من الغريب أن إخراج هذا الكتاب قد تم بشكل غير معهود كثيرًا، فقد طبع منه بادئ ذي بدء الجزءان السابع والثامن، وهما اخر الكتاب عام ١٣٦٠ و١٣٦١ هـ، ويمثلان المجلد الرابع من المخطوط، فقد قال مصححه: ابتدأنا طبع هذا الكتاب من الجزء الرابع لأنا عثرنا علي هذا الجزء في الخزانة الآصفية، قبل تحصيل بقية الأجزاء من الكتاب، فقدمناه بالطبع من حيث الإفادة، ولو انتظرنا إلى تدوين بقية الأجزاء، لاشتاق أولو العلم والفضل في عصرنا إلى رؤية هذا الكتاب برهة من الزمان (^١). ثم صدر الجزءان الأول والثاني عام ١٣٦٢ هـ، فالثالث والرابع عام ١٣٦٤ هـ صدرت هذه الأجزاء بتصحيح الشيخ عبد الرحمن بن يحيي المعلمي، وساعده في ذلك جماعة من العلماء الندويين.
وبعد أربعة عشر عامًا أي في عام ١٣٧٨ هـ، صدر الجزءان الخامس والسادس، وذلك لعدم العثور علي "المجلد الثالث"، ثم عثر علي نسخة مكتبة "أحمد الثالث" فاعتمد عليها في نشر الجزئين المذكورين، وقد نقدم وصف هذه النسخة، وأنها الوحيدة التي عثر عليها كاملة، علي ما فيها من إعواز، وقد صرح الشيخ أبو الوفا، الأفغاني، وهو مصحح الجزئين بذلك حيث قال: ونسختنا هذه وأن كانت جيدة، ولكنها حاملة التصاحيف والتحاريف،
_________________
(١) انظر التاريخ الكبير (٧/ ٤٤١).
[ ١ / ١٠٦ ]
ولم يتيسر لنا نسخ أخرى، فإن بقيت فيها أشياء محتاجة إلى التصحيح فلا تعجب أيها الأخ الكريم، وأعلم أن الكتاب لم يقابل على نسخة سوى العكوس المرسلة، إلا ثماني عشرة ورقة من أول هذا المجلد أرسلها العلامة: الشيخ عبد الرحمن المعلمي -مصحح الدائرة السابق- من مكة المكرمة، ثم قال: فقوبل أول هذا الكتاب على تلك الأوراق وانتفعنا بها كثيرًا؛ ورمزها (ق) إلا أنا لم نقدر علي أن ننبه علي تقديم بعض الرواة وتأخيرها، وذلك كان في مقام واحد، لأجل تعجيل طبع الكتاب (^١).
وهناك ملاحظات علي هذين الجزئين:
أولًا: إختلاف منهج التصحيح، فالأجزاء، التي كانت من تصحيح الشيخ المعلمي أدق وأصح من هذين الجزئين.
ثانيًا: اعتمد مصحح الجزئين علي تهذيب التهذيب كثيرًا في تصويب بعض ما ورد في المخطوط، وكتاب التهذيب نفسه بحاجة إلى التصحيح.
ثالثًا: أقحم بعض النصوص في أصل المخطوط بدعوي التصحيح حيث أن النص ورد في الأصل مختصرًا ومعروف منهج البخاري في الاختصار (^٢).
رابعًا: نقل نصوصًا عن البخاري في الهامش، في موضع التراجم، ثم ادعى أنها سقطت من هذا الموضع من التاريخ الكبير، وهذا غير لازم، إذ للبخاري مصنفات أخرى أورد فيها أمورًا لم يوردها في التاريخ الكبير، ولم ينص المصدر الذي نقلت منه أنها من الكبير، فادعاء السقط -والحال ما ذكر- غير صحيح. هذا. . . ووقفت على استدراكات تقع في أربع صفحات، شاملة لجميع أجزاء الكتاب، كتبها الأستاذ / مطاع الطرابيشي (^٣) اعتمادًا
_________________
(١) انظر التاريخ الكبير آخر الجزء السادس.
(٢) انظر مثلا (٥/ ١٨ و٣١ و٢٢٩)، (٨/ ٩٣).
(٣) راجع مجلة "عالم الكتب" المجلد الرابع العدد الثالث ص (٣٦٨) بعنوان: اصلاح بعض الغلط في النسخة المطبوعة من التاريخ الكبير.
[ ١ / ١٠٧ ]
علي النسخة الخطية من تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، الذي روى فيه تراجم لأهل الشام من "التاريخ الكبير" للبخاري، عن شيخه أبي الغنائم: محمد بن علي ميمون النرسي (^١) أحد رواة التاريخ الكبير، والأخطاء التي استدركها يمكن ارجاعها إلى ما يلي: -
١ - إختلاف في النسخ الخطية للتاريخ.
٢ - اختصار في بعض النسخ وزيادة في أخري.
٣ - وهم من الناسخ في مخطوطته، وهو صواب في أخرى.
٤ - خطأ في المخطوطة، والتصويب من نسخة ابن عساكر -وهو قليل-.
٥ - خطأ مطبعي في النسخة وهو صواب في المخطوطات.
فغالب ما ذكر لا يُعد من قبيل الأخطاء المحضة، ومع ذلك فإن أي محاولة للتصويب، قائمة على أساس علمي، هي جهد مشكور -ولا شك- من قبل الباحثين.
أما بالنسبة للأجزاء الأخرى من الكتاب والتي قام بتصحيحها الشيخ المعلمي ﵀ ومساعدة جماعة من الندويين، فإنه على الرغم من الجهد المبذول في ذلك الوقت لإخراج الكتاب بأحسن صورة ممكنة إلا أنه بقيت ثمة موضوعات تحتاج إلى تحرير، فمن ذلك:
١ - إختلاف في النسخ الخطية التي اعتمد عليها في النشر، وقد أثبتت هذه الاختلافات في الهامش، غير أنه لم يرجح الصواب -غالبًا- إذ أن ذلك يحتاج إلى مراجعة شاملة ودقيقة للموضوع.
٢ - وجود سقط في بعض المواضع يحتاج إلى مراجعة للمخطوطات التي لم تدخل في اطار التحقيق.
٣ - أخطاء في المخطوطة.
_________________
(١) لمزيد من التفصيل، عن هذه الرواية انظر المبحث المتقدم.
[ ١ / ١٠٨ ]
٤ - أخطاء في المطبوعة، نبهت على كثير منها أثناء دراستي للأحاديث المرفوعة.
٥ - لم توضع أرقام مسلسلة، للتراجم الأصلية، من أول الكتاب إلى آخره - نظرًا لظروف الطبع - وإنما وضعت لكل جزئين علي حده.
والكتاب بإعتباره أحد المصادر الرئيسية في هذا الفن يحتاج إلى جهد كبير لإخراجه بصورة متقنة يعاد فيها تنظيم بدء الفقرات، ووضع الفواصل والنقط اللازمة، حسبما تقتضيه المعاني.
هذا إلى جانب ما يجب من توضيح النص، من تخريج الأحاديث، والتعليقات وإثبات الإختلافات، التعريف بالمبهمات الورادة فيه. وأري ضرورة تحقيق الكتاب، والتقيد بما ذكر، خاصة مع توفر نسخ جديدة لم تدخل في النشرة السابقة وهي النسخ الآتية:
١ - نسخة مكتبة (تشستربتي).
٢ - نسخة مكتبة (باريس).
٣ - نسخة مكتبة (أحمد الثالث).
٤ - نسخة مكتبة (الأزهر).
هذا .. ولا زلت أبذل جهدًا متواصلًا، للحصول علي باقي القطع التي أشرت إليها سابقًا، من مظانها، مع تلمس أخبار الكتاب في مكتبات العالم، وخاصة دول أوربا الشرقية، وبخاري، وسمرقند، إِذ أن هناك -في المرحلة الراهنة- أمل في الوقوف علي بعض المخطوطات الإسلامية.
* * *
[ ١ / ١٠٩ ]