقين».
ثم قال: والصحيح المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي ﷺ، إنما هو للوجه والكفين.
وهذه الأحاديث التي تزيد على ما في المشهور ذكرها أبو داود والنسائي وغيرهما. انتهى كلامه.
ففيه القضاء لأحاديث الوجه والكفين بالصحة والشهرة - وصدق - ولأحاديث نصف الساعد أو المرفقين بنقيض ذلك، إما أنها ليست صحيحة
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ولا مشهورة، وإما أنها ليست مشهورة، وإن كانت صحيحة.
فإن كان يعني أنها صحيحة ولكن ليست مشهورة، فهي من هذا الباب، فإنها على ما نبين - منقطعة، وذلك أن الحديث الذي فيه نصف الساعد، هو عند أبي داود، من رواية الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار.
والانقطاع فيه، هو فيما بين سلمة بن كهيل وابن أبزى، فإن سلمة لم يسمعه من عبد الرحمن بن أبزى، إنما سمعه من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه - في قول جرير - عن الأعمش، أو من أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى - في قول الثوري - عن سلمة، أو من ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى - في قول شعبة، عن سلمة _.
والأمر في ذلك عند المحدثين بين أعني أن سلمة لم يسمع هذا من عبد الرحمن بن أبزى.
وفي رواية الثوري: عن سلمة، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي في هذا الحديث: ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع، فقال عمر: يا عمار.
الحديث.
ذكره أبو داود وهو صحيح متصل، مغن عما أورد أبو محمد، فلا أدري لم كتب اللفظ الذي إسناده منقطع وترك هذا!؟
وأما الحديث الآخر الذي فيه إلى المرفقين، فأبين انقطاعًا من هذا، فإن قتادة يقول فيه بلا خلاف عنه: حدثني محدث عن الشعبي.
وسنعيد القول فيه في المدرك الرابع إن شاء الله تعالى
[ ٢ / ٤٣١ ]
(٤٤٠) وذكر من طريق أبي داود، حديثًا بين فيه أنه مرسل بسقوط الصاحب منه، وبقي عليه أن يبين أنه منقطع قبل أن يصل إلى الذي أرسله، وهو ما ذكر عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا
الحديث.
ثم قال: - يعني أبا داود - ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ في هذا الحديث
انتهى كلامه.
فقد أعطى فيه أنه مرسل بسقوط أبي سعيد بين عطاء بن يسار والنبي ﷺ وقنع فيه ببعض كلام أبي داود.
وأبو داود كما بين أن ذكر أبي سعيد لا يصح فيه، فكذلك بين أنه منقطع قبل أن يصل إلى عطاء.
وبيان هذا هو أن أبا داود قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، فذكره.
ثم قال أبو داود: غير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ، وذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم ليس بمحفوظ، وهو مرسل
[ ٢ / ٤٣٢ ]
ففي هذا من كلام أبي داود بيان أمرين.
أحدهما: أن ذكر أبي سعيد وهم، فهو إذن مرسل من مراسل عطاء.
والآخر: أن بين الليث وبين بكر بن سوادة، عميرة بن أبي ناجية، فلم يذكر أبو محمد هذا الانقطاع، الذي بين الليث وبين بكر.
فإن قلت: هو قد قنع به مرسلًا، والمرسل متصل إلى عطاء بن يسار، بزيادة عميرة بن أبي ناجية، فلعله الذي أورد، وإياه قصد.
فالجوب أن نقول: هو إذن قد ترك أن يبين أنه مرسل، في إسناده رجل مجهول، وذلك أن عميرة بن أبي ناجية مجهول الحال، فإذا لم يبين ذلك فقد أوهم أنه لا عيب له إلا الإرسال.
والأظهر أنه لم يرد شيئًا من ذلك، ولا اعتقد فيه إلا أنه إذا سقط منه ذكر أبي سعيد، بقي من رواية الليث، عن بكر، عن عطاء مرسلًا، على نحو ما رواه ابن المبارك، عن الليث، ذكر روايته الدارقطني، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل الفارسي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما
نحوه.
وإذا كان هذا هو الذي اعتقد، فلم يعتمد إلا منقطعًا فيما بين ليث وبكر ولكنه لم يبينه ولا أيضًا تبين له على نحو ينفعه، فإن المنقطع الذي اعتمد، إنما وصله أبو داود عن رجل مجهول، وهو عميرة بن أبي ناجية، وأقول بعد هذا: إنه قد جاء من رواية أبي الوليد الطيالسي، قال: نبأني الليث بن
[ ٢ / ٤٣٣ ]
سعد عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ فذكر الحديث.
ذكره أبو علي بن السكن، قال: حدثنا أبو بكر بن أحمد الواسطي، قال: حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، فذكره.
فهذا اتصال ما بين الليث وبكر، بعمرو بن الحارث، وهو ثقة، قرنه بعميرة، ووصله بذكر أبي سعيد.
فإن قيل: فكيف بما روى ابن لهيعة في هذا، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار، أن رجلين، هكذا مرسلًا، أليس هذا يعطي انقطاعًا آخر، فيما بين بكر وعطاء برجل مجهول، وهو أبو عبد الله مولى إسماعيل؟
قلنا: هذا لا يلتفت إليه، لضعف راويه ابن لهيعة.
وقد تبين المقصود، وهو أن أبا محمد ذكر الإرسال، ولم يذكر الانقطاع فاعلمه.
(٤٤١) وذكر من طريق الترمذي حديث أبي هريرة: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة» الحديث.
من رواية أبي صالح عنه، ثم حكى عن الترمذي أنه قال: وفي الباب عن
[ ٢ / ٤٣٤ ]
عائشة.
وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي هريرة أصح، وسمعت البخاري يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح.
هذا نص ما أورد من غير مزيد، وخفي عليه من أمره أنه منقطع، فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ومعنعن الأعمش عرضة لتبين الانقطاع، فإنه مدلس، وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس، فإنه إذا كان ثقة يختلف في قبول معنعنه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، فإنه إذا قال ذلك قبل إجماعًا لثقته، وإذا لم يقل ذلك قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنه سمعه.
فهذا الحديث من ذاك القبيل فإن أبا داود قد بين فيه الانقطاع فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين».
حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، قال: نبئت عن أبي صالح - ولا أراني إلا قد سمعت منه - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر مثله.
ففيه - كما ترى التصريح بالانقطاع في رواية ابن فضيل بزيادة رجل مجهول، والشك في الاتصال، بظن السماع في رواية ابن نمير
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فليس ينبغي - وحاله هذه أن يجزم أنه سمعه منه.
وفي كتاب عباس الدوري، عن ابن معين، أنه قال: قال سفيان الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح: «الإمام ضامن» ولم يصحح ابن المديني في هذا الباب شيئًا، لا من رواية أبي هريرة، ولا من رواية عائشة.
وفيه أيضًا حديث جابر، وسيأتي في هذا الباب في المشكوك في اتصاله إن شاء الله تعالى.
(٤٤٢) وذكر من طريق مسلم عن علي، قال «نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن وأنا راكع أو ساجد».
وسكت عنه، وينبغي أن يكون منقطعًا، فإن الذين رووه بهذا اللفظ - بزيادة ذكر السجود - هم الزهري، وزيد بن أسلم، الوليد بن كثير، وداود بن قيس، يقول جميعهم: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وهو هكذا ينقص منه واحد، فإن الضحاك بن عثمان، وابن عجلان، روياه فزادا بين عبد الله بن حنين وعلي، عبد الله بن عباس، وبذلك يتصل.
وليس لك أن تقول: فلعله اعتمد فيه هذا الطريق، وإنما لم يكن لك ذلك، لأن رواية هذين وجماعة غيرهما، ليس فيها للسجود ذكر.
(٤٤٣) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: «حيث جاء أخذ القراءة من حيث بلغ أبو بكر» قال: وذكره البزار عن العباس.
قال البخاري: لم يذكر ابو إسحاق سماعًا من أرقم.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان أرقم ثقة جليلًا.
وقال عن أبي إسحاق: أرقم من أشرف الناس ومن خيارهم.
قال ابن عبد البر: هم ثلاثة إخوة: أرقم، وعمرو وهذيل
انتهى ما ذكر.
والمقصود بيانه منه، هو انقطاع رواية ابن عباس، فإنه ﵁ كثيرًا ما يرسل، ولا يذكر من حدثه، حتى لقالوا: إن مسموعاته سبعة عشر
[ ٢ / ٤٣٧ ]
حديثًا، وقد زيد على ذلك، وقد جمعها الحميدي وغيره.
ولكن الصحيح الذي يجب أن يعمل به في أمره، هو أن تحمل أحاديثه - مما لم يذكر فيها السماع - على الاتصال، حتى يتبين في حديث منها أنه أخذه عن واسطة بينه وبين النبي ﷺ، فيقال حينئذ في ذلك الحديث - حين رواه بغير ذكر الواسطة -: مرسل.
وهذا الحديث كذلك، [فإنه] إنما يرويه عن أبيه العباس، عن النبي ﷺ.
والرواية التي أشار إليها الآن أبو محمد في كتابه، من رواية العباس عن النبي ﷺ، إنما هي من رواية ابنه عبد الله بن عباس عنه، وكان حقه أن يقول: «وذكر البزار عن ابن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ»، ليتبين بذلك انقطاع الأولى، التي ساق من عند ابن أبي شيبة، لكنه لم يفعل، فجاء به، كأنه مسموع لهما من النبي ﷺ.
والحديث المذكور إنما هو حديث أرقم بن شرحبيل، فرواه عنه أبو إسحاق، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بغير ذكر العباس.
هذه رواية ابن أبي شيبة، عن إسرائيل عنه.
ورواه عن أرقم، عبد الله بن أبي السفر، فزاد فيه العباس، رواه عن عبد الله بن أبي السفر - عند البزار - قيس بن الربيع، وعند الدارقطني، يحيى ابن آدم
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فرواية ابن عباس مرسلة، تتصل بزيادة أبيه العباس، فاعلم ذلك.
(٤٤٤) وذكر من طريق أبي داود، من حديث عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس، عن النبي ﷺ، في قصة الأنصاري الذي سأله: «فباع عليه الحلس والقدح».
كذا قال عن أنس، عن النبي ﷺ.
والترمذي قد ذكر في كتاب العلل، من رواية معتمر بن سليمان، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ فذكر قصة الحلس والقدح.
فيظهر من هذا أن أنسًا إنما أخذ القصة من غيره.
وقد عاد ذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححًا لها
(٤٤٥) وذكر إثر حديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أن قال: قال أبو
[ ٢ / ٤٣٩ ]
عيسى: وفي الباب عن جابر، والفراسي
انتهى كلام أبي عيسى.
حديث الفراسي، لم يروه - فيما أعلم - إلا مسلم بن مخشي، ومسلم ابن مخشي لم يرو عنه - فيما أعلم - إلا بكر بن سوادة.
هذا نص ما ذكر، وأظن أنه خفي عليه انقطاع حديث الفراسي، وهو حديث لم يسمعه مسلم بن مخشي عن الفراسي، وإنما يروي مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي، عن الفراسي.
والحديث المذكور هو هذا: قال أبوعمر بن عبد البر: حدثنا خلف بن القاسم قال: حدثنا أحمد بن الحسين الرازي، قال حدثنا أبو الزنباع: روح بن الفرج القطان، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، أنه حدث أن الفراسي قال: كنت أصيد في البحر الأخضر، على أرمات، وكنت أحمل قربة لي، فيها ماء، فإذا لم أتوضأ من القربة رقق ذلك بي، وبقيت لي، فجئت رسول الله ﷺ، فقصصت ذلك عليه، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
وما أرى أبا محمد وقف عليه إلا عند ابن عبد البر، ولذلك لم يقل فيه كما قال في حديث:
[ ٢ / ٤٤٠ ]
(٤٤٦) «إذا كنت سائلًا فسل الصالحين».
حيث قال: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم بن مخشي.
وذلك أنه لم ير في حديثه هنا لابن الفراسي ذكرًا، ورآه في حديث: «سل الصالحين».
ومن هناك يتبين أن مسلم بن مخشي لا يروي عن الفراسي إلا بواسطة ابنه.
والحديث المذكور ذكره في الزكاة من طريق النسائي، من رواية مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله ﷺ: أسأل يا رسول الله؟ قال: «لا، وإن كنت لا بد سائلًا فاسأل الصالحين».
ثم قال: ابن الفراسي لا أعلم روى عنه إلا مسلم بن مخشي.
وقال الترمذي في علله: «سألت محمدًا عن حديث ابن الفراسي في ماء البحر، فقال: هو حديث مرسل، لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ، والفراسي له صحبة».
فهذا (كما ترى) يعطي أن الحديث يروى أيضًا عن ابن الفراسي، عن النبي ﷺ، لا يذكر فيه الفراسي
[ ٢ / ٤٤١ ]
فمسلم بن مخشي إنما يروي عن الابن، وروايته عن الأب مرسلة، والله أعلم.
(٤٤٧) وذكر من طريق النسائي حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل في الصوم، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه».
هكذا ذكره على أنه متصل، وفيه عندي نظر لا يعدم عليه مساعد، وذلك أنه حديث يرويه عند النسائي ابن أبي ذئب، عن سعيد بن ابي سعيد عن أبي هريرة.
وسعيد سمع أبا هريرة، يروى عنه أحاديث يذكر فيها سماعه منه، ويروي أيضًا الكثير عن أبيه، أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، فإذا جاء معنعنة عن أبي هريرة، حملنا علىأنه مما سمع، ما لم يتبين الانقطاع، فإن جاءنا في حديث قد رواه عن أبي هريرة أنه حدث به عن أبيه، عن أبي هريرة، أورث شكًا في الطريق الذي لم يذكر فيه أباه، وظنناه منقطعًا.
وحديث هذا الباب من ذلك، فإنه يرويه ابن وهب، عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، كما ذكرناه بزيادة لفظ «والجهل»
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ويرويه غير ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، بزيادة: «عن أبيه» في إسناده، ونقص لفظة: «والجهل» من متنه.
فيستبعد أن يكون الحديث عن سعيد بن أبي سعيد مسموعا من أبي هريرة كاملا، فيحدث به عن أبيه، عنه ناقصا.
قال البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
لم يذكر «والجهل».
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر مثله سواء.
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال، فذكره
وقال فيه حسن صحيح.
وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، قال حدثنا أبو عامر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ
فذكره
[ ٢ / ٤٤٣ ]
قال: وحدثناه عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله.
فهؤلاء آدم بن أبي إياس وأحمد بن يونس، وعثمان بن عمر، وأبو عامر العقدي، وأبو قتيبة: سالم بن قتيبة، كلهم يذكر في الإسناد: «عن أبيه» ولا يذكر في المتن: «والجهل» وكلهم ثقة.
وابن وهب يذكر في المتن لفظة: «والجهل» ويسقط من الإسناد «عن أبيه» فروايته - والله أعلم - منقطعة، فاعلم ذلك.
(٤٤٨) وذكر من طريق مالك، عن أبي موسى [الأشعري] أن
[ ٢ / ٤٤٤ ]
رسول الله ﷺ قال: «من لعب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله».
ثم قال: اختلف في إسناد هذا الحديث.
كذا قال، ولم يبين من أمره شيئا، إنما هو - والله أعلم - منقطع - أعني رواية مالك - وذلك أنه يرويه عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى.
وهكذا يرويه نافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وموسى بن عبد الله بن سويد، كلهم عن سعيد بن أبي هند كذلك.
وكذا رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن سعيد بن أبي هند كذلك، وخالفه ابن المبارك، فرواه عن أسامة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن أبي موسى.
فذل ذلك على انقطاع الأول
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قال الدارقطني: حدثنا يحيى بن صاعد إملاء، حدثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، إملاء، في سنة تسع وثلاثين - وكتبت بخطي - حدثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل - فيما أعلم - عن أبي موسى، عن النبي ﷺ فذكره.
قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب.
وأبو محمد عبد الحق حسن الرأي في أسامة بن زيد الليثي، وسترى ذلك في موضعه، فاعلم ذلك
(٤٤٩) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن جهضم ابن عبد الله، عن محمد بن زيد - هو العبدي - عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن بيع الصدقات حتى تقبض، وعن بيع الآبق، وعن بيع ما في بطون الأنعام، حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن ضربة الغائص»، ثم قال إسناده لا يحتج به.
ولم يبين بما ضعف عنده، وقد بيناه في باب الأحاديث التي ضعفها ولم
[ ٢ / ٤٤٦ ]
يبين عللها.
ونبين ها هنا - إن شاء الله - أنه منقطع فيما بين جهضم ومحمد بن زيد، ينقص من بينهما رجل مجهول الحال.
قال الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جهضم بن عبد الله، عن محمد ابن إبراهيم، عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر، عن أبي سعيد الخدري، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن شراء الصدقة حتى تقسم، وعن شراء ضربة الغائص».
هكذا رواه حاتم بن إسماعيل - وهو ثقة - عن جهضم، فزاد فيه رجلا - وهو محمد بن إبراهيم - وهو الباهلي بصري -.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو مجهول.
(٤٥٠) وذكر من طريق الدارقطني، عن معاذ بن جبل قال: قال
[ ٢ / ٤٤٧ ]
رسول الله ﷺ: «إذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، وليس له استثناؤه».
ثم قال: في إسناده حميد بن مالك، وهو ضعيف
انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق -: إنه منقطع، فإن حميد بن مالك يرويه عن مكحول، عن معاذ، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا معاذ، ما خلق الله ﷿ شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، ولا استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، إن شاء الله، فله استثناؤه».
رواه عنه إسماعيل بن عياش، ومكحول إنما أخذه عن مالك بن يخامر، عن معاذ.
كذلك روى عمر بن إبراهيم بن خالد، عن حميد بن مالك اللخمي المذكور، قال: حدثنا مكحول، عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن طلق واستثنى فله استثناؤه».
وقد ذكر أبو محمد هذه القطعة في الطلاق هكذا وذكر الدارقطني هذه الرواية كما ذكرناها، فاعلم ذلك
[ ٢ / ٤٤٨ ]
(٤٥١) وذكر حديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم».
وفيه انقطاع لم يعرض له، قد بيناه في باب الأحاديث التي نسبت إلى غير رواتها.
(٤٥٢) وذكر حديث: «إنا لاقو العدو غدا».
وفيه انقطاع لم يعرض له أيضا، وقد بيناه في باب الأحاديث المشكوك في رفعها.
(٤٥٣) وذكر من طريق مسلم، عن ابن عباس، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير»
[ ٢ / ٤٤٩ ]
كذا ذكره وسكت عنه، ولم يضع فيه نظرا لما كان من عند مسلم، وهو من أفراد مسلم، لم يخرجه البخاري، يرويه ميمون بن مهران عن ابن عباس.
ولا يتكرر في الكتاب له شيء عن ابن عباس.
ولم يسمعه من ابن عباس، بل بينهما فيه سعيد بن جبير.
كذلك ذكره أبو داود في كتابه من رواية علي بن الحكم عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وذكره البزار أيضا عن علي بن الحكم كذلك.
قال البزار: ولا نعلم أحدا رواه عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إلا علي بن الحكم.
وقد رواه أبو بشر والحكم عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ولم يذكرا سعيد بن جبير بينهما
انتهى كلام البزار.
علي بن الحكم ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، وممن وثقه النسائي ﵀.
وذكر البخاري في تاريخه عن علي الأرقط، قال أظن بين ميمون وابن عباس سعيد بن جبير - يعني في هذا الحديث - فاعلمه
[ ٢ / ٤٥٠ ]
(٤٥٤) وذكر من طريق الترمذي، عن أم سلمة قالت: «كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص».
كذا ذكره وسكت عنه، وهو إما منقطع، وإما متصل بمن لا تعرف حاله.
وذلك أن الترمذي ذكره من رواية عبد المؤمن بن خالد - وهو الحنفي، قاضي مرو، وهو لا بأس به - عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة.
ثم أورده من رواية زياد بن أيوب، عن أبي تميلة عن عبد المؤمن المذكور، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة.
فالأول منقطع، والثاني عن أم عبد الله بن بريدة، وحالها غير معروفة.
(٤٥٥) وذكر من طريق مسلم، عن بلال، عن النبي ﷺ، - وسأله عن صدقة المرأة على زوجها، وعلى أيتام في حجرها - فقال: «أجران: أجر
[ ٢ / ٤٥١ ]
القرابة، وأجر الصدقة» ثم قال هذا مختصر.
كذا أورده، واختصره من حديث طويل، نذكره بقصته [لنبين] المقصود إن شاء الله.
قال مسلم: حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله، قالت: قال رسول الله ﷺ: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن».
قالت فرجعت إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان يجزئ ذلك عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله، بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتها حاجتي، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ، فأخبره أن امرأتين بالباب، تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ: «من هما»؟ فقال: امرأة من الأنصار، وزينب، فقال رسول الله ﷺ: «أي الزيانب»؟ قال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال له رسول الله ﷺ: «لهما
[ ٢ / ٤٥٢ ]
أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة».
فأقول - وبالله التوفيق -: إنه منقطع فيما بين عمرو بن الحارث وزينب، وهو عمرو بن الحارث بن المصطلق، أخو جويرية بنت الحارث، زوج النبي ﷺ، وقد أدرك النبي ﷺ، وهو غلام، وروى عنه حديثين.
وإنما قلنا: إنه منقطع، لأنه حديث يرويه الأعمش كما ذكرنا.
فاختلف عليه أصحابه، فشعبة، والثوري، وحفص بن غياث - في إحدى روايتين عنه - قالوا فيه: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب، لم يجعلوا بينهما أحدا.
ورواه جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زينب، فلم يذكر بينهما عمرو بن الحارث.
وكل هذا تقصير، فرواه حفص بن غياث - في رواية عنه - وأبو معاوية الضرير - في رواية ابن المثنى وعبد الله بن هاشم بن حيان العبدي عنه - فقالا فيه: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن زينب امرأة عبد الله، فأدخل بينهما ابن أخي زينب.
والحديث بذلك ذكره أبو علي بن السكن، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله العسكري قال: حدثنا أبو موسى: محمد بن المثنى.
وحدثنا مكي بن عبدان النيسابوري، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان العبدي قالا: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن زينب امرأة
[ ٢ / ٤٥٣ ]
عبد الله، قالت: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر النساء، تصدقن ولو من حليكن، فإنكن أكثر أهل جهنم» قالت: وكان عبد الله رجلًا خفيف ذات اليد، الحديث.
وقد أورد الترمذي في جامعه رواية أبي معاوية هذه، ثم أورد بعدها رواية شعبة فقال: هذا أصح من حديث أبي معاوية، وأبو معاوية وهم في حديثه في قوله عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، والصحيح إنما هو: عن عمرو بن الحارث بن أخي زينب.
وحكى هذا في كتاب العلل عن البخاري.
وفيه عندي نظر، فإن أبا معاوية لم ينفرد به، وأيضًا فإن عمر بن الحارث خزاعي، وزينب بنت أبي معاوية، امرأة عبد الله، ثقفية، فلا يتجه أن يكون ابن أخيها إلا لأم، وشيء من ذلك لم يتحقق.
وتوهيم حافظ في زيادة زادها لا معنى له إلا لو صرح الناس بمخالفته، وهم لم يصرحوا، وإنما سكتوا عن شيء جاء هو به والله أعلم.
وقد يكون في هذا الحديث بحث آخر، فيما بين زينب وبلال، فإن زينب لم تقل في هذا الحديث: إنها سمعته من النبي ﷺ، ولا ذكرت أن بلالًا
[ ٢ / ٤٥٤ ]
أخبرها وإنما يتبين أنها سمعته منه في حديث آخر، من رواية أبي سعيد.
ولم يسقه أبو محمد، ولا عرض له.
ذكره البزار: قال: حدثنا محمد بن سكين، وعبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قالا: حدثنا سعيد بن الحكم، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن عياض - هو ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح - عن أبي سعيد الخدري، أنه قال:
(٤٥٦) خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر، فصلى، ثم انصرف فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة فقال: «يا أيها الناس، تصدقوا».
ثم انصرف فمر على النساء، فقال لهن: «تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: يا رسول الله، بم ذاك؟ قال: «إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لقلب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء»، فقلن: له: ما نقصان عقلها ودينها يا رسول الله [ﷺ] قال: «أليس شهادة امرأة نصف شهادة الرجل؟ فذلك من نقصان عقلها، أو ليس إذا حاضت المرأة لم تصل»؟ قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» قال: ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءته زينب امرأة عبد الله بن مسعود
[ ٢ / ٤٥٥ ]
تستأذن عليه فقيل: يا رسول الله، هذه زينب تستأذن عليك، قال: «أي الزيانب»؟ قيل: امرأة عبد الله بن مسعود، قال: «ائذن لها»، فأذن لها.
فقالت: يا نبي الله، إنك أمرتنا اليوم بالصدقة، وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم».
قال لا نعلم رواه عن زيد، عن عياض عن أبي سعيد إلا محمد بن جعفر، ولا نعلمه يروي عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد
انتهى كلام البزار.
ففي هذا أنها سمعته من النبي ﷺ، ولكن لا ندري ممن تلقى ذلك أبو سعيد.
وبحث ثالث هو أن أبا محمد ساقه في اختصاره عام اللفظ.
والحديث إنما فيه قضاء شخصي خاص بهاتين المرأتين، فإن حكم لغيرهما بمثل ذلك فمن دليل آخر، لا من نفس الخبر فاعلم ذلك.
(٤٥٧) وذكر من طريق أبي داود، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها
[ ٢ / ٤٥٦ ]
كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف …» الحديث.
كذا أورده، وهو - فما أرى - منقطع، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد ابن عمرو، عن الزهري، عن عروة.
فرواه عن محمد بن عمرو، محمد بن أبي عدي مرتين: أحدهما من كتابه، فجعله عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة أنها كانت تستحاض.
فهو على هذا منقطع، لأنه قد حدث به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه «عن عائشة» فيما بين عروة وفاطمة، فاتصل، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة - أعني أن يحدث به من حفظه مرسلا، ومن كتابه متصلا، فأما هكذا فهو موضع نظر -
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وأبو محمد إنما ساق الرواية المنقطعة، فإنه ساقه عن فاطمة.
والمتصلة إنما هي عن عائشة أن فاطمة، فإذا نظر هذا في كتاب أبي داود، تبين منه أن عروة إنما أخذ ذلك عن عائشة، لا عن فاطمة.
هذا ولو قدرنا أن عروة سمع من فاطمة.
(٤٥٨) وقد يظن به السماع منها لحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكر بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها: «إنما ذلك عرق فانظري …» الحديث.
وهذا لا يصح منه سماعه منها، للجهل بحالة المنذر بن المغيرة
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: مجهول.
ذكره هكذا أبو داود، وهو عند غيره معنعن، لم يقل فيه: إن فاطمة حدثته.
(٤٥٩) وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة،
[ ٢ / ٤٥٨ ]
قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل لها رسول الله ﷺ، الحديث
فإنه مشكوك في سماعه إياه من فاطمة، أو من أسماء، وفي متن الحديث ما أنكر على سهيل، وعد مما ساء فيه حفظه، أو ظهر أثر تغيره عليه، وكان قد تغير، وذلك أنه أحال فيه على الأيام، وذلك أنه قال: «فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد».
والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقرء.
وعن عروة فيه رواية أخرى لم يشك فيها أن التي حدثته هي أسماء، رواها عن سهيل علي بن عاصم، ذكرها الدارقطني، والمتقدم ذكره أبو داود.
(٤٦٠) وذكر أيضا: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فقال: «لتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا [واحدا] وتتوضأ فيما بين ذلك».
فترى قصتها إنما يرويها إما عن عائشة، وإما عن أسماء، وقد قلنا: إنه لو
[ ٢ / ٤٥٩ ]
صح أن عروة سمع من فاطمة، لم ينفع ذلك في الحديث الأول، لإدخال عروة بينه وبينها فيه عائشة.
وزعم أبو محمد ابن حزم، أن عروة أدرك فاطمة بنت أبي حبيش ولم يستبعد أن يسمعه من خالته عائشة، ومن ابنة عمه فاطمة.
وهذا عندي غير صحيح، ويجب أن يزاد في البحث عنه.
وفاطمة، هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
وعروة بن الزبير بن العوام، بن خويلد، بن أسد، بن عبد العزى، فخويلد والمطلب أخوان، فهي في قعدد الزبير ﵁، ولا يعرف لها حديث غير هذا، ولم يتبين منه أن عروة أخذه عنها.
ومما ينبغي تعرفه من أمر هذا الحديث - وإن لم يكن مما نحن فيه - أن محمد بن عمرو هذا، هو ابن عمرو بن علقمة، وهو شيخ للزهري، قد روى عنه الزهري أحاديث، وتبين هذا في نفس هذا الإسناد في مواضع: منها كتاب سنن ابن السكن، وقال في كتاب الصحابة: إنه لم يرو عن الزهري مسندا غير هذا الحديث فاعلم ذلك
[ ٢ / ٤٦٠ ]
(المدرك الثالث لانقطاع الأحاديث في هذا الباب: وهو العلم بتاريخ الراوي والمروي عنه)
(٤٦١) ذكر من طريق أبي داود، عن عكرمة، أن أم حبيبة استحيضت، «فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها» الحديث.
هكذا أورده وسكت عنه، وهو حديث مرسل، أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل: إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضا يصح له ذلك.
وحين أورد أبو داود هذا الحديث، أورده من رواية أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية عنه أن أم حبيبة استحيضت «فأمرها رسول الله ﷺ» الحديث.
وكان قد أشار إليه قبل ذلك في جملة إشارات قال فيها: وروى أبو بشر، عن عكرمة، عن النبي ﷺ، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها
الحديث.
وهذا أبين في الانقطاع.
(٤٦٢) وذكر حديث أبي حميد الساعدي، في وصفه صلاة رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٦١ ]
في عشرة من أصحاب النبي ﷺ، فيهم أبو قتادة، وفيه المخالفة بين الجلوسين في الصلاة، ففي الأولى: «جلس على رجله اليسرى، وفي الأخرى [في الآخر] جلس على الأرض» من رواية محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد فذكره.
وهو عنده صحيح متصل، وهو من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، وجملة أمره أنه من أهل الصدق.
ووثقه يحيى بن سعيد وابن حنبل وابن معين وأخرج له مسلم، وضعفه يحيى بن سعيد في رواية عنه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر وزعموا أنه ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن.
فلأجل هذا من حاله، يجب التثبت فيما روى من قوله في هذا الحديث: فيهم أبو قتادة، فإن أبا قتادة، توفي زمن علي ﵁، وهو صلى عليه، وهو ممن قتل معه، وسن محمد بن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك.
وقد قيل في وفاة أبي قتادة غير هذا، من أنه توفي سنة أربع وخمسين، وليس ذلك بصحيح، بل الصحيح ما ذكرناه، وقتل علي ﵁
[ ٢ / ٤٦٢ ]
سنة أربعين.
وقد ذكر هذا الذي قلناه، أبو جعفر الطحاوي قال: والذي زاد محمد ابن عمرو، غير معروف ولا متصل، لأن في حديثه أنه حضر أبو حميد وأبا قتادة.
ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قتل مع علي، وصلى عليه، فأين سن محمد بن عمرو من هذا؟
ويزيد هذا المعنى تأكيدا أن عطاف بن خالد، روى هذا الحديث فقال: نبأني محمد بن عمرو بن عطاء، قال نبأني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسا، فذكر نحو حديث أبي عاصم.
وعطاف بن خالد أبو صفوان القرشي، مدني، ليس بدون عبد الحميد ابن جعفر وإن كان البخاري قد حكى أن مالكا لم يحمده فإن ذلك لا يضره، إذ لم يكن ذلك من مالك بأمر مفسر يجب لأجله ترك روايته.
وقد اعترض مالكا في ذلك الطبري بما ذكرناه: من عدم تفسير الجرحة، وبأمر آخر لا نراه صوابا، وهو أن قال: «وحتى ولو كان مالك قد فسر، لم يجب أن نترك بتجريحه رواية عطاف، حتى يكون معه مجرح آخر».
وإنما لا نرى هذا صوابا لوجهين: أحدهما أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جرح واحد بما هو جرحة قبل، فإنه نقل منه لحال سيئة تسقط بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدد الرواة
[ ٢ / ٤٦٣ ]
والوجه الثاني هو أن غير مالك قد وجد عنه أيضا مثل ما ذهب إليه مالك فيه، وهو ابن مهدي، فإنه ذهب إلى عطاف فلم يرضه والذي يرد به هذا، هو ما رد به ما ذهب إليه مالك فيه: من كونه لم يفسر ما زهده فيه، فلو قبلنا منه هذا، كنا قد قلدناه في رأي لا رواية.
وغير مالك وابن ومهدي يوثق عطافا، روى أبو طالب عن أحمد بن حنبل أنه قال: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث.
وقال ابن معين: ليس به بأس، صالح الحديث.
وقد روي عن ابن معين أنه قال: من قلت: ليس به بأس، فهو عندي ثقة.
وقال أبو زرعة أيضا: ليس به بأس وهو عند أبي حاتم بحال محمد ابن إسحاق، وسئل عنه فقال: ليس بذاك.
وصدق، فإنه ليس بأعلى ما يكون، وما مثله أعرض عن حديثه ولعله أحسن حالا من عبد الحميد بن جعفر.
وهو قد بين أن بين محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلا
[ ٢ / ٤٦٤ ]
ولو كان هذا عندي محتاجا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه، كتبته في المدرك الذي فرغت منه.
ولكنه غير محتاج إليه، للمتقرر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصر سن محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلا، فإنما جاءت رواية عطاف عاضدة لما قد صح وفرغ منه.
(٤٦٣) وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عياش، أو عباس بن سهل الساعدي، أنه كان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد، ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين ما ذكر عبد الحميد بن جعفر، ذكر ذلك أبو داود.
(٤٦٤) وللحديث بالفرق بين الجلوسين إسناد صحيح متصل لم يذكر فيه أبو قتادة، ذكره البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد سمع محمد بن عمرو بن حلحلة سمع محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكر صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ظهره، فإذا رفع رأسه، استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته.
فهذا لا ذكر فيه لأبي قتادة ولكن ليس فيه ذكر لسماعه من أبي حميد وإن كان ذلك ظاهره.
وقد ذكر أبو محمد هذا الحديث في كتابه في موضع آخر فاعلم ذلك.
(٤٦٥) وذكر أيضا من طريق النسائي، عن جابر بن عبد الله «أن جبريل
[ ٢ / ٤٦٦ ]
أتى النبي ﷺ ليعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى» الحديث بطوله إلى آخره.
وهو أيضا يجب أن يكون مرسلا كذلك، إذ لم يذكر جابر من حدثه بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لما علم من أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة.
وابن عباس، وأبو هريرة، اللذان رويا أيضا قصة إمامة جبريل، فليس يلزم في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر، لأنهما قالا: إن رسول الله ﷺ قال ذلك وقصه عليهم.
(٤٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن عوف بن مالك، وخالد بن الوليد، أن رسول الله ﷺ: «قضى بالسلب ولم يخمس السلب»
[ ٢ / ٤٦٧ ]
كذا أورده، وهو كما ذكر، وأصل القصة في كتاب مسلم، وهي عند أبي داود مطولة مشروحة، يتبين من إيرادها أنه عن خالد منقطع الإسناد، وعن عوف متصله.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ: «قضى بالسلب للقاتل» قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه أو لأعرفنكما عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه.
قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما
[ ٢ / ٤٦٨ ]
فعل خالد، فقال رسول الله ﷺ: «يا خالد ما حملك على ما صنعت»؟ قال: يا رسول الله ﷺ استكثرته، فقال رسول الله ﷺ: «يا خالد: رد عليه ما أخذت منه».
فقال عوف: فقلت: دونكما يا خالد، ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ: «وما ذاك»؟ قال: فأخبرته [قال] فغضب رسول الله ﷺ فقال: «يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره».
ثم أورد أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجع، وخالد بن الوليد، أن رسول الله ﷺ «قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب».
فهذا - كما ترى - إنما اختصره إسماعيل بن عياش عن صفوان، أو اختصره غيره من القصة المذكورة، فجاء من رواية جبير عن خالد، وهو إنما أخذه عن عوف: عن خالد، فاعلم ذلك.
وإنما لم نكتبه في المدرك الذي قبل هذا لأنا لم نعتمد في انقطاع ما بينهما إلا العلم بأنهما لم يلتقيا، واعتضد المعلوم من ذلك بما يتبين من نفس القصة فاعلمه
[ ٢ / ٤٦٩ ]
(٤٦٧) وذكر من طريق مسلم، عن المسيب بن حزن، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة، الحديث.
ذكره في أحاديث التفسير، لقوله فيه: فأنزل الله ﷿ (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) وأنزل في أبي طالب (إنك لا تهدي من أحببت).
وقنع بتخريج مسلم له، ولم يعرض له، وهو عندي مرسل، لا من جهة الاحتمال الذي في قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ، من أن لا يكون سمع ذلك، لكن من جهة أن المسيب بن حزن بن أبي وهب إنما هو وأبوه من مسلمة الفتح.
وإن شك في هذا، لم يشك في أنه لم يشاهد هذه القصة الواقعة في أول الأمر، ولا فيه أن النبي ﷺ أخبرهم بذلك، ولا يجوز أن يقول من ذلك ما لم
[ ٢ / ٤٧٠ ]
يقل، لأنه يحتمل أن يكون إنما تلقى ذلك من مشاهد، كعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، أو من غيره ممن لم يشاهد.
وما حكاه المسيب من ذلك، إنما هو بمثابة ما لو قال:
(٤٦٨) «نام رسول الله ﷺ عند البيت، فجاءه جبريل فأسرى به».
(٤٦٩) أو «تحنث في غار حراء، فجاءه الملك» وشبه ذلك، مما يعلم أنه لم يشاهده.
(٤٧٠) وكذلك ما روي عن أبي هريرة في هذه القصة من قوله: قال رسول الله ﷺ لعمه عند الموت: «قل لا إله إلا الله» مثل هذا سواء، لأن أبا هريرة لم يشاهد ذلك، ولم يقل لنا رسول الله ﷺ: قلت لعمي عند الموت.
ولا فرق بين ما يخبر به [من هذا، من يعلم أنه لم يلق النبي ﷺ حينئذ، وبين ما يخبر به] مما كان قبل ميلاده.
وليس بنافع في هذا أن يقال: إن المسيب بن حزن ممن بايع تحت الشجرة، فإن ذلك متأخر عن وقت هذه القصة، فلا بد أن يكون غيره هو الذي أخبره بها، أو يكون سمع هو ذلك من النبي ﷺ، يخبر به عن نفسه وعن عمه،
[ ٢ / ٤٧١ ]
ولكن ليس بالاحتمال يجزم بالاتصال، فاعلم ذلك.
(٤٧١) وذكر أيضا من عند مسلم حديث أنس بن مالك في الإسراء بالنبي ﷺ.
وهي رواية ثابت البناني عن أنس، ولم يقل فيها: إن رسول الله ﷺ قال لهم ذلك، وأنه سمعه منه، بل قد علم من رواية ابن شهاب عن أنس، أن أبا ذر هو الذي حدثهم بذلك عن النبي ﷺ، ومن رواية قتادة، عن أنس، أن مالك بن صعصعة حدثه بذلك.
ومن المتقرر أن سن أنس تصغر عن وقت الإسراء، فلا بد أن يكون حديثه مرسلا، وأما الذي فيه من الاضطراب فلسنا في هذا الكتاب لبيانه، وإنما حسبنا ما يخص الأسانيد.
(٤٧٢) وذكر أيضا من هذا النوع من عند مسلم، عن أنس بن مالك قال: إن أهل مكة سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين
[ ٢ / ٤٧٢ ]
فهذا لم يقل: إنه سمعه، ولا هو شاهده، فلعله أخذه عن ابن مسعود، أو غيره وقد رواه أيضا ابن عمر، وابن عباس.
(٤٧٣) وذكر من طريق عبد الرزاق، قال حدثنا الأسلمي، قال: نبأني عبد الله بن أبي بكر، عن عمر بن عبد العزيز، أن رسول الله ﷺ «قضى بالشفعة في الدين» الحديث.
ثم قال: زاد في طريق آخر: «إذا أدى مثل الذي أدى صاحبه».
قال وهذه الزيادة رواها عن عمر أيضا مرسلا
انتهى كلامه.
وقد كان قدم أن الأسلمي متروك، وهو إبراهيم بن أبي يحيى.
والمقصود بيانه الآن، هو أن هذه الزيادة التي قال: إنها أيضا عن عمر مرسلة، لم يبين أنها منقطعة قبل أن تصل إلى عمر.
إنما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل من قريش، أن عمر بن عبد العزيز «قضى في مكاتب، اشترى ما عليه بعرض، فجعل المكاتب أولى بنفسه».
ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع دينا على رجل، فصاحب الدين أولى به، إذا أدى مثل الذي أدى صاحبه»
[ ٢ / ٤٧٣ ]
(٤٧٤) وذكر من طريق أبي داود عن الحسن، أن عمر قال: أيكم يعلم ما ورث رسول الله ﷺ الجد؟ فقال معقل بن يسار: «إنه ورثه رسول الله ﷺ السدس» الحديث.
وهذا لا خفاء بانقطاعه فيما بين الحسن وعمر، وإنما نبينه لمن لا يعلم، وذلك أن الحسن إنما ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، فسنه لا تقتضي السماع منه، ولا مشاهدة ما جرى في أيامه.
وأما سماعه من معقل بن يسار - على تقدير أن يكون هو الذي حدثه بالقصة - فمختلف فيه.
قال أبو حاتم: لم يصح له السماع منه
قال أبو محمد بن أبي حاتم: وقد ذكروا ذلك وليس بمستفيض.
وفي كتاب البخاري حديث الحسن، عن معقل بن يسار في الطلاق، والتفسير، والأحكام، وفيه من رواية عباد بن بشر، ويونس بن عبيد، عن الحسن، قال نبأني معقل بن يسار، فاعلم ذلك.
(٤٧٥) وذكر حديث الزبير في الشفاعة بعد الوصول إلى الإمام، من
[ ٢ / ٤٧٤ ]
رواية مالك، عن ربيعة، أن الزبير.
وقال: هذا هو الصحيح.
وانقطاعه لا ريب فيه، فإن ربيعة لم يلحق الزبير، وسنبين كيف يصح في باب الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك أمثالهم.
(٤٧٦) وذكر من طريق أبي داود عن أبي بكرة: «صلى رسول الله ﷺ في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه» الحديث.
ومن طريق الدارقطني عنه أن النبي ﷺ «صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت له ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث».
وعندي أن هذين الحديثين غير متصلين، فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف، وإن كان قد قال في الحديث الأول: إنه صلاها معه.
كذلك هو عند أبي داود، من رواية الحسن عنه، وقد صح سماعه منه
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وإنما قلنا: إن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف، لأنه من المتقرر عند أهل السير والأخباريين - وهو أيضا صحيح بالأسانيد المتصلة عند المحدثين - أنه أسلم حين حصار رسول الله ﷺ الطائف، نزل من سورها ببكرة وبها كني أبا بكرة، وحصار الطائف كان بعد الانصراف من حنين وقبل قسم غنائمها بالجعرانة.
ولما انتقل عنها إنما انتقل إلى الجعرانة، فقسم بها غنائم حنين، ثم رجع إلى المدينة، فأقام بها ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم خرج إلى تبوك، غازيا للروم، فأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، لم يجاوزها، ولم تكن فيها حرب تصلى لها صلاة الخوف، وهي آخر غزوة غزاها بنفسه ﷺ.
والتي قاتل فيها من غزاوته هي: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، وحنين، والطائف.
ومن الناس من يعد وادي القرى، حين قتل غلامه مدعم ويوم الغابة.
فعلى هذا لا أدري لصلاة أبي بكرة معه موطنا، وقد جاءت عنه في هذا روايات لا توهم أنه شهدها، كرواية أبي داود الطيالسي، عن أبي حرة عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ «صلى بأصحابه صلاة الخوف،
[ ٢ / ٤٧٦ ]
صفهم صفين: صف بإزاء العدو» الحديث ذكره البزار.
وليس في هذا ما ينكر، فإنه لم يقل: إنه صلاها معه، وكذلك رواية أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، ذكرها البزار أيضا، فاعلم ذلك.
ومن هذا الباب أحاديث، هي في المواضع التي نقلها منها غير موصلة الأسانيد من مخرجها إلى من ذكرت عنه، مما يعلم أن بينهما زمانا يقضي بالانقطاع.
وهي كثيرة يقع ذكره لها، موهما أنه قد وقف لها على أسانيد في المواضع التي نقلها منها، كسائر ما يذكر من الأحاديث، فإنه ما من حديث يذكره من عند مسلم عن أبي هريرة مثلا، أو من عند البخاري عن أنس مثلا، إلا وأنت تعتقد من عادته أنه قد رأى إسنادهما إلى أبي هريرة وإلى أنس عند البخاري ومسلم، وترك ذكره اختصارا، واقتصر على من ذكر من رواته.
وهذه الأحاديث التي نذكر الآن، يتوهم هذا فيها من حيث عهد يصنع كثيرا ما ذكرناه، وهي في المواضع التي نقلها منها لا أسانيد لها، وإنما اقتطعت أسانيدها من رواة لم يدركهم المخرج لها، وكان من حقه أن يبين أنه لا يعلم الأسانيد إليها موصلة.
كما فعل في حديث ذكره من كتاب الإعراب لابن حزم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:
(٤٧٧) «إذا حج العبد ثم عتق فعليه حجة أخرى» الحديث
[ ٢ / ٤٧٧ ]
فإنه قال بعده: هذا إسناد رجاله أئمة وثقات، ولكني لا أدري الإسناد الموصل إلى يزيد بن زريع.
فبمثل هذا أطالبه فيما أورد من الأحاديث التي ننبه عليها [الآن] إن شاء الله تعالى.
(٤٧٨) فمن ذلك أنه ذكر من عند البخاري، عن العزيز بن صهيب عن أنس حديث «القول عند دخول الخلاء».
ثم أتبعه أن قال: وقال سعيد بن زيد عن عبد العزيز: «إذا أراد أن يدخل».
وهذه لم يوصل إليها البخاري إسنادا، فما بينه وبين سعيد بن زيد غير متصل.
(٤٧٩) وذكر «حديث الاستسقاء» ثم ساق عن البخاري زيادة فيه
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فقال: زاد عن المسعودي قلب اليمين على الشمال.
وهذا لا ينبغي أن يعزى إلى البخاري، فإنه لم يوصل فيه إلى المسعودي إسنادا.
وأيضا فإن المسعودي ليس ممن يخرج البخاري ولا مسلم عنه، لضعفه وشدة اختلاطه، ولم يعده أحد ممن ألف في رجال الصحيحين فيهم.
والبخاري ﵀ فيما يعلق من الأحاديث في الأبواب غير مبال بضعف رواتها
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فإنها غير معدودة فيما انتخب، وإنما يعد من ذلك ما وصل الأسانيد به، فاعلم ذلك.
(٤٨٠) وذكر من طريق الترمذي حديث بلال، الذي فيه «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم» الحديث.
وأعله ثم قال: ورواه أيضا من حديث أبي إدريس عن أبي أمامة، قال:
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وهو أصح من حديث أبي إدريس عن بلال.
كذا ذكره وهو يوهم أنه عند الترمذي موصل الإسناد، وليس كذلك، إنما قال: وقد روى هذا الحديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه قال، فذكره.
قال: وهذا أصح من حديث أبي إدريس، عن بلال.
فما بين الترمذي ومعاوية بن صالح منقطع بغير إسناد، وقد روى هذا الحديث ابن سنجر موصلا، من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح.
وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي أعلها بقوم وترك أمثالهم أو أضعف منهم.
(٤٨١) وذكر أيضا حديث عاصم بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة في الذي يعمل عمل قوم لوط: «يرجم الأعلى، والأسفل».
ذكره عن النبي ﷺ، ثم قال: ومن حديثه ذكره الترمذي
[ ٢ / ٤٨١ ]
كذا قال، والترمذي لم يوصل إلى عاصم إسناده، وليس لفظ الترمذي فيه لفظ أبي أحمد، إنما قال: «اقتلوا الفاعل، والمفعول به» لم يذكر الرجم.
وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي تغير مقتضاها بالعطف أو الإرداف.
(٤٨٢) وذكره من طريق مسلم حديث أبي سعيد في زكاة الفطر.
ثم أتبعه أن قال: زاد أبو داود في هذا الحديث «أو صاعا من حنطة» قال: وليس بمحفوظ.
وهذا أيضا يوهم أنه وقف لهذه الزيادة على إسناد عند أبي داود، وهي لا إسناد لها عنده، وإنما أتبعها أبو داود حديث أبي سعيد فقال: رواه ابن علية وعبدة بن سليمان، وغيرهما عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله ابن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض، عن أبي سعيد بمعناه
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وذكر رجل واحد فيه عن أبن علية: «أو صاع من حنطة» وليس بمحفوظ.
هذا ما عند أبي داود، فهو كما ترى غير متصل فيما بينه وبين ابن علية، لا فيما ذكر فيه الحنظة ولا فيما لم يذكرها فيه، ولا أيضًا اتصل ما بينه وبين عبدة بن سليمان.
فكل الروايات عن ابن إسحاق في هذا، غير متصل عنده.
وهذه الرواية التي أشار إليها أبو داود عن ابن علية بذكر الحنطة، هي عند الدارقطني متصلة، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، وعبد الملك ابن أحمد الدقاق، قالا: حدثنا يعقوب الدورقي، قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح قال: قال أبو سعيد - وذكروا عنده صدقة رمضان - قال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ «صاعا من تمر، أو صاعا من حنطة، أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط»، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ قال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها.
(٤٨٣) وذكر من عند مسلم أيضا حديث ابن عمر: «واليد العليا المنفقة»
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ثم أتبعه أن قال: في بعض الروايات في هذا الحديث «اليد العليا المتعففة».
ذكر هذا أبو داود، وقال أكثرهم: «المنفقة».
هذه الزيادة أيضا ليس لها عند أبي داود إسناد، وإنما هي مشار إليها، غير موصلة الإسناد، وذلك أنه لما ذكر حديث ابن عمر، قال بإثره: اختلف على أيوب، عن نافع في هذا الحديث: قال عبد الوارث عن أيوب: «اليد العليا المتعففة».
وقال أكثرهم: عن حماد بن زيد، عن أيوب: «اليد العليا المنفقة».
وقال واحد: عن حماد «المتعففة».
هذا نص ما عند أبي داود، فرواية عبد الوارث وبعض أصحاب أيوب ب «المتعففة» لم يوصل إليها إسنادا.
(٤٨٤) وذكر من طريق البزار عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صوم، صام عنه وليه إن شاء»
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ثم قال: هذا يرويه عبد الله بن لهيعة، ويحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة.
كذا أورد هذا الحديث، وهو خطأ، وذلك أنه أفاد الخبر قوة يحيى بن أيوب، فإنه لا مفاضلة بينه وبين ابن لهيعة، وإن كان يضعف فإنه قد أخرج له مسلم، ووثقه ناس.
والبزار لم يوصل إليه الإسناد، إنما وصله إلى ابن لهيعة وحده، ثم [قال]: إن يحيى بن أيوب رواه أيضا عن عبيد الله.
ونص ما عنده: أخبرنا بشر بن آدم بن بنت أزهر، قال: حدثنا يحيى ابن كثير الزيادي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، فليصم عنه وليه إن شاء».
قال وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة إلا من حديث عبيد الله [بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة] رواه عن عبيد الله، يحيى بن أيوب، وابن لهيعة
انتهى ما ذكره.
وفي نقل أبي محمد «صام عنه وليه» والذي عند البزار - كما أوردناه - «فليصم عنه»
وهذا قريب.
ويحيى بن كثير الزيادي، هو أبو النضر، صاحب البصري، ضعيف عندهم جدا، وإن كان لا يتهم بالكذب.
ومن عيب عمله في إيراد رواية يحيى بن أيوب - وهي لا إسناد لها -
[ ٢ / ٤٨٥ ]
مقرونة برواية أبن لهيعة، أنك لا تعدم الوقوف عليها عند غير البزار، موصلة الإسناد، ليس فيها لفظة «إن شاء» وذلك مما يقضي بكون الزيادة المذكورة من قبل ابن لهيعة، وهو في الضعف من هو.
قال الدارقطني: قرئ على [أبي محمد] ابن صاعد، وأنا أسمع، حدثكم محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأبو نشيط ومحمد بن إسحاق، قالوا: حدثنا عمرو بن الربيع.
وحدثنا الحسن بن سعيد بن الحسن بن يوسف المروروذي حدثنا أبو بكر ابن زنجويه، قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر - يعني بن الزبير - عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه».
قال الدارقطني: هذا إسناد حسن.
وكذلك رواه عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر
انتهى كلامه.
وليس فيه - كما ترى - لفظة: «إن شاء».
ورواية عمرو بن الحارث، هي عند مسلم إسنادا ومتنا
[ ٢ / ٤٨٦ ]
(٤٨٥) وذكر من طريق الترمذي حديث عائشة: «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم».
ثم قال: رواه أيوب بن واقد وأبو بكر المدني، وعمار بن سيف، كلهم عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
وما فيهم من يقبل حديثه، ولم يذكر الترمذي عمار بن سيف.
هكذا أورده، كأن رواية أبي بكر المدني عند الترمذي موصلة، وليس كذلك، وإنما قال: «روى موسى بن داود، عن أبي بكر المدني، عن هشام»، ولم يوصل إليه الإسناد، ولا ذكر من رواه عن موسى بن داود، وأما رواية عمار فلم يعزها.
(٤٨٦) وذكر من طريق أبي أحمد، عن أحمد بن ميسرة أبي صالح.
عن زياد بن سعد، عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: «رخص النبي ﷺ في الهميان للمحرم».
ثم قال: لا يعرف أحمد إلا في هذا الحديث، على أنه قد رواه عن صالح
[ ٢ / ٤٨٧ ]
إبراهيم بن أبي يحيى، وهو منكر من حديث زياد بن سعد، وزياد ثقة والحديث لا يصح.
كذا أورده، وفيه ما ننبه عليه، وذلك أنه هكذا، مصرح برفعه لا يتصل سنده عند أبي أحمد، والذي هو عنده موصل الإسناد، إنما هو من قول ابن عباس غير مرفوع.
ونص ما عند أبي أحمد هو هذا: أحمد بن ميسرة، أبو صالح، ليس بالمعروف إلا في حديث واحد، حدثنا عبد الوهاب بن عصام بن الحكم قال: حدثنا أبو طالب: أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن أحمد بن ميسرة، الذي يروي عنه سريج وروى عن زياد بن سعد، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس «رخص رسول الله ﷺ في الهميان للمحرم»، فقال: لا أعرفه.
هذا هو المصرح فيه بالرفع، وهو الذي نقل أبو محمد، وليس بمتصل الإسناد إلى سريج بن النعمان، وإنما وقعت مسألة أبي طالب عنه لأحمد بن حنبل، مشارا إليه غير موصل.
ثم قال أبو أحمد بن عدي: حدثناه محمد بن أحمد بن الحسن الأهوازي، قال حدثنا الحسن بن علي بن بحر، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال حدثنا أحمد بن ميسرة أبو صالح، عن زياد بن سعد، عن
[ ٢ / ٤٨٨ ]
صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: «رخص في الهميان للمحرم، يشد فيه نفقته».
هذا هو الموصل عنده، وهو غير الذي ذكر أبو محمد.
ثم قال أبو أحمد: أحمد بن ميسرة هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث، وليس بمعروف، على أن هذا الحديث، قد رواه عن صالح مولى التوأمة [إبراهيم]، وإبراهيم بن أبي يحيى يحتمل لضعفه، وزياد لا يحتمل لأنه ثقة، وهو منكر من حديث زياد
انتهى كلام أبي أحمد.
وإنما ذكرته لأبين منه هذا الذي ذكر أبو محمد من رواية إبراهيم بن أبي يحيى، ولم يعزه، وقد تبين أنه من كلام أبي أحمد، إلا أن أبا محمد أورده بلفظه، وهو أشهر وأقرب إلى الإفهام فإن كلام أبي أحمد فيه ما ينافر بحكم الظاهر، والذي كان يؤلف هو ما لو قال: زياد يحتمل لأنه ثقة، وإبراهيم لا يحتمل لأنه ضعيف، فجاء كلامه معكوس هذا، فقال: إبراهيم يحتمل لضعفه، وزياد لا يحتمل لأنه ثقة.
ومعناه: أن زياد بن سعد لثقته وأمانته، لا يحتمل نسبة هذا الحديث إليه، ولا عده من مسموعاته وروايته، ومن قال ذلك عنه أو نسبه إليه، لم نحتمله منه، ولم نقبله عنه، فإنه حديث منكر، والرجل لثقته، وكثرة الآخذين عنه يبعد عليه أن يجيء بمثله.
وأيضا فإنه كان ينتشر عنه، ولا ينفرد به منفرد لا يوثق [به].
فأما إبراهيم بن أبي يحيى، المتروك الرواية، المتهم، فاعز إليه منه ومن
[ ٢ / ٤٨٩ ]
أشباهه ما شئت، تكن قد ألقت به ما يلوق به، وأضفت إليه ما هو مشبه للمعهود منه، فهو في ذلك محتمل، هذا معنى كلامه، والله أعلم.
(٤٨٧) وذكر من طريق أبي محمد بن حزم، من كتاب الإعراب، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: «إن رسول الله ﷺ رد، وهو محرم تتمير وحش، وبيض نعام».
قال: ورويناه أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن علي، عن النبي ﷺ.
ثم قال: علي بن زيد: من ضعفه أكثر ممن وثقه، انتهى ما أورد.
فنقول: وهذا أيضا غير موصل الإسناد في كتاب الإعراب إلى حماد بن سلمة، ولو عزاه إليه كما يعزو الأحاديث إلى مسلم والبخاري، لم يحتج إلى ابن حزم، ولكن بعد أن يعلم أنه في مصنف حماد، وهو إنما احتاج إلى ابن حزم، لأنه لم يعلم أنه في كتاب حماد، وابن حزم إنما نقله من كتاب حماد وهو عنده من الطريقين كما ذكر، فاعلم ذلك
[ ٢ / ٤٩٠ ]
(٤٨٨) وذكر من طريق أبي عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال يثرب، فليقل المدينة».
هكذا أورده وسكت عنه موهما فيه شيئين: أحدهما الصحة، من حيث سكوته عنه فنحن سنذكره لأجل ذلك في باب الأحاديث الصحيحة بسكوته، وليست بصحيحة.
والآخر أنه وقف على إسناده عند أبي عمر، وليس كذلك.
والحديث عند أبي عمر، غير موصل الإسناد، إنما ذكر عثمان بن حفص ابن عمر بن عبد الرحمن بن خلدة، الزرقي، الأنصاري، فوثقه، وذكر أن مالكا، والماجشون، يرويان عنه.
ثم قال: وقد قيل: إن عثمان بن حفص، الذي روى عنه عباد بن إسحاق، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «من قال يثرب، فليقل المدينة» وهو عثمان بن حفص ابن خلدة.
قال: وهذا الحديث رواه إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عثمان، انتهى ما كتبت عن أبي عمر
[ ٢ / ٤٩١ ]
فالحديث - كما ترى - عنده غير موصل الإسناد إلى إبراهيم بن طهمان.
وإنما أعرف هذا الحديث موقوفا على سعد موصل الإسناد إليه.
ذكره العقيلي قال: حدثناه أحمد بن شعيب - هو النسائي - قال: حدثنا أحمد بن حفص، قال: نبأني أبي قال: أخبرنا إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عثمان بن حفص، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده قال: «من قال يثرب مرة، فليقل المدينة عشر مرات».
هكذا هو عند العقيلي موقوف، وقال عن البخاري: إنه قال: عثمان بن حفص بن خلدة الزرقي، المدني، روى عنه عباد بن إسحاق، في إسناده نظر - يعني في إسناد هذا الحديث.
(٤٨٩) وذكر من طريق أبي عمر من التمهيد، عن بقية، عن زرعة، عن
[ ٢ / ٤٩٢ ]
عمران بن أبي الفضل، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: «العرب أكفاء بعضها لبعض، قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل، إلا حائكا، أو حجاما».
ثم قال: وهو حديث منكر موضوع.
قال: وقد روي عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر مرفوعا مثله، قال: ولا يصح عن ابن جريج.
هذا نص ما أورد، وهو يتوهم فيه أنه وقف له عند أبي عمر على إسناد موصل، وليس كذلك، وما ذكره أبو عمر إلا من بقية، عن زرعة.
وبقية من قد علم، ورزعة هو ابن عبد الله بن زياد الزبيري.
قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول ضعيف الحديث.
وعمران بن أبي الفضل ضعيف الحديث، منكره جدا، قاله أيضا أبو حاتم، فاعلمه
[ ٢ / ٤٩٣ ]
(٤٩٠) وذكر من طريق أبي عمر أيضا من التمهيد، من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «لا لعان بين مملوكين ولا كافرين».
ثم قال: قال أبو عمر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به.
انتهى ما ذكر وهو أيضا غير موصل الإسناد إلى عمرو بن شعيب، فهو منقطع فيما بين أبا عمر وعمرو.
(٤٩١) وذكر من طريق أبي أحمد، عن يحيى بن عثمان، أبي سهل الأنصاري، بإسناده إلى أبي هريرة: «من لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله، وأنت بالخيار في الخرس والعذار».
قال: وهو غير محفوظ، ويحيى منكر الحديث.
كذا أورده، وأوهم أيضا أنه عند أبي أحمد موصل، وليس كذلك، وإنما
[ ٢ / ٤٩٤ ]
ذكر أبو أحمد هذا الرجل، ثم وصل إسناده إلى البخاري بأنه قال: يحيى بن عثمان أبو سهل، سمع يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة، عن أبيه، وسمع إسماعيل بن أمية، عن مجاهد، عن أبي هريرة: «من لم يجب الدعوة» الحديث.
ثم قال البخاري: إنه منكر الحديث.
فإذن لا إسناد له من البخاري إلى يحيى بن عثمان.
(٤٩٢) وذكر حديث: «الشفعة في كل شيء» مسندا من طريق الترمذي.
ثم قال: روى هذا الحديث محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله ﷺ «في العبد شفعة وفي كل شيء».
ذكر ذلك أبو محمد - يعني ابن حزم.
وابن حزم لم يوصل إليه إسنادا
[ ٢ / ٤٩٥ ]
(٤٩٣) وذكر من طريق العقيلي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «من أهديت له هدية، ومعه قوم جلوس، فهم شركاؤه فيها».
ثم قال: هذا يرويه مندل بن علي، وعبد السلام بن عبد القدوس، وهما ضعيفان.
ورواه أيضا عن عائشة، عن النبي ﷺ، وفي إسناده وضاح بن خيثمة، ولا يتابع عليه
انتهى ما ذكر.
والمقصود بيانه، هو أن رواية مندل، قد يتوهم من هذا الإيراد أنها موصلة الإسناد عند العقيلي، وليس كذلك، وإنما أورده هكذا في باب عبد السلام المذكور: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نعيم قال: حدثنا عبد السلام بن عبد القدوس، قال: نبأني ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «من أهديث له هدية، ومعه قوم جلوس، فهم شركاؤه فيها»
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وقال مندل: عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحوه.
ثم قال: ولا يصح في هذا الباب شيء.
[ثم] قال: وعبد السلام لا يتابع على شيء من حديثه، وليس ممن يقيم الحديث.
فحديث مندل - كما ترى - لا إسناد له إليه.
وحديث عبد السلام، دونه نعيم بن حماد، وأبو محمد يضعفه، فلعل البلاء منه، وكذلك حديث وضاح بن خيثمة أيضا دونه من لا يعرف، وسنذكر ذلك في الباب الذي ضعف فيه أحاديث بقوم، وترك أمثالهم.
(٤٩٤) وذكر من طريق أبي عمر من التمهيد، عن عطاء، أن رجلا أسلم على ميراث على عهد رسول الله ﷺ «فأعطاه رسول الله ﷺ نصيبه منه».
ثم قال: هذا مرسل.
كذا ذكره، وهو أيضا ذكر يوهم اتصال إسناده عنده إلى مرسله عطاء، وليس كذلك، وما هو في التمهيد إلا هكذا: وروى عبد الوارث عن كثير ابن شنظير عن عطاء، فذكره
[ ٢ / ٤٩٧ ]
فيما بين أبي عمر إلى عبد الوارث لا إسناد له.
(٤٩٥) وذكر من طريق أبي أحمد من حديث إسحاق بن إبراهيم بن عمران بن عمير المسعودي مولاهم، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال ابن مسوعد: يا عمير أعتقك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق مملوكا فليس للمملوك من ماله شيء».
ثم قال: لا يتابع إسحاق على هذا، وهو قليل الحديث جدا، انتهى ما ذكر.
وهو أيضا لا إسناد له موصولا عند أبي أحمد.
ونص ما عنده: عن البخاري أنه قال: إسحاق بن إبراهيم بن عمران بن عمير المسعودي، لا يتابع في رفع حديثه عن القاسم بن عبد الرحمن، قال ابن مسعود: يا عمير أعتقك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق مملوكا فليس للمملوك من ماله شيء».
ثم قال أبو أحمد: [وإسحاق هذا بهذا الحديث] ذكره البخاري، وما أعلم له إلا الحديثين أو ثلاثة
انتهى ما ذكره
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فهو - كما ترى - غير موصل منه ولا من البخاري إلى إسحاق.
وقوله: القاسم بن عبد الله، خطأ قد بيناه في باب الأسماء المغيرة.
(٤٩٦) وذكر من طريق ابن أبي حاتم، عن أبي الرمداء البلوي أن رجلا شرب الخمر أربع مرات، «فأمر بضرب عنقه».
من رواية ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي سليمان مولى [أم] سلمة، عن أبي الرمداء فذكره.
وقال: هذا إسناد لا حجة فيه.
كذا أورده، وهو لا إسناد له عند ابن أبي حاتم إلى ابن لهيعة.
وأبو سليمان لا تعرف حاله.
(٤٩٧) وذكر من طريق ابن حزم، حديث أنس وأبي سعيد، في تحريم الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب.
وهو عنده غير موصل الإسناد، وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي لم يعزها إلى المواضع التي نقلها منها
[ ٢ / ٤٩٩ ]
(٤٩٨) وذكر أيضا من طريق ابن حزم، في شق زقاق الخمر، حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر.
وهو لم يوصل الأسانيد بها أيضا، وقد ذكرناها في هذا الباب المذكور، لأنه لم يعزها.
(٤٩٩) وذكر أيضا من طريق ابن حزم من رواية فرج بن فضالة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء» فذكر فيهن: «واتخذوا القينات والمعازف»
وضعفه.
وهو أيضا مما لا إسناد له موصلا عنده.
ومن هذا القبيل كل ما ذكر من طريق الدارقطني، مما هو من كتاب العلل، فإن الأحاديث فيه غير موصلة الأسانيد، بل منقطعة من مواضع عللها
[ ٢ / ٥٠٠ ]
[عنده] أو من المواضع التي يتأتى له بذكرها ذكر عللها، وقد يقع له في الكتاب المذكور قليلا، ما يوصل إسناده، فنقل أبو محمد الأحاديث من الكتاب المذكور، ولم يبين أنها منه، فيتوهم من يراها معزوة إلى الدارقطني أنها من كتاب السنن، حيث الأحاديث [فيه] موصلة الأسانيد، وحتى لو بين أنها من الكتاب المذكور لم يكن ذلك معلما لمن يقرؤها أنها منقطعة، إلا لو قدم قولا كليا يعرف به أن جميع ما ينقله من كتاب العلل هو لا إسناد له موصلا، وهو لم يفعل شيئا من ذلك.
(٥٠٠) فمن هذه الأحاديث حديثه من رواية ليث بن أبي سليم، عن أيوب السختياني، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ابنوا المساجد جما»
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقال: ولم يتابع ليث على هذا، وهو ضعيف، وغيره يرويه عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق قوله.
هذا نص ما ذكر.
ونص ما عند الدارقطني: قال: سئل عن حديث أيوب السختياني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ابنوا المساجد جما».
فقال: يرويه ليث بن أبي سليم، عن أيوب، عن أنس، ولم يتابع عليه.
وغيره يرويه عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق قوله
انتهى ما ذكر الدارقطني.
وهو كما قلناه لا إسناد له منه إلى ليث، وقد ذكره ابن أبي شيبة مرسلا، فقال: عن مالك بن إسماعيل قال: حدثنا هريم، عن ليث، عن أيوب، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ابنوا المساجد واتخذوها جما».
وقال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا القاسم بن دينار، حدثنا إسحاق ابن منصور، عن هريم، عن ليث، عن أيوب، عن أنس، قال قال النبي ﷺ: «ابنوا المساجد واتخذوها جما».
[ثم] قال: سألت محمدا - يعني البخاري - عنه فقال: إنما يروى عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق قوله، انتهى كلامه فاعلمه
[ ٢ / ٥٠٢ ]
(٥٠١) وذكر أيضا من طريق الدارقطني، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي في مسجد مشرف».
وهذا أيضا كذلك، إنما ذكره الدارقطني كالأول، وقال: إن إسحاق بن منصور وأبا غسان يرويانه عن هريم، عن ليث كذلك.
ورواه عبد الحميد بن صالح، عن هريم، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قوله.
قال: ولا نعلم رواه عن ليث غير هريم
انتهى كلام الدارقطني.
وقد ذكره أيضا ابن أبي شيبة موصلا، عن مالك بن إسماعيل - هو أبو غسان - عن هريم، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره.
وقال الترمذي في علله: حدثنا عبد الله بن دينار، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «نهانا النبي ﷺ، أو قال: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف» وسأل عنه البخاري فلم يعرفه.
(٥٠٢) وذكر أيضا من طريقه عن عامر الشعبي، عن أنس قال: قال
[ ٢ / ٥٠٣ ]
رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة أن ترى الهلال قبلا فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة».
هذا الحديث أيضا من ذاك القبيل، لم يوصل إليه الدارقطني إسناده، وإنما هو عنده هكذا: وسئل عن حديث عامر الشعبي، عن أنس، قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة» الحديث.
ثم قال يرويه عبد الكبير بن المعافى، عن شريك، عن العباس بن ذريح عن الشعبي، عن أنس، عن النبي ﷺ، وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا، والله أعلم.
وهذا جميع ما ذكر، فما بينه وبين عبد الكبير منقطع، فاعلمه.
(٥٠٣) وذكر من طريقه أيضا، عن محمد بن الحنفية، عن علي، أن النبي ﷺ «أمر رجلا صلى إلى رجل أن يعيد» وضعفه.
وهو أيضا ما لا إسناد له عنده، وإنما هو عنده هكذا: وسئل عن حديث محمد بن الحنفية، عن النبي ﷺ: «أمر رجلا صلى إلى رجل أن يعيد الصلاة» فقال: هو حديث يرويه إسرائيل عن عبد الأعلى
[ ٢ / ٥٠٤ ]
الثعلبي، عن ابن الحنفية، عن علي، قاله وكيع وإسماعيل بن صبيح عن إسرائيل.
وخالفهما عبيد الله بن موسى، وعلي بن الجعد فروياه عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن ابن الحنفية مرسلا.
وعبد الأعلى مضطرب الحديث، والمرسل أشبه بالصواب.
فهذا - كما ترى - لا اتصال له فيما بينه وبين وكيع وإسماعيل بن صبيح، اللذين زادا فيه ذكر علي.
وفيما أتبعه أبو محمد من قوله، شيء ينبغي التنبيه عليه لئلا يغلط به من لا يعرف اصطلاحهم، وذلك أنه قال: رفعه عبد الأعلى الثعلبي، عن ابن الحنفية، عن علي، وهذا اللفظ إنما يقال في حديث، وقفه قوم ورفعه آخرون إلى النبي ﷺ، فأما حديث رواه قوم مرسلا ووصله آخرون، فلا يقال هذا، إنما يقال فيه: وصله فلان، أو أسنده فلان، فإن المرسل مرفوع، كما هو المتصل مرفوع، وقد تبين كيف قال الدارقطني في هذا الحديث فاعلمه.
(٥٠٤) وذكر من طريقه أيضا، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ «صلى بهم المكتوبة على دابته، والأرض طين وماء».
ثم أعله بما أعله به الدارقطني
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وهو أيضا من ذلك، ونص ما عند الدارقطني هو هذا: وسئل عن حديث أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ «صلى بهم المكتوبة» الحديث.
فقال: يرويه أبو هشام: محمد بن علي بن أبي خداش الموصلي، عن المعافى، عن الثوري، عن هشام بن حسان، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ.
والمحفوظ عن أنس بن سيرين: عن أنس فعله غير مرفوع
انتهى قوله.
وهذه المؤاخذة مني لأبي محمد في هذا الحديث، إنما هي في اللفظ المذكور، وأما معناه فقد وصله الدارقطني بالإسناد المذكور، فقال بعده: وسئل عن حديث ابن أبي خداش، عمن سمعه، فقال: حدثناه أبو عبيد المحاملي، وأبو بكر بن مجاهد، وابن مخلد، وجماعة، قالوا: حدثنا محمد بن مسلم بن وارة، حدثنا أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي، حدثنا المعافى، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن أنس ابن سيرين، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ «أنه صلى المكتوبة في ردغة على حمار».
قال: ورواه غير المعافى، عن الثوري، عن هشام موقوفا، وكذلك رواه شريك، وعبد الرزاق، عن هشام موقوفا وهو صحيح
انتهى قوله.
فاللفظ الأول صحيح الدخول في هذا الباب، فأما من حيث معناه فمتصل فاعله
[ ٢ / ٥٠٦ ]
(٥٠٥) وذكر أيضا من طريقه، عن عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «إذا صلى الإنسان على الجنازة، انقطع ذمامها إلا أن يشاء أن يتبعها».
ثم أتبعه معنى ما قال فيه الدارقطني.
ونص ما عنده: وسئل عن حديث عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ إذا صلى الإنسان، الحديث.
فقال: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه، فرواه عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعا.
والمحفوظ: عن هشام، عن أبيه موقوفا، ليس فيه ذكر عائشة.
هذا ما عنده من غير مزيد، وأعرض أبو محمد عن إعلال الحديث بعبد الله بن عبد العزيز.
والحديث لو اتصل إسناد الدارقطني إليه ما صح من أجله، فإنه ضعيف، قال أبو حاتم: هو منكر الحديث ضعيفه، عامة حديثه خطأ، لا أعلم له حديثا مستقيما، لا يشتغل به.
وقال أبو ضمرة: كان قد خلط
[ ٢ / ٥٠٧ ]
(٥٠٦) وذكر من طريقه أيضا عن ابن عمر قال: «نهينا أن نتبع جنازة معها رانة».
ثم قال: إسناده ضعيف.
لم يزد على هذا، فسنذكره إن شاء الله في جملة ما أجمل تعليله من الأحاديث.
والذي قصد الآن بيانه هو أن هذا الحديث من ذلك القبيل
ذكره الدارقطني ذكرين في موضعين من الكتاب المذكور، قال في أحدهما: وسئل عن حديث مجاهد، عن ابن عمر «نهينا أن نتبع جنازة معها رانة» فقال: يرويه ليث بن أبي سليم، وزيد العمي، وأبو يحيى القتات.
واختلف على أبي يحيى، فرواه أحمد بن يونس، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد مرسلا، وكذلك قال أبو غسان، وقد أسنده غير إسرائيل انتهى ما ذكر في أحد الموضعين.
وقال في الموضع الآخر: وسئل عن حديث مجاهد، عن ابن عمر: «نهانا رسول الله ﷺ أن نتبع جنازة معها رانة»
[ ٢ / ٥٠٨ ]
فقال: يرويه أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي ﷺ، كذا قال إسرائيل عن أبي يحيى.
وخالفه ليث؛ فرواه عن مجاهد، عن ابن عمر قال: «نهينا أن نتبع جنازة معها رانة» لم يصرح برفعه.
وقال ابن جريج، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله «نهى رسول الله ﷺ عن البدع كلها حتى النوح».
وهذا لفظ آخر، وهذا كلام الدارقطني.
فانظر كيف لم يوصل إسناده لا إلى إسرائيل، ولا إلى ابن جريج، راوييه عن أبي يحيى، بلفظين مختلفين مصرحا برفعه، ولا إلى ليث راويه عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا.
وهذا هو الذي أورد أبو محمد، فاجتمع في فعله أشياء.
منها أنه ساق الذي ليس الرفع فيه مصرحا به، وترك المصرح برفعه، والموقوف من رواية ليث بن أبي سليم، والمرفوع من رواية أبي يحيى القتات، وهو أحسن حالا من ليث، قد وثقه ابن معين في رواية عنه.
وقال البزار: ما نعلم به بأسا، قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وهو كوفي معروف، فروايته كانت أولى بالذكر من رواية ليث، وكلتاهما لا إسناد إليها عند الدارقطني فاعلم ذلك
[ ٢ / ٥٠٩ ]
(٥٠٧) وذكر أيضا من طريقه عن الشعبي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة».
ثم قال: هذا يروى عن الشعبي مرسلا، وهو الصواب.
فنقول: وهذا أيضا كذلك، إنما سئل الدارقطني عنه فقال: يرويه داود بن أبي هند، واختلف عنه، فرواه أبو أمية الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى، عن الثوري، عن داود، عن الشعبي، عن أنس، ورفعه، وغيره يرويه عن الثوري، عن داود، عن الشعبي مرسلا، وهو الصواب.
(٥٠٨) وذكر أيضا من طريقه عن علي بن حسين، عن علي في «النهي عن حصاد الزرع بالليل».
قال: والصواب مرسل.
وهذا أيضا كذلك إنما سئل الدارقطني عنه فأجاب بذلك، ووصل المسند من طريق ضعيف.
والمرسل عنده هو غير الموصل، وقد كتبناه في باب من الأبواب المتقدمة في القسم الأول من الكتاب.
(٥٠٩) وذكر من طريقه أيضا عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٥١٠ ]
«في الهلال إذا سقط قبل الشفق فهو لليلته، وإذا سقط بعد الشفق فهو لليلتين».
ثم أتبعه أن قال: إسناده يرجع إلى ضعيف ومتروك.
وهذا أيضا كذلك، إنما سئل الدارقطني عنه فقال: يرويه رشدين بن سعد، عن يونس بن يزيد عن نافع، عن ابن عمر.
وخالفه أحمد بن عيسى المصري رواه عن رشدين، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
ورواه بقية بن الوليد، واختلف عنه، فرواه ابن مصفي عن بقية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر
[ ٢ / ٥١١ ]
وقيل عن ابن مصفي، عن بقية، عن مجاشع بن عمرو، عن عبيد الله.
ومجاشع لم يسمع من عبيد الله شيئا.
وقيل: عن عبيد الله بن صالح، عن بقية، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن عبيد الله.
وعثمان هذا هو الطرائفي، ولم يسمع من عبيد الله.
ورواه محمد بن سلام السعيدي، عن عثمان المكتب، عن عبيد الله.
ورواه عبد الملك بن سليمان القلانسي، عن عثمان الطرائفي، عن معلى ابن هلال، عن عبيد الله بن عمر، فرجع حديث بقية إلى هلال بن معلى، وهو متروك.
ورواه إبراهيم بن الوليد بن سلمة الطبراني، فقال: عن أبيه، عن عبيد الله ابن عمر، ومرة يقول: عن أبيه، عن النضر بن محرز، عن عبيد الله بن عمر، ولا يصح ذلك.
وكل من رواه ضعيف
انتهى كلام الدارقطني.
وفيه اختلال وقع في النسخة كذلك، وهو في قوله أولا، وخالفه أحمد ابن عيسى فإن الهاء من خالفه لم تعد على مذكور، وقد تبين المقصود، وهو أنه غير موصل عنده
فاعلم ذلك.
(٥١٠) وذكر من طريقه أيضا، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة أنه
[ ٢ / ٥١٢ ]
كان يأكل البرد وهو صائم، ويقول: «ليس بطعام ولا شراب».
قال: يرويه قتادة، وحميد، عن أنس موقوفا، وخالفهما علي بن يزيد، فرواه عن أنس، وقال: فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: «خذ عن عمك».
قال: والموقوف هو الصحيح.
هذا ما ذكره به، وهو أيضا عند الدارقطني كما قلنا غير موصل، إنما سئل عنه فأجاب بهذا.
وقد ذكره البزار موصلا، قال: حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا أبي، عن علي بن زيد، عن أنس، قال: مطرنا بردا على عهد رسول الله ﷺ فكان أبو طلحة يأكل منه وهو صائم، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «خذ عن عمك».
قال: [وهذا الحديث قد خالف علي بن زيد قتادة في روايته] حدثناه هلال بن يحيى قال: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: رأيت
[ ٢ / ٥١٣ ]
أبا طلحة يأكل البرد وهو صائم، ويقول: إنه ليس بطعام ولا شراب، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ.
ولا يعلم روي هذا الفعل إلا عن أبي طلحة.
(٥١١) وذكر من طريقه أيضا عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في رجل مات وعليه صيام: «يطعم عنه كل يوم مسكين».
ثم صححه موقوفا، وضعف المرفوع بأشعث بن سوار، وابن أبي ليلى.
وهو أيضا غير موصل كذلك، إنما سئل عنه الدارقطني فقال: يرويه
[ ٢ / ٥١٤ ]
أشعث بن سوار، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، تفرد به عبثر بن القاسم، والمحفوظ عن نافع، عن ابن عمر موقوفا.
كذلك رواه عبد الوهاب بن بخت، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفا [انتهى ما ذكر].
(٥١٢) وذكر من طريقه أيضا عن الحارث، عن علي، قال رسول الله ﷺ: «لا تقضي رمضان في عشرة ذي الحجة» الحديث.
وفيه: «ولا تدخل الحمام وأنت صائم».
ثم قال: هذا يروى موقوفا على علي، والموقوف هو الصحيح.
هذا أيضا من ذلك القبيل، إنما سئل عنه فقال: يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه؛ فرواه إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ من رواية مؤمل، عن إسرائيل، ووقفه غير عن إسرائيل.
ورواه الثوري، وشعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرة، عن
[ ٢ / ٥١٥ ]
الحارث موقوفا.
ورواه خالد بن ميمون عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي موقوفا، ولم يذكر عبد الله بن مرة، والموقوف أصح.
وروى محمد بن إسحاق من رواية عبد الوارث عنه، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ.
وكذلك رواه محمد بن كثير، عن أجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي مرفوعا أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وأحمد بن عبد الله الوكيل، قالا: حدثنا عمرو ابن شبة حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث، عن علي، قال: «لا تحتجم وأنت صائم، ولا تصم يوم الجمعة، ولا تدخل الحمام وأنت صائم، ولا تقض رمضان في ذي الحجة» انتهى ما ذكر.
وجميعه غير موصل إلا هذا الأخير، وهو موقوف، ولا يصح، فإنه من رواية الحارث، فإذن قوله: «والموقوف هو الصحيح» مؤول.
(٥١٣) وذكر أيضا من طريقه عن معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن قتادة،
[ ٢ / ٥١٦ ]
عن مطرف، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين».
ثم قال: هكذا رواه معاذ، قال الدارقطني: ولا يصح عن شعبة مرفوعا
انتهى كلامه.
والحديث أيضا غير موصل كذلك، إنما سئل عنه فقال: يرويه معاذ بن معاذ عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن معاوية مرفوعا.
وكذلك قال فهد بن سليمان، عن عمر بن مرزوق، وعباد بن زياد الساجي، عن عثمان بن عمر، عن شعبة، ولا يصح عن شعبة مرفوعا.
(٥١٤) وذكر أيضا من طريقه عن أبي صالح الحنفي، عن أبي هريرة
[ ٢ / ٥١٧ ]
عن النبي ﷺ قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوع».
ثم قال: الصواب مرسلا عن أبي صالح
انتهى قوله.
وهو أيضا كذلك، إنما سئل عنه فقال: يرويه [معاوية بن إسحاق واختلف عنه؛ فرواه شعبة عنه، واختلف عن شعبة، فرواه الحربي عنه، عن] معاوية بن إسحاق عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وخالفه أصحاب شعبة، منهم: غندر، ومحمد بن كثير، وعفان، ورووه عن شعبة، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح مرسلا عن النبي ﷺ.
وكذلك رواه شريك، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح مرسلا، وهو الصواب
انتهى كلام الدارقطني.
وأعرف هذا الحديث موصلا عند ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن معاوية ابن إسحاق، عن أبي صالح: ماهان، قال: قال رسول الله ﷺ «الحج جهاد، والعمرة تطوع».
وقال عبد الرزاق: عن الثوري، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله ﷺ: «الحج جهاد، والعمرة تطوع»
[ ٢ / ٥١٨ ]
(٥١٥) وذكر من طريقه عن عمر، عن النبي ﷺ قال: «في اليربوع جفرة».
ثم أتبعه أن قال: رواه الثقات الأثبات عن عمر قوله: منهم الليث، وابن عيينة، وابن عون، وغيرهم، وأسنده الأجلح، ومحمد بن فضيل، والأول هو الصحيح.
وروى الأجلح أيضا عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «في الضبع إذا أصابها المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة».
كذا رواه الأجلح من رواية محمد بن فضيل عنه، ورواه أصحاب أبي الزبير، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر قوله، وهو أصح من المسند، انتهى كلامه.
والمقصود فيه هو بيان أنه من ذلك القبيل، لم يوصل [إليه] الدارقطني إسنادا.
وفيه إلى ذلك أشياء ننبه عليها: منها قوله: إن الأجلح وابن فضيل أسنده مخالفين لليث، وابن
[ ٢ / ٥١٩ ]
عيينة، وابن عون، الواقفين له على عمر، وليس الأمر فيه كذلك، وإنما يدور الحديث على أبي الزبير، يرويه عن جابر.
فمالك بن سعير، ومحمد بن فضيل روياه عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي ﷺ.
وابن عوان، وأيوب، وابن عيينة، وهشام بن حسان، والأوزاعي، وصخر بن جويرية، والليث بن سعد، رووه عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر قوله، لم يرفعوه إلى النبي ﷺ.
فحصل الخلاف على أبي الزبير بين الأجلح والجماعة، والأجلح يرفعه والجماعة ثقفه.
هكذا أورده الدارقطني الذي نقله من عنده، فقوله إذن: إن الأجلح وابن فضيل أسنداه خطأ، فإن ابن فضيل لا يروي عن أبي الزبير، ولكن عن الأجلح، وهذه الرواية عن ابن فضيل، هي رواية موسى بن إسحاق القواس عنه.
وعنه في هذه رواية أخرى، وهي التي تقدم ذكرها، يرويها عن الأجلح عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، بغير ذكر عمر.
رواها عن ابن فضيل أبو كريب، وأبو مريم، ذكر ذلك عنهما الدارقطني في كتاب السنن موصلا
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وأبو محمد لم يعز ذلك، وأوهم أيضا بقوله: ورواه الثقات عن عمر، منهم فلان وفلان، أن هؤلاء باشروا عمر بالرواية عنه، وليس كذلك على ما قد تبين بما ذكرناه.
(٥١٦) وذكر من طريقه أيضا عن عائشة أن النبي ﷺ قال بعد حنين: «عشرة أشياء مباحة للمسلمين».
ثم رده بأن أبا سلمة: الحكم بن عبد الله بن خطاف العاملي، راويه عن عروة، عن عائشة متروك.
ولم يبين انقطاعه فيما بينه وبين الدارقطني، فإنه أيضا غير موصل الإسناد منه إلى راويه.
(٥١٧) وذكر من طريق أبي داود حديث نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، «إذا كانوا ثلاثة في السفر، فليؤمروا أحدهم»
[ ٢ / ٥٢١ ]
ثم قال: وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم، وإن كان أصغركم، وإذا أمكم فهو أميركم».
ثم قال: ذكر هذا اللفظ أبو الحسن الدارقطني
انتهى قوله.
وهو حديث لم يوصل أيضا إليه الدارقطني إسنادا، وأتبعه ذكر الاختلاف فيه على أبي سلمة، فساق في ذلك بعض الطرق اللفظ الذي ذكره أبو داود، فلم يتحصل لهذا اللفظ الذي نقل من عنده إسناده، فاعلم ذلك.
(٥١٨) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ حديث: «نكاح العبد بغير إذن مولاه».
فاعتراه فيه ما أوجب ذكره في باب الأحاديث المغيرة عما هي عليه.
وهو أيضا من هذا الباب، لكونه مما لم يوصل إليه إسناده.
(٥١٩) وذكر من طريقه أيضا حديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فذكر فيه روايات، هي من علل الدار قطني أيضا، غير موصلة بالأسانيد، قد ذكرناها في باب الأحاديث المصححة بسكوته، المذكورة بقطع من أسانيدها.
(٥٢٠) وذكر من طريقه أيضا عن عمر، عن النبي ﷺ أنه «نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها»
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ثم أتبعه أنه إنما انفرد به إسحاق الطباع، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرر بن أبي هريرة، عن عمر، ووهم فيه.
وخالفه ابن وهب فقال: عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: وهو وهم أيضا.
والصواب عن عمر بن حمزة مرسلا، ليس فيه عن أبيه
انتهى كلامه.
وهو كما ذكر، ولكنه غير موصل الإسناد عنده، إنما سئل عنه فأجاب بذلك.
(٥٢١) وذكر أيضا من طريقه، عن جابر بن عبد الله، قيل: يا
[ ٢ / ٥٢٤ ]
رسول الله، أينام أهل الجنة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها».
كذا ذكره وسكت عنه، وهو إنما ذكره الدارقطني غير موصل كذلك، إنما سئل عنه فقال: يرويه الثوري، فاختلف عنه.
فرواه عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر، وكذلك قيل عن الأشجعي.
ورواه يحيى بن القطان، وابن مهدي، وأبو شهاب الحناط وأبو عامر العقدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر مرسلا، وهو الصواب.
هذا ما ذكره به من غير مزيد فاعلمه.
(٥٢٢) وذكر من طريقه أيضا عن أبي جعفر: محمد بن عبد الرحمن،
[ ٢ / ٥٢٥ ]
عن علي، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يكلم النساء إلا بإذن أزواجهن».
ثم قال: رواه ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن أبي جعفر، عن علي، وخالفه شعبة عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن مولى لعمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ، وهذا هو الصحيح في هذا الإسناد
انتهى ما ذكر.
وهو أيضا عند الدارقطني غير موصل الإسناد كذلك، وإلى ذلك فإن أبا جعفر هذا لا يعرف، وابن أبي ليلى محمد سيئ الحفظ، وهو يضعفه ويضعف به، وهو ها هنا قد أعرض عنه.
(٥٢٣) وذكر من طريقه أيضا: حديث عثمان: «لا شفعة في بئر، ولا فحل النخل».
والاختلاف في رفعه ووقفه.
وهو أيضا غير موصل كذلك
[ ٢ / ٥٢٦ ]
(٥٢٤) وذكره من طريقه أيضا عن زينب بنت منجل، ويقال: بنت منخل، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ زجر صبياننا عن الجراد، وكانوا يأكلونه.
قال: والصواب موقوف، وذكر في المؤتلف والمختلف، أن منجلا - بالجيم - تصحيف
انتهى ما ذكر.
والحديث أيضا غير موصل في كتاب العلل كذلك، وإنما سئل عنه فأجاب بأنه يرويه عثمان بن غياث، واختلف عنه، فرواه روح بن عبادة عنه، عن برد بن عرين عن زينب بنت منخل، عن عائشة، عن النبي ﷺ
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وخالفه شعبة، وابن أبي عدي، روياه عن عثمان بن غياث، لم يذكرا رسول الله ﷺ، وفيه «كان صبيانا يأكلونه» موقوفا، وهو صواب.
(٥٢٥) وذكر من طريقه أيضا عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ: «أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم» الحديث.
ثم قال: إنه يروى موقوفا، والذي أسنده لا يحتج به، والصحيح: عن الزهري مرسل.
وهو أيضا عنده غير موصل لا إلى مسنده، ولا إلى مرسله.
(٥٢٦) وذكر من طريقه أيضا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا
[ ٢ / ٥٢٨ ]
دخلت على أخيك، فكل من طعامه، ولا تسأله، وإذا سقاك فاشرب من شرابه، ولا تسأله».
ثم قال: أسنده يحيى بن غيلان وعبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، وأوقفه غيرهما، والموقوف أصوب.
هذا ما ذكره به، وهو كلام الدارقطني عليه، وهو غير موصل الإسناد إلى من ذكر أنه أسنده، ولا إلى من وقفه فاعلمه.
(٥٢٧) وذكر من طريقه أيضا عن عطاء بن يزيد عن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله ﷺ رأى في يده خاتما من ذهب فقرعه بقضيب، فلما غفل النبي ﷺ ألقاه، فنظر النبي ﷺ فلم يره، فقال: «ما أرانا إلا قد أوجعناك وأغرمناك».
ثم قال: هكذا رواه النعمان بن راشد، عن الزهري، عن عطاء.
ورواه الحفاظ من أصحاب الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ، لبس خاتما، وهو الصحيح.
هذا ما ذكر، وهو أيضًا عند الدارقطني غير موصل كذلك.
(٥٢٨) وذكر أيضا من طريقه، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ
[ ٢ / ٥٢٩ ]
قال: «لا يكتب في الخاتم بالعربية».
ثم قال: الصحيح عن حميد مرسلا.
وهذا أيضا إنما سئل عنه الدارقطني، فأجاب بأن أبا عبد الرحمن المقرئ، رواه عن حميد، عن أنس، وبأن هشيما رواه عن حميد، عن الحسن مرسلا، قال: وهو الصحيح.
وأوهم كلام أبي محمد أنه مرسل عن حميد، عن النبي ﷺ، وليس كذلك.
(٥٢٩) وذكر أيضا من طريقه، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «يود أهل العافية أن لحومهم قرضت بالمقاريض، لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء».
كذا ذكره وسكت عنه، والدارقطني لم يوصل إسناده إلى عبد الرحمن بن مغراء راويه عن الأعمش، عن أبي الزبير، عن جابر وذكر أن أبا عبيدة بن معن خالفه، فرواه عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن جابر، يعني أنه لم يسم من حدثه عن جابر.
(٥٣٠) وذكر من طريقه أيضا، عن حماد بن زيد، عن أبي عمران
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الجوني عن جندب عن النبي ﷺ: «من بات فوق إجار ليس حوله شيء فوقع، فمات، أو ركب البحر عند ارتجاجه، فقد برئت منه الذمة».
ثم قال: هكذا رواه حماد بن زيد، وغيره عن أبي عمران، عن زهير بن عبد الله موقوفا، وهو الصواب، وزهير ليست له صحبة.
ذكر هذا كله الدارقطني، وحماد بن زيد، جليل حافظ
انتهى قوله.
وفيه كما ترى ترجيح رواية حماد واصله ورافعه، وقد نقض في ذلك
[ ٢ / ٥٣١ ]
وإلى ذلك فإنه لا إسناد له عند الدارقطني موصلا إلى حماد، ولا إلى من وقفه فاعلم ذلك.
(٥٣١) وذكر أيضا من طريقه عن ابن المنكدر، عن النبي ﷺ، قال: «إذا دعت أحدكم أمه وهو في الصلاة، فليجب، وإذا دعاه أبوه فلا يجب».
ثم قال: هكذا رواه حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر مرسلا، ورواه عبد العزيز بن أبان، عن ابن أبي ذئب، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ، والمرسل هو الصواب.
كذا ذكره وهو أيضا غير موصل كذلك.
(٥٣٢) وذكر أيضا من طريقه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن
[ ٢ / ٥٣٢ ]
عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له سريرة صالحة أو سيئة، أظهر الله عليه منها رداء يعرف به».
ثم قال: الصحيح في هذا، عن عثمان، عن النبي ﷺ، انتهى ما أورد.
والحديث أيضا عند الدارقطني غير موصل الإسناد، وفي إيراد أبي محمد هذا وهم بين، وهو قوله: عن أبي عبد الرحمن الحبلي، إنما هو السلمي، وفي جملة أحاديث السلمي أورده الدارقطني، وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي وهم في التعريف برجال منها فاعلم ذلك.
(٥٣٣) وذكر في طريقه عن محمد بن أبي عميرة عن النبي ﷺ قال: «لو أن رجلا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله، لحقره ذلك اليوم، ولود أنه زيد كيما يزداد من الأجر»
[ ٢ / ٥٣٣ ]
كذا ذكره وسكت عنه، وهو أيضا عند الدارقطني غير موصل الإسناد، إنما قال: يرويه ثور بن يزيد واختلف عنه، حدث به عنه ابن المبارك.
فقال عبد الحميد بن صالح: عن ابن المبارك، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن محمد بن أبي عميرة.
وقال علي بن إسحاق: عن ابن المبارك، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير عن محمد بن أبي عميرة.
ويشبه أن يكون القول قول علي بن إسحاق، لأنه زاد رجلا وهو ثقة
انتهى كلام الدارقطني.
وهو كما قلناه لا إسناد له منه إلى عبد الحميد، ولا إلى علي بن إسحاق.
(٥٣٤) وذكر من طريقه أيضا، عن ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أن تسقى البهائم الخمر».
ثم قال: الصحيح في هذا موقوف على ابن عمر.
وهذا أيضا كذلك، إنما سئل عنه فأجاب بأن أبا مسلم قائد الأعمش رواه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا.
وتابعه على رفعه أحمد بن عبد الله بن إشكاب، ولم يوصل إلى واحد
[ ٢ / ٥٣٤ ]
منهما إسناده، يرويه عن عبد الرحيم بن سليمان عن عبيد الله قال: والصحيح عن عبيد الله الوقف على ابن عمر.
(٥٣٥) وذكر أيضا من طريقه، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «اطلبوا الخير، وتعرضوا لنفحات الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم».
وسكت عنه، ولم يبين أنه غير موصل الإسناد كذلك، وإنما سئل الدارقطني عنه فقال: قد اختلف فيه على صفوان بن سليم، فرواه عيسى بن موسى بن إياس بن بكير، عن صفوان بن سليم عن أنس، وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن صفوان بن سليم، عز رجل، عن أبي هريرة، والله أعلم.
المدرك الرابع لانقطاع الأحاديث: وهو أن يكون الانقطاع مصرحا به في أسانيدها.
(٥٣٦) فمن ذلك ما ذكر من طريق أبي داود، عن أبي مالك الأشعري
[ ٢ / ٥٣٥ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو
[ ٢ / ٥٣٦ ]
عليكم نبيكم فتهلكوا» الحديث.
ثم قال: [هذا] يرويه إسماعيل بن عياش من حديث الشاميين، وحديثه عنهم صحيح، قاله ابن معين وغيره.
ورواه إسماعيل، عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك.
هكذا نص ما ذكر، والحديث عند أبي داود منقطع، وبيان هذا هو أن أبا داود قال فيه: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي - قال ابن عوف، وقرأت في أصل إسماعيل بن عياش - حدثني ضمضم فذكره.
فهذا القطعة التي ترك أبو محمد ذكرها من الإسناد تبين فيها أن محمد ابن عوف لم يسمعه من إسماعيل، وإنما قرأه في كتابه، أو حدثه به عنه ابنه: محمد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل لا يصدق فيما يرويه عندهم، ولا أيضا صح سماعه من أبيه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: لم يسمع من أبيه شيئا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث.
(٥٣٧) وكرر أبو محمد هذا العمل بعينه في حديث ثوبان أنهم استفتوا
[ ٢ / ٥٣٧ ]
رسول الله ﷺ عن غسل الجنابة فقال: «أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله» الحديث.
هو عنده بالإسناد المذكور، وعمل فيه كعمله المذكور.
(٥٣٨) وقد تحرز منه في حديث: «امتناعه ﵇ من الدخول إلى زينب زوجه، لما صبغت ثيابها بمغزة» فإنه ذكر إسناده كما هو عند أبي داود كالمتبرئ من عهدته، فكان ذلك صوابا.
(٥٣٩) وذكر من طريق مسلم، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي قال: «لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة» الحديث.
وسكت عنه، وهو عند مسلم ﵀ منقطع إنما كتب به جابر بن سمرة إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص.
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا
[ ٢ / ٥٣٨ ]
حاتم - وهو ابن إسماعيل - عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
وليس فيه أن نافعا غلامه رد الجواب، وحتى لو كان فيه ذلك لم ينفع، فإن حاله لا تعرف، وإنما هو غلام من غلمان عامر لا يعرف بالرواية.
ومسلم ﵀ لم يعتمده، وإنما أورد الحديث على أنه كتاب كسائر ما في كتابه من أمثاله.
ولهذا لا تجد لنافع المذكور ذكرا في شيء من مصنفات الرجال الذين رويت لهم الأحاديث في الصحيحين، فاعلم ذلك.
(٥٤٠) وذكر أيضا من طريق مسلم، عن عبد الله بن أبي أوفى، «أن
[ ٢ / ٥٣٩ ]
رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر» الحديث.
وسكت عنه، وهو حديث لم يسمعه أبو النضر: سالم، من عبد الله ابن أبي أوفى، وإنما كتب به إلى مولاه، فلعله رآه في الكتاب، وقد نبه عليه الدارقطبي.
ونص ما عند مسلم فيه: نبأني محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أنبأني موسى بن عقبة، عن أبي النضر: هو سالم مولى عمر بن عبيد الله، عن كتاب رجل من أسلم، من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن أبي أوفى، فكتب إلى عمر بن عبيد الله - حين سار إلى الحرورية يخبره أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية» الحديث.
وفي كتاب البخاري من رواية معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال: كتب إلى عبد الله بن أبي أوفى فقرأته.
وهكذا رواه ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة - كما رواه الفزاري - أن عبد الله بن أبي أوفى، كتب إلى أبي النضر
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وليس ذلك بشيء، وإنما الصواب ما رواه ابن جريج، عن موسى بن عقبة، من أن ابن أبي أوفى كتب به إلى مولاه عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة القرشي، الأمير على الجيوش، الجواد، الذي قتل أبا فديك، وولي الولاية العظيمة، وشهد مع عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب فتوح كابل شاة هـ وهو صاحب البقرة بات يقاتل عنها حتى أصبح، وأخباره كثيرة ومناقبه وممادحه، وكان يقاوم قطري بن الفجاءة، ومات بدمشق عند عبد الملك بن مروان.
فالحديث إذن منقطع، حدث به أبو النضر، عن كتاب ابن أبي أوفى إلى مولاه المذكور.
(٥٤١) وقد ذكر أبو محمد حديث ابن عمر في الدعوة قبل القتال كما وقع، فبرئت منه عهدته.
قال عن ابن عون: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعوة قبل القتال، فكتب إلى: إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله على بني
[ ٢ / ٥٤١ ]
المصطلق وهم غارون [الحديث].
فمثل هذا هو الصواب في أمثاله، أن يبين أنه عن كتاب فاعلمه.
(٥٤٢) وذكر من طريق مسلم، عن أبي الجهم بن الحارث، «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه» الحديث في التيمم.
ولم يبين انقطاعه، وهو مصرح به عند مسلم.
إنما قال فيه: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن ابن هرمز، عن عمير مولى ميمونة، قال: «أقبلت وأنا عبد الله بن يسار» الحديث.
وهو متصل عند أبي داود، والنسائي، من رواية شعيب بن الليث، عن أبيه.
ورواه عنه أيضا يحيى بن بكير، ذكره عنه البخاري، فاعلم ذلك.
(٥٤٣) وذكر من طريق أبي داود حديث أسامة بن عمير: «رأيتنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، ومطرنا مطرا لم تبل السماء أسفل نعالنا»
الحديث
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وسكت عنه، وإسناده عند أبي داود منقطع - أعني هذا اللفظ - إنما قال فيه سفيان بن حبيب: أخبرنا عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح ابن أسامة، عن أبيه
فذكره.
(٥٤٤) وذكر من طريق أبي داود عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٢ / ٥٤٣ ]
«أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله».
هكذا ساق هذا الحديث، ولم يتبعه قولا، وهو هكذا خطأ، فإن قطعة منه مرسلة، فجاءت هكذا كأنها مسندة، وهي لفظة: «ولينوا بأيدي إخوانكم».
قال أبو داود: حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي قال: حدثنا ابن وهب.
وحدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث - وحديث ابن وهب أتم - عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر - قال قتيبة -: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة.
ولم يذكر ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم».
ولم يقم عيسى «بأيدي إخوانكم» - صحف فيه - «ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله».
هذا نص ما عنده، وفيه بيان ما قلنا، فإن رواية قتيبة لم يذكر فيها ابن عمر، إنما جعله مرسلا من مراسل أبي شجرة: كثير بن مرة.
وعيسى بن إبراهيم الذي وصله بذكر ابن عمر فيه، لم يقم، أو لم يقل
[ ٢ / ٥٤٤ ]
لفظة «بأيدي إخوانكم»، فاعلم ذلك.
(٥٤٥) وذكر من طريقه أيضا في أحاديث التيمم أن قال ويروى إلى المرفقين.
وهذه الرواية إنما هي عند أبي داود منقطعة الإسناد، مصرح من قتادة بذلك، إنما قال فيها: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال: «إلى المرفقين».
(٥٤٦) وذكر من طريقه أيضا عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء حلق» الحديث.
وسكت عنه، فكان ذلك تصحيحا له منه، وهو حديث ضعيف منقطع
[ ٢ / ٥٤٥ ]
أما ضعفه فبأن أم عثمان بنت أبي سفيان، لا يعرف لها حال.
وأما انقطاعه فيتبين بإيراده كما وقع.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال بلغني عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: مثله «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير».
فهذا طريق منقطع، لقول ابن جريج: بلغني عن صفية.
ثم قال أبو داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى أبا يعقوب قال: حدثنا هشام ابن يوسف عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان، أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ مثله.
وهذا أيضا منقطع، فإنا ما لم نعرف الذي حدث به حتى يوضع فيه النظر، فهو بمثابة من لم يذكر.
وهكذا القول فيما يرويه مالك، عن الثقة عنده وأشباهه.
ولم ينفع كونه يكنى أبا يعقوب، فقد عرفنا نحن أنه مكنى، وإنسان، فما ذلك بنافع.
ومن لج في هذا، لن يلج في أنه مجهول فلا يكون الحديث من أجله صحيحا
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وإن فسره مفسر بأنه أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل، فإنه يروي هذا الحديث، عن هشام بن يوسف، لم يقنع بذلك، وهو أيضا رجل قد علم له رأي فاسد يتجرح به، تركه الناس من أجله، وهو الوقف في أن القرآن مخلوق، وإن كان لا يؤتى من جهة الصدق ومن طريقه ذكر الدارقطني هذا الحديث، عن البغوي عنه، فاعلم ذلك.
(٥٤٧) وذكر من طريق البزار، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ: «لا يطلق النساء إلا من ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات».
ثم قال: ليس لهذا الحديث إسناد قوي.
لم يزد على هذا، وصدق فيه، وهو حديث مصرح في إسناده بالانقطاع، إنما هو من رواية عبد الله بن عيسى، عمن حدثه، عن أبي موسى.
ولأن أبا محمد لم يذكر علته ولا فسر من حاله شيئا، أخرنا شرح أمره إلى الباب الذي نذكر فيه الأحاديث التي أجمل تعليلها.
واكتفينا ها هنا بالتنبيه على انقطاعه.
وقد فرغنا من ذكر الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة، فلنذكر ما ذكر من الأحاديث على أنها متصلة، وهي مشكوك في اتصالها.
(٥٤٨) فمن ذلك ما ذكر من طريق أبي أحمد الحاكم، من حديث
[ ٢ / ٥٤٧ ]
عبدة بن حزن النصري - وكانت له صحبة - قال: كانوا يفعلون أشياء فكرهها النبي ﷺ، فقيل له: لو نهيتهم فقال: «لو نهيت رجالا أن لا يأتوا الحجون لأتوها، ما لهم بها حاجة».
هكذا أورد هذا الحديث، وسكت عنه مصححا له، وهذا الحديث لا ينبغي أن يطلق عليه القول بالصحة، وذلك أنهم يختلفون في صحبة هذا الرجل.
قال ابن السكن: يقال: له صحبة، ولم تصح له صحبة.
وكان شريك يقول في حديثه: كانت له صحبة، واختلف فيه على أبي إسحاق، فقال بعضهم: نصر بن حزن، وقال الأعمش: عنه عن أبي الوليد: عبدة السؤاي، وكان قد أدرك.
وهذا لا يوضح المقصود من كونه صحابيا، ولما ذكره ابن أبي حاتم قال: روى عن النبي ﷺ مرسلا وهو تابعي، روى عن عبد الله بن مسعود، وأورد البخاري في بابه عن ابن أبي عدي عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق: أدرك نصر النبي ﷺ؟ قال: نعم
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وهذا أيضا لا يوضح المقصود، من كون عبدة صحابيا.
فلقائل أن يقول: نصر بن حزن، غير عبدة، ويختلفون في ضبط اسمه، فمنهم من يقول بفتح الباء، ومنهم من يسكنها، وذكر البخاري بيان من يقول ذلك، ومن يقول فيه: عبيدة بزيادة ياء، وبالجملة فما مثله صح، فاعلم ذلك.
(٥٤٩) وذكر من طريق أبي داود، عن زينب بنت أم سلمة - أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف - أن رسول الله ﷺ «أمرها» الحديث.
وهو حديث مرسل فيما أرى وزينب ربيبة النبي ﷺ، معدودة في التابعيات، وإن كانت إنما ولدت بأرض الحبشة، فهي إنما تروي عن عائشة، وأمها أم سلمة.
(٥٥٠) وحديث: «لا يحل لامرأة أن تحد إلا على زوجها» ترويه عن أمها، وعن أم حبيبة، وعن زينب، أزواج النبي ﷺ
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وكل ما جاء عنها عن النبي ﷺ مما لم تذكر فيه بينها وبينه أحدا لم تذكر فيه سماعا منه مثل حديثها هذا.
(٥٥١) وحديث رواه كليب بن وائل عنها، عن النبي ﷺ أنه «نهى عن الدباء والحنتم».
(٥٥٢) وحديثها في تغيير اسمها، فاعلم ذلك.
(٥٥٣) وذكر من طريق أبي داود حديث قبيصة بن وقاص «صلوا معهم ما صلوا إلى القبلة».
وسكت عنه، وهو مشكوك في اتصاله، فإن قبيصة هذا لا يعرف له غير هذا الحديث.
ومن أجله قال فيه من قال: إنه صحابي وقد أنكر على أبي زرعة
[ ٢ / ٥٥٠ ]
إدخاله في الصحابة البصريين.
وإلى ذلك فإن صالح بن عبيد راويه عنه، ولا تعرف حاله، فاعلم ذلك.
(٥٥٤) وذكر أيضا من طريق أبي داود حديث ابن أم مكتوم: «لا أجد لك رخصة» وفي رواية أخرى: «إن المدينة كثيرة الهوام والسباع».
وكلتا الروايتين مشكوك في اتصالهما: أما الأولى فيرويها عاصم بن بهدلة عن أبي رزين، عن ابن أن أم مكتوم.
وأبو رزين: مسعود بن مالك الأسدي أعلى ما له، الرواية عن علي ويقال: إنه حضر معه بصفين.
وابن أم مكتوم، قتل بالقادسية أيام عمر، وانقطاع ما بينهما إن لم يكن معلوما - لأنا لا نعرف سنه - فإن اتصال ما بينهما ليس معلوما أيضا، فهو مشكوك فيه
[ ٢ / ٥٥١ ]
وأما الرواية الأخرى، فيرويها عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، وسنه لا تقتضي له السماع منه، فإنه ولد لست بقين من خلافة عمر.
(٥٥٥) وذكر من طريق الدارقطني عن جابر، قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن، فما صنع فاصنعوا».
ثم أتبعه أن قال: قال أبو حاتم: هذا يصحح لمن قال بالقراءة خلف الإمام.
لم يزد على هذا، كأنه رأى هذا من أبي حاتم تصحيحا له، فترك النظر في إسناده.
وهو في الحقيقة ليس بتصحيح له من أبي حاتم، إنما هو بمثابة من يروي حديثا صحيحا أو سقيما ثم يقول: هذا فيه الحجة لمن ذهب إلى كذا، يعني أنه من متعلقاته إن صح، أو حتى يدفع بما يوجب دفعه به.
وإلى هذا فلو كان تصحيحا من أبي حاتم، لوجب مع ذلك من النظر في إسناده، ما يجب مع تصحيح البخاري، أو مسلم، أو الترمذي، أو غيرهم، فإنما تقبل الرواية لا الرأي في مسائل الاجتهاد.
والحديث المذكور ساقه الدارقطني هكذا، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا الحميدي، حدثنا موسى بن شيبة، عن محمد بن
[ ٢ / ٥٥٢ ]
كليب، وهو ابن جابر [بن عبد الله، عن جابر] فذكره.
ففيه للبحث موضعان: أحدهما هل سمع محمد بن كليب بن جابر من جده جابر أم لا؟ فإني رأيت البخاري لما ذكره إنما قال: يروي عن محمود، ومحمد ابني جابر، فأما زيادة ابن أبي حاتم في كتابه حيث قال: روى عن جابر ومحمد ومحمود ابني جابر فإنما ذلك أخذ من هذا الإسناد، وليس في قوله: عن جابر، ما يؤذن بسماعه منه.
والموضع الآخر، موسى بن شيبة، فإن ابن حنبل قال: أحاديثه مناكير.
وإن كان أبو حاتم قد قال فيه: صالح الحديث فإن الذي مسه به أحمد جرح مفسر.
(٥٥٦) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن الحصين، عن النبي ﷺ قال: «التسليم بعد سجدتي السهو».
ثم قال: قال ابن معين: سمع محمد بن سيرين من عمران.
هذا ما أورد، وهو كما ذكر، ولكنه عندي مشكوك في اتصاله
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وبيان ذلك، هو أن محمد بن سيرين قد روى عن عمران أحاديث معنعنة، لا يذكر فيها السماع.
(٥٥٧) منها في كتاب مسلم، حديث الذي عض يد رجل.
(٥٥٨) وحديث الذي «أعتق ستة أعبد له عند موته».
(٥٥٩) وفي غير كتاب مسلم حديث: «من حلف على يمين صبر كاذبا، فليتبوأ مقعده من النار».
(٥٦٠) وحديث: «من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
(٥٦١) وحديث «لا يزال العبد في الصلاة ما انتظر الصلاة».
(٥٦٢) وحديث «لا طاعة في معصية الله»
[ ٢ / ٥٥٤ ]
هذا ما أذكر من ذلك الآن، وما منه شيء ذكر فيه سماعه منه.
فقال الدارقطني: لم يسمع منه فيما يقال.
وقال غيره: سمع منه، كما ذكر الآن أبو محمد، عن ابن معين، وهو صحيح عنه، ذكره عنه إسحاق بن منصور الكوسج.
(٥٦٣) وفي كتاب مسلم حديث: «سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب».
فيه قول محمد بن سيرين: حدثني عمران بن حصين، ولكنه مع هذا يبقى الشك فيه، ويقوى في حديث هذا الباب فإنه إنما يروي قصة سهو النبي ﷺ، بتوسط ثلاثة بينه وبين عمران بن حصين.
(٥٦٤) قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ: «صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم».
بل احتاج أن يرويه - كما ترى - عمن دونه، وهو خالد الحذاء، فإنه - أعني
[ ٢ / ٥٥٥ ]
خالد الحذاء - إنما عهد يروي عن ابن سيرين.
(٥٦٥) ومن روايته عنه في كتاب مسلم حديث «الفأرة أنها مسخ».
فيغلب على الظن أنه لم يسمع منه حديث هذا الباب، ولو صح أنه سمع منه غيره، والله أعلم.
(٥٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن الحصين بن وحوح أن طلحة ابن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، الحديث.
وفيه: «فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تقيم بين ظهراني أهله».
وقال بإثره: ليس إسناده بقوي، والحصين بن وحوح له صحبة.
لم يزد على هذا، وقد بينا في باب الأحاديث التي لم يبين عللها علته.
واحتمال الإرسال فيه، بكون الحصين بن وحوح يروى عنه، عن طلحة
[ ٢ / ٥٥٦ ]
ابن البراء، عن النبي ﷺ، وقد أوضحت ذلك في الباب المذكور، فهو أخص بذكره من هذا الباب.
(٥٦٧) وذكر من طريق أبي داود أيضا، عن ابن عباس قال: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق».
ثم قال: في إسناده يزيد بن أبي زياد
[ ٢ / ٥٥٧ ]
لم يزد على هذا، وإنما ذلك منه اتكال على ما تقدم في يزيد بن أبي زياد: من كونه لا يحتج به.
والمقصود الآن بيانه هو أن هذا الحديث مشكوك في اتصاله، وذلك أن أبا داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد ابن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، قال: «وقت رسول الله ﷺ» فذكره.
وقال الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، فذكره بإسناده ومتنه.
فأقول: إن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس إنما هو معروف الرواية عن أبيه، عن جده ابن عباس، وبذلك ذكر في كتب الرجال.
(٥٦٨) وفي كتاب مسلم، حديث حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، أنه رقد عند رسول الله ﷺ: «فاستيقظ، فتسوك، وتوضأ وهو يقول: إن في خلق السموات والأرض» الحديث.
(٥٦٩) وعند البزار، حديث هشام بن عروة، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «أكل كتفا
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أو لحما، ثم صلى، ولم يمس الماء».
فهو - كما ترى - إنما عهد يروي عن أبيه، عن جده، ولا أعلمه يروي عن جده، إلا هذا الحديث، وأخاف أن يكون منقطعا، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه يروي عن جده، وقد ذكرا أنه يروي عن أبيه.
وقال مسلم في كتاب التمييز لا يعلم له سماع من جده، ولا أنه لقيه، فاعلم ذلك.
(٥٧٠) وذكر من مسند أبي بكر بن أبي شيبة، عن سعد، «لما قدمنا مع رسول الله ﷺ في حجته، فمنا من رمى بست ومنا من رمى بسبع» الحديث.
ثم قال: في إسناده الحجاج بن أرطأة.
وهو كما ذكر، ولكني أشك في اتصاله، فإنه من رواية مجاهد، عن سعد ابن أبي وقاص، ولا أعلم له سماعا منه، وإنما أعلمه يروي عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه سعد، ويروي عن الصحابة: عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وأبي ريحانة
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وروايته عن عائشة مرسلة، وعن علي كذلك، وكان موت سعد بن أبي وقاص، سنة ثمان وخمسين، ومجاهد إذ ذاك من نحو ثمان وثلاثين سنة فهو لا يبعد سماعه منه، ولكن لا أعلمه.
(٥٧١) وذكر من طريق أبي داود، عن سعد بن أبي وقاص: مرضت مرضا أتاني رسول الله ﷺ يعودني، «فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤود ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب» الحديث، وسكت أيضا عنه مصححا له، وإنما يرويه مجاهد عن سعد.
(٥٧٢) وذكر من طريق مسلم عن أبي رافع قال: «لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت، فضربت قبته، فجاء فنزل».
كذا أورده وسكت عنه، ولم يضع فيه نظرا لما كان من عند مسلم، ومسلم إنما هو عنده من رواية سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع فذكره
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وقد يعرض في سماع سليمان بن يسار من أبي رافع شك لمن يقف على كلام أبي عمر بن عبد البر.
(٥٧٣) فإنه لما ذكر حديث مالك، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، «أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج».
قال: إن مطرا الوراق، رواه عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، قال: وذلك عندي غلط من مطر، لأن سليمان بن يسار، ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة إثر قتل عثمان ﵁ وكان قتله في ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، فغير ممكن سماعه منه، وممكن أن يسمع من ميمونة، لأنه توفيت سنة ست وستين بسرف، وهي مولاته ومولاة إخوته، أعتقتهم وولاؤهم لها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها.
وقد ذكر أبو محمد في النكاح - من طريق النسائي - حديث سليمان بن يسار هذا عن أبي رافع، في زواج ميمونة.
وهو عند النسائي من رواية مطر كذلك، وسكت عنه، ولم يعرض منه لانقطاع إسناد ولا لضعف مطر.
وذكره الترمذي أيضا بإسناد النسائي سواء، يرويانه جميعا عن قتيبة، عن
[ ٢ / ٥٦١ ]
حماد بن زيد، عن مطر، عن ربيعة، عن سليمان، عن أبي رافع.
وأنا أظن أن الحديث المذكور متصل، باعتبار أن يكون الصحيح في مولد سليمان، قول من قال: سنة سبع وعشرين، فتكون سنه نحو ثمانية أعوام يوم مات أبو رافع وقد يصح سماع من هذه سنه.
وقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه الحديث المذكور، فقال: حدثنا حامد بن يحيى، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: كان عمرو بن دينار يحدثنا هذا الحديث، عن صالح بن كيسان أنه سمع سليمان بن يسار، يقول: أخبرني أبو رافع - وكان على ثقل رسول الله ﷺ - قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح، ولكن أنا جئت فضربت فبته، فجاء فنزل.
ففي ذكر هذا سماعه منه، فالله أعلم.
(٥٧٤) وذكر حديث أبي الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ: «أخر طواف الزيارة إلى الليل».
وقد تقدم في باب الزيادة في الأسانيد، أنه مشكوك في اتصاله.
(٥٧٥) وذكر من طريق أبي أحمد، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٥٦٢ ]
«لا تأذنوا لمن لا يبدأ بالسلام».
وأعله بكونه من رواية إبراهيم [بن يزيد] الخوزي.
وبقي عليه أن يبين أنه يرويه عن أبي الزبير والوليد بن أبي مغيث عن أحدهما، أو عن كليهما، عن جابر.
والوليد بن أبي مغيث لا أعلمه إلا الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، وروايته إنما هي عن محمد بن علي بن الحنفية وعن يوسف بن ماهك، فأما عن صحابي فلا.
فالحديث إذن مشكوك في اتصاله إذ لم يتمحض كونه عن أبي الزبير الذي يروي عن جابر، على أنه يدلس عنه، فاعلم ذلك.
(٥٧٦) وذكر من طريق مسلم عن ابن عباس، أن نبي الله ﷺ، كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم» الحديث
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وهو حديث يرويه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي العالية عن ابن عباس هكذا معنعنا.
ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال فيه: إن أبا العالية حدثهم عن ابن عباس.
وهذا ليس من المدلس تصريحا بأنه سمعه، ولا أنه حدث به، لاحتمال أن يكون يعني بقوله: إن أبا العالية حدثهم، إنه حدث الناس غيره، وهذا لم يكن لنا أن نتعسف به، لولا أن شعبة قد قال: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث.
(٥٧٧) [حديث] يونس بن متى.
(٥٧٨) وحديث عمر في الصلاة.
(٥٧٩) وحديث: «القضاة ثلاثة»
[ ٢ / ٥٦٤ ]
(٥٨٠) وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون، منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر.
هكذا ذكر أبو داود عن شعبة في باب الوضوء من النوم.
فأما الترمذي فإنه ذكر عن ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث عمر، وحديث القضاة
ذكر ذلك في باب النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح.
فعلى هذا، سماع قتادة من أبي العالية لهذا الحديث مشكوك فيه، فاعلم ذلك.
(٥٨١) وذكر من طريق مسلم، عن سهل ورافع بن خديج حديث القسامة، في قصة عبد الله بن سهل، المقتول بخيبر، وقد بين ليث في روايته، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أنه حسبان، وذلك أنه قال: قال يحيى: وحسبت وقال: وعن رافع بن خديج، فحصل بذلك شك
[ ٢ / ٥٦٥ ]
يحيى بن سعيد في ذكر رافع، فكل رواية لم يذكر فيها شكه في ذلك، يجب أن يقضى عليها بنقص ذكر الشك منها، لأن زيادة الحافظ مقبولة، وإن جاز أن تيقنه بعد التشكك، فإن تشككه بعد التيقن أيضا جائز كذلك.
وسهل بن أبي حثمة كان صغيرا، إنما يروي القصة عن رجال من كبراء قومه.
هذا على قول من قال فيه: عن مالك، عن سهل، عن رجال من كبراء قومه.
فأما على قول من قال عنه: [عن] سهل، ورجال من كبراء قومه، فهو مرسل.
واعلم أن بين أن يحدث المحدث بالحديث ثم ينكره - يكون الذي حدث به عنه ثقة - وبين أن يروى عنه الشك فيه، فرقا بينا، وذلك أنه إذا أنكره، يمكن أن يكون نسيه، فالثقة مقبول عليه، أما إذا روى عنه التشكك، فذلك قدح، لاحتمال أن يكون تشكك بعد ما رواه على غير ذلك التشكك.
فإن قيل: فلم قلت في حديث سهل مرسل، وهو صحابي معروف الصحبة، وقد قال أبو محمد بن أبي حاتم الرازي: إنه سمع أباه يسأل رجلا من ولده، فأخبره أنه كان دليل النبي ﷺ إلى أحد، وأنه شهدها وما بعدها، وأنه بعثه مخرصا، وأنه بقي إلى خلافة معاوية؟ قلنا: من ظن هذا فقد أخطأ، ولا يدري من هذا الرجل المخطئ الذي
[ ٢ / ٥٦٦ ]
أخبر أبا حاتم بهذا، فإن هذا إنما يعرف لأبيه أبي حثمة، هو الذي ذكره الناس بهذا.
قال أبو جعفر الطبري: «كان أبو حثمة كبيرا، وهو دليل النبي ﷺ إلى أحد، وشهد معه المشاهد بعد ذلك، وبعثه النبي ﷺ خارصا إلى خيبر، وضرب له بسهمه وسهم فرسه، وتوفي في خلافة معاوية».
وقال في ابنه سهل بن أبي حثمة: «كان يكنى أبا يحيى، وقيل: أبا محمد، قبض رسول الله ﷺ، وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه».
وكذا أيضا قال أبو علي بن السكن: «إنه إذ قبض النبي ﷺ ابن ثمان سنين»، وممن قاله الواقدي وغيره.
وإنما ولد سنة ثلاث من الهجرة، وقد روى عنه أبو هريرة أنه قال: لقد ضربني بكر من معقلة المقتول بخيبر، وأنا غلام، دنوت منه فركضني. ذكر ذلك أبو القاسم البغوي
وهذا بلا شك - على ما ذكر - إنما كان إذ ذاك غلاما وأين أحد من خيبر؟ فكيف يصح أن يقال فيه: إنه كان دليل النبي ﷺ إلى أحد، فاعلم ذلك
[ ٢ / ٥٦٧ ]