٢٥٥٩ - حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ (صَلَاةَ الفَجْرِ) [يَوْمًا] فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ [فَاغْتَسَلَ] فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا».
[الحكم]: صحيحٌ بشواهدِهِ، وإسنادُهُ رجالُهُ ثقاتٌ. وصَحَّحَهُ: ابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والبَيْهَقيُّ، والنَّوَويُّ، والعِراقيُّ. وصَحَّحَهُ لشواهدِهِ: الألبانيُّ.
[الفوائد]:
في هذا الحديثِ أن النبيَّ ﷺ انصرفَ بعدما كبَّر، وفي حديثِ أبي هريرةَ السابقِ: «أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ»، قال ابنُ حَجَرٍ: "ويمكنُ الجمعُ بينهما بحمْل قولِهِ: «كَبَّرَ» على: «أرادَ أنْ يُكبِّرَ»، أو بأنهما واقعتان، أبداه عِيَاضٌ والقُرْطُبيُّ احتمالًا. وقال النَّوَويُّ: إنه الأظهرُ. وجزمَ به ابنُ حِبَّانَ كعادته. فإنْ ثبَتَ، وإلا فما في (الصحيح) أصحُّ" (الفتح ٢/ ١٢٢).
[التخريج]:
[د ٢٣٣ (والرواية له)، ٢٣٤/ حم ٢٠٤٢٠ (واللفظ له)، ٢٠٤٢٦، ٢٠٤٥٨/ خز ١٦٢٩/ حب ٢٢٣٤ (والزيادتان له) / أم ٣٢٩، ٣٢٩٣/
[ ٢١ / ٥٢ ]
هق ٥٢١٦، ٤١٢٥/ هقغ ٥٣٧، ٥٣٨/ هقع ٤٨٥٧، ٤٨٥٨/ مشكل ٦٢٣/ منذ ٢٠٤٠/ تمهيد (١/ ١٧٥، ١٧٧) / محلى (٤/ ٢١٥ - ٢١٦) / كر (٣٧/ ٣٩١) / مع (خيرة ١٢٤٠)].
[السند]:
قال أبو داودَ: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حَمَّادٌ عن زيادٍ الأَعْلَمِ، عن الحسن، عن أبي بَكْرةَ، به.
ومدارُه عندَ الجميعِ على حَمَّادِ بنِ سلَمةَ، عن زيادٍ الأَعْلَم، عنِ الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، رجالُ الصحيحِ، إلا أن في روايتَيْ (حَمَّاد بن سلمةَ عن زيادٍ الأعلم) و(الحسنِ عن أبي بَكرةَ) مقالًا لأَهلِ العلمِ.
فأمَّا روايةُ (حَمَّاد بن سلَمةَ عن زيادٍ الأعلم)؛ فقد قال يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ: "حَمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن زيادٍ الأعلمِ وقَيْسِ بنِ سعدٍ، ليس بذاك" (الجرح والتعديل ٣/ ١٤١)، و(الكامل ٢/ ٢٥٣).
ولذا قال ابنُ رَجبٍ: "وَضَعَّفَ يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ رواياتِ حَمَّادِ بنِ سلَمةَ عن قَيْسِ بنِ سعدٍ، ورواياتِهِ عن زيادٍ الأعلم" (شرح علل التِّرْمِذي ٢/ ٧٨٣).
وأمَّا روايةُ (الحسن عن أبي بَكْرة)؛ فقد اختلفوا في سماعِ الحسنِ البصريِّ من أبي بَكْرةَ، فَنَفَاهُ يحيى بنُ مَعِين كما في (تاريخه - رواية الدُّوري ٤/ ٣٢٢)، والدَّارَقُطْنيُّ كما في (سؤالات الحاكم له ١/ ٢٠٨).
وأثبته ابنُ المَدِيني كما في (العلل له ١/ ٥١)، وأقرَّهُ البخاريُّ في (الصحيح
[ ٢١ / ٥٣ ]
عَقِبَ ٢٧٠٤).
فعلى قول ابنِ مَعِينٍ والدَّارَقُطْنيِّ يكونُ الحديثُ منقطعًا.
وبهذا أعلَّه ابنُ رَجبٍ الحَنْبَليُّ، وابنُ التُّرْكُماني.
فقال ابنُ رَجَبٍ: "وحديثُ الحسنِ عن أبي بَكرةَ في معنى المرسَلِ؛ لأن الحسنَ لم يسمعْ من أبي بَكْرةَ عندَ الإمامِ أحمدَ والأكثرين منَ المتقدِّمينَ" (الفتح لابن رجب ٥/ ٤٣٢).
وقال ابنُ التُّرْكُماني: "وفي كتابِ (المتصلِ والمرسَلِ والمقطوعِ) للبَرْدِيجيِّ: الذي صحَّ للحسنِ سماعًا منَ الصحابةِ: أنس، وعبد الله بن مُغَفَّل، وعبد الرحمن بن سَمُرَة، وأحمر بن جَزْء؛ فدلَّ هذا على أن حديثَ الحسنِ عن أبي بَكْرةَ مرسَلٌ" (الجوهر النقي ٢/ ٣٩٧).
قلنا: ولكن قول ابن المَدِيني والبخاريِّ بسماعِ الحسنِ من أبي بَكْرةَ هو الصحيحُ؛ فقد ثبَتَ عنِ الحسنِ في غيرِ ما حديثٍ أنه قال: «أخبرني أبو بَكْرةَ»، أو: «سمِعتُ أبا بَكْرة»، ووردَ ذلك في حديثين عند البخاريِّ: الأول في الكسوف بإِثْر (١٠٤٨) معلَّقًا، والثاني في كتاب الصُّلْح (٢٧٠٤).
ولذا؛ فقد صَحَّحَ الحديثَ: ابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والبَيْهَقيُّ في (معرفة السنن والآثار ٤٨٥٩)، والنَّوَويُّ في (المجموع ٤/ ٢٦١)، والعِراقيُّ في (تخريج الإحياء ١/ ٢٠٦).
ولكن يبقى أمرٌ؛ وهو: أن الحسنَ مدلِّسٌ مشهورٌ بالتدليسِ، وقد عنعنَ في هذا الحديثِ، وكما أنه ثبَتَ سماعُه من أبي بَكْرةَ في أحاديثَ، فقد روَى عنه بواسطة في أحاديثَ أُخَرَ، ولا يُعلَمُ هل أخذَ هذا الحديثَ عنه بواسطة أم لا؟
[ ٢١ / ٥٤ ]
ولذا قال الألبانيُّ: "ولَمَّا كان حديثُهُ هنا قد رواه بالعنعنةِ؛ لم نستطعْ أن نحكمَ بصحةِ إسنادِهِ لذلك، وإن كان الحديثُ في نفسِهِ صحيحًا؛ لطرقِهِ وشواهدِهِ" (صحيح أبي داودَ ١/ ٤١٨/ ٢٢٧).
وسيأتي تفصيلُ الكلامِ على هذه الشواهدِ.
[ ٢١ / ٥٥ ]
٢٥٦٠ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ، [فَكَبَّرَ] وَكَبَّرْنَا مَعَهُ، فَأَشَارَ إِلَى القَوْمِ أَنْ كَمَا أَنتُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَانَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ قَدِ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً».
[الحكم]: صحيحٌ بشواهدِهِ، وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقات.
[التخريج]:
[طس ٣٩٤٧ (واللفظ له) / مشكل ٦٢٤ (والزيادة له ولغيره) / قط ١٣٦٢/ هق ٤١٢٩].
[السند]:
قال الطَّبَرانيُّ: حدثنا عليُّ بنُ سعيدٍ الرازيُّ، قال: نا عُبَيدِ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: حدثني أَبي، قال: نا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، به.
والحديث مدارُه عندهم على عُبَيدِ اللهِ بنِ مُعَاذٍ، به.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن قَتادةَ إلا سعيدٌ، ولا عن سعيدٍ إلا معاذٌ، تفرَّدَ به عُبَيدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقات رجالُ الشيخينِ، ولذا قال الهَيْثَميُّ: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط)، ورجالُهُ رجالُ الصحيحِ" (المجمع ٢٣٥١).
ولكنَّ هذا الإسنادَ مع ثقةِ رجالِهِ فيه إشكالان:
الإشكالُ الأولُ: أن سعيدَ بنَ أبي عَرُوبةَ وإن كان ثقةً من رجال الشيخين، فإنه اختلطَ بأَخَرَةٍ، ولا يُحتجُّ من حديثِهِ إلا بما رواه القدماءُ ممن روَى عنه
[ ٢١ / ٥٦ ]
قبل اختلاطه، ومعاذُ بنُ مُعَاذٍ العَنْبَريُّ -والدُ عُبَيد اللهِ- لا يُدرَى أَسمِعَ من سعيدٍ قبل الاختلاطِ أم بعدَه؟ فيجبُ التوقُّفُ في حديثه عنه.
الإشكالُ الثاني: أن عبدَ الوهابِ الخَفَّافَ خالفَ معاذًا، فرواه -كما في (سنن الدارقطني ١٣٦٣) - عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن بكرٍ، مُرْسَلًا.
وقد أشارَ إلى ذلك الدَّارَقُطْنيُّ، بقوله -بعد أن رواه من طريقِ معاذٍ موصولًا-: "خالفه -يعني: معاذًا- عبدُ الوهابِ الخَفَّافُ". وبنحوه البيهقيُّ في (الكبرى ٤١٢٩).
وبهذا يكونُ قدِ اختَلف معاذُ بنُ معاذٍ العَنْبَريُّ وعبدُ الوهابِ الخَفَّافُ في روايةِ هذا الحديثِ عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، فوصله معاذٌ وأسنده عن أنسٍ، وأرسله عبدُ الوهاب عن بكر بن عبد الله المُزَني.
وعبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ من قُدماءِ أصحابِ سعيدٍ، إلا أنه سمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ وبعده، ولم يميِّزْه؛ فقد ذكرَ ابنُ رَجبٍ عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه قال: قلتُ لعبدِ الوهابِ: سمِعتَ من سعيدٍ في الاختلاطِ؟ قال: سمِعتُ منه في الاختلاطِ وغيرِ الاختلاطِ، فليس أُميِّزُ بَيْنَ هذا وهذا" (شرح علل الترمذى ٢/ ٧٤٧).
وقد أشارَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص الحبير ٥٧١) إلى هذا الاختلافِ، ولم يرجِّحْ.
ولكن الألباني رجَّحَ روايةَ معاذٍ العَنْبَريِّ على روايةِ عبدِ الوهابِ، وقال: "هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخين"!، ثم ذكرَ روايةَ عبدِ الوهابِ المرسَلةَ، وقال: "عبدُ الوهابِ تُكُلِّمَ فيه مِن قِبَل حفْظِه؛ فإنْ كان حفِظَ هذا فهو إسنادٌ آخَرُ لقَتادةَ مرسَلٌ؛ وإلا فروايةُ معاذٍ والدِ عُبَيد الله أصحُّ؛ لأنه ثقةٌ
[ ٢١ / ٥٧ ]
حُجَّةٌ اتفاقًا " (صحيح أبي داودَ ١/ ٤١٩ - ٤٢٠).
وعلى كُلٍّ؛ فالحديثُ صحيحٌ بشواهدِهِ المذكورةِ في البابِ، وقد سبقَ منها حديثُ أبي بَكْرةَ الثَقَفيِّ.
[ ٢١ / ٥٨ ]
٢٥٦١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ (صَلَاةِ الصُّبْحِ) وَكَبَّرَ، ثُمَّ [انْصَرَفَ وَ] أَشَارَ إِلَيْهِمْ [أَيْ: كَمَا أَنْتُمْ]، فَمَكَثُوا، ثُمَّ انْطَلَقَ فَاغْتَسَلَ، [ثُمَّ جَاءَ] وَكَانَ رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ جُنُبًا، وَإِنِّي نَسِيتُ [أَنْ أَغْتَسِلَ] حَتَّى قُمْتُ فِي الصَّلَاةِ».
[الحكم]: المحفوظُ من حديثِ أبي هريرةَ -كما تقدَّمَ- أنه ﷺ انصرفَ قبلَ أن يُكَبِّرَ، وأمَّا روايةُ «أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ انْصَرَفَ» هذه فلا تَثْبُتُ من حديثِ أبي هريرةَ، ولها شواهدُ من حديثِ أبي بَكْرةَ وغيرِه -كما سيأتي-، فإمَّا أن يُحمَلَ ذلك على التعددِ، وإلا فما في الصحيحينِ أصحُّ وأقوَى، والله أعلم.
[التخريج]:
[جه ١١٩٢ (واللفظ له) / حم ٩٧٨٦ (والزيادات له ولغيره) / طس ٥٤٢٠ (والرواية له ولغيره) / ].
سبق تخريجُه وتحقيقُه في البابِ السابقِ.
[ ٢١ / ٥٩ ]
٢٥٦٢ - حَدِيثُ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُصَلِّي إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي [قُمْتُ بِكُمْ، ثُمَّ] ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ [وَ] لَمْ أَغْتَسِلْ، [فَانْصَرَفْتُ، وَاغْتَسَلْتُ]، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِي بَطْنِهِ رِزًّا أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ أَوْ غُسْلِهِ (فَلْيَغْتَسِلْ أَوْ يَتَوَضَّأْ) ثُمَّ يَعُودُ إِلَى صَلَاتِهِ».
[الحكم]: صحيحٌ بشواهدِهِ دونَ قولِهِ: «فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِي بَطْنِهِ رِزًّا » إلخ، فضعيفٌ بهذا التمامِ. وضَعَّفَهُ: أبو حاتمٍ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
[اللغة]:
«الرِّزّ» في الأصْل: الصوتُ الخفي، ويريدُ به: القَرْقَرةَ. وقيل: هو غَمْزُ الحَدَثِ وحركتُه للخروجِ. (النهاية لابن الأَثِير ٢/ ٢١٩).
[التخريج]:
[حم ٦٦٨ (واللفظ له)، ٦٦٩، ٧٧٧/ بز ٨٩٠ (والزيادات والرواية له) / طس ٦٣٩٠].
[السند]:
رواه أحمدُ (٦٦٨)، قال: حدثنا حسن بن موسى، ثنا ابنُ لَهِيعةَ، ثنا الحارثُ بنُ يزيدَ، عن عبد الله بن زُرَيْر الغافِقي، عن عليٍّ، به.
ومدارُه عندهم على عبدِ اللهِ بنِ لَهِيعةَ، واختُلِف عليه فيه كما سيأتي.
[ ٢١ / ٦٠ ]
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ابنُ لَهِيعةَ؛ وهو ضعيفٌ كما سبقَ مرارًا، وباقي رجالِهِ ثقاتٌ.
وهذا الحديثُ بهذا التمامِ قدِ انفردَ به ابنُ لَهِيعةَ مرفوعًا.
قال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن عليٍّ إلا بهذا الإسنادِ. تفرَّدَ به ابنُ لَهِيعةَ".
وقال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نحفظُه يُروَى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجهِ بهذا الإسنادِ".
ومع ضعْفِ ابنِ لَهِيعة، قد اختُلِف عليه في سندِهِ:
فرواه أحمدُ (٧٧٧) عن أبي سعيدٍ مولى بني هاشم، عنِ ابنِ لَهِيعةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ هُبَيرةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ زُرَير، به.
فجعله عنِ "ابنِ هُبَيرةَ" بدلًا منَ "الحارثِ"، وقد جمعَ بينهما في روايةٍ أُخرى.
فرواه البَزَّارُ من طريقِ أبي الأسودِ النَّضْرِ بنِ عبدِ الجبارِ،
ورواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط) من طريقِ عَمرِو بنِ خالدٍ الحَرَّانيِّ،
كلاهما: عنِ ابنِ لَهِيعةَ، عنِ الحارثِ وابنِ هُبَيرةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ زُرَير، به.
واعتبرَ أبو حاتم الرازيُّ هذا الاختلافَ اضطرابًا منِ ابنِ لَهِيعةَ، وقال: "أنا أرضَى أن يكون هذا من كلامِ عليٍّ موقوفًا، وابنُ لَهِيعةَ قد خلَّطَ في حديثِهِ، فأمَّا في هذا الحديثِ فقال مرَّة: حدثنا عبد الله بن هُبَيرةَ، عن
[ ٢١ / ٦١ ]
عبد الله بن زُرَير وقال مرَّة: حدثنا الحارث بن يزيدَ، عن عبد الله بن زُرَير" (علل الحديث ٥٩).
وقال الهَيْثَميُّ: "ومدارُ طرقِه على ابنِ لَهِيعةَ، وفيه كلامٌ" (مجمع الزوائد ٢٣٤٩).
وبه أعلَّه ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٤/ ٤٣٧). وكذا ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص الحبير ٢/ ٧١).
قلنا: ولكن أول الحديثِ في قصةِ انصرافِ النبيِّ ﷺ منَ الصلاةِ وَهُمْ قيامٌ، له شواهدُ يصحُّ بها، وهي مذكورةٌ في البابِ، ولذا قال الألبانيُّ: "ابنُ لَهِيعةَ سيئُ الحفظِ، إلا أنه صحيحُ الحديثِ فيما وافقَ فيه غيرَهُ، وقد زادَ في هذه القصةِ: «فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِي بَطْنِهِ رِزًّا إلخ»، ولم نجدْها في شيءٍ من طرقِ الحديثِ؛ فهي ضعيفةٌ، وأمَّا أصْلُ الحديثِ فصحيحٌ" (صحيح أبي داود ١/ ٤٢١).
قلنا: وهذه اللفظةُ رُوِيتْ موقوفةً على عليٍّ ﵁، كما عندَ عبدِ الرزاقِ (المصنَّف ٣٦٤٨، ٣٦٤٩)، وابنِ أبي شَيْبةَ (المصنف ٥٩٥٥)، والدَّارَقُطْنيِّ (السنن ٥٧٥)، وغيرِهم؛ فلعلَّ الأمرَ كما أشارَ أبو حاتم في كلامِهِ السابق.
أما العلامةُ أحمد شاكر فصحَّحَ الحديثَ في (تعليقه على المسنَدِ)؛ مشيًا على قاعدته في توثيقِ ابنِ لَهِيعةَ مطلقًا! .
[ ٢١ / ٦٢ ]
٢٥٦٣ - حَدِيثُ عَطَاءٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَبَّرَ في صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ [الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ، فَـ] أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ «أَنِ امْكُثُوا»، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ المَاءِ [فَصَلَّى]».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بشواهدِهِ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ.
[التخريج]:
[طا ١٢١ (واللفظ له) / جع ٤٣١ (والزيادتان له) / شف ٣٢٣/ أم ٣٢٦، ٣٦٠، ٣٢٩١/ هق ٤١٢٢/ هقع ٤٨٤٨/ بغ ٨٥٤].
[السند]:
أخرجه مالك: عن إسماعيل بن أبي حَكيم، أن عطاء بنَ يَسارٍ أخبره، به.
ورواه الشافعيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ في الكتابين- عن مالكٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غيرَ أنه مرسَلٌ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ ثقةٌ من كبارِ التابعينَ وعلمائِهِم، فمرسَلُهُ يتقوَّى بالشواهِدِ. وأشارَ لذلكَ ابنُ حَجَرٍ في (الفتح ٢/ ١٢٢).
قال ابنُ عبدِ البرِّ: "هذا حديثٌ منقطعٌ، وقد رُوي متصلًا مُسنَدًا من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، وحديثِ أبي بَكْرةَ ﵁" (التمهيد ١/ ١٧٤).
قلنا: أمَّا حديثُ أبي بَكْرةَ: فيشهدُ له، وبه يعتَضِد مرسَلُ عطاءٍ.
وأمَّا حديثُ أبي هريرةَ: فلا؛ لأنه ينافيه؛ إذ إن الأصوبَ في حديثه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ»، وروايةُ أُسامةَ التي فيها «أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ انْصَرَفَ»
[ ٢١ / ٦٣ ]
لا تصحُّ، كما سبقَ بيانُهُ، ولكن ابن عبدِ البرِّ يرى أن روايةَ أبي هريرةَ محتملةٌ، وأن روايةَ أُسامةَ بنِ زيدٍ ومرسَلَ عطاءٍ يفسِّران هذا الاحتمال، وقد سبقَ ذِكرُ كلامِهِ والإجابةُ عنه.
[ ٢١ / ٦٤ ]
٢٥٦٤ - حَدِيثُ ابنِ سِيرِينَ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ ابنِ سِيرِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، وَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بشواهدِهِ، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ.
[التخريج]:
[أم ٣٢٨، ٣٢٩٤ (واللفظ له) / مع (خيرة ١٢٤١) / هقع ٤٨٥٢، ٤٨٥٤].
[السند]:
رواه الشافعيُّ في (الأم ٣٢٩٤) -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: أخبرنا ابنُ عُلَيَّة، عنِ ابنِ عَوْن، عنِ ابنِ سِيرينَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه. يعني: نحوَ حديثِ عطاءِ بنِ يَسَارٍ.
ورواه ابنُ مَنِيعٍ: عن يزيدَ بنِ هارونَ، عنِ ابنِ عَوْنٍ وهشامٍ، عنِ ابنِ سِيرينَ، به.
[التحقيق]:
هذا مرسَلٌ رجالُهُ ثقاتٌ، رجالُ الصحيحِ، ويشهدُ له ما سبقَ من شواهدَ.
[ ٢١ / ٦٥ ]
٢٥٦٥ - حَدِيثُ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ، فَانْصَرَفَ، فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ؛ أَيْ: كَمَا أَنْتُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بشواهدِهِ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ.
[التخريج]: [قط ١٣٦٣].
[السند]:
قال الدَّارَقُطْنيُّ: حدثنا عثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقَّاقُ، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، به، مرسَلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ؛ فبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ ثقةٌ ثبْتٌ من الوُسْطى من التابعين، وبقيةُ رجالِهِ ثقاتٌ.
ولهذا المتنُ شواهدُ يصحُّ بها، وقد تقدَّمَ ذكرُها.
[ ٢١ / ٦٦ ]