" من لا يدع الله يغضب عليه ".
أخرجه الحاكم (١ / ٤٩١) وصححه ووافقه الذهبي.
قلت: وهو حديث حسن، وتجد بسط الكلام في تخريجه وتأكيد تحسينه والرد على من زعم من إخواننا أنني صححته وغير ذلك من الفوائد في " السلسلة الأخرى " (رقم ٢٦٥٤) .
وقالت عائشة ﵂: " سلوا الله كل شيء حتى الشسع، فإن الله ﷿، إن لم ييسره لم يتيسر ".
أخرجه ابن السني (رقم ٣٤٩) بسند حسن، وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي (٤ / ٢٩٢) وغيره وضعفه وهو مخرج فيما سيأتي برقم (١٣٦٢) .
وبالجملة فهذا الكلام المعزو لإبراهيم ﵊ لا يصدر من مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإسلام فكيف يصدر ممن سمانا المسلمين؟ !
ثم وجدت الحديث قد أورده ابن عراق في " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " وقال (١ / ٢٥٠): قال ابن تيمية موضوع.
٢٢ - " توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم ".
لا أصل له.
وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة ". ومما لا شك فيه أن جاهه ﷺ ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: ﴿وكان عند الله وجيها﴾، ومن المعلوم أن نبينا محمدا ﷺ أفضل من
[ ١ / ٧٦ ]
موسى، فهو بلا شك أو جه منه عند ربه ﷾، ولكن هذا شيء والتوسل بجاهه ﷺ شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل بعضهم، إذ أن التوسل بجاهه ﷺ
يقصد به من يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمر لا يمكن معرفته بالعقل إذ أنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها فلابد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به ﷺ تنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعى مثل توسلهم به ﷺ في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به ﷺ فإنه توسل بدعائه ﷺ لا بجاهه ولا بذاته ﷺ، ولما كان التوسل بدعائه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به ﷺ بعد وفاته غير ممكن وغير جائز.
ومما يدلك على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر توسلوا بعمه ﷺ العباس، ولم يتوسلوا به ﷺ، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه ﷺ ولذلك توسلوا بعده ﷺ بدعاء عمه لأنه ممكن ومشروع، وكذلك لم ينقل أن أحدا من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: (اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة) .
وإنما السر الأكبر في دعائه ﷺ له كما يقتضيه وعده ﷺ إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه " اللهم فشفعه في " أي اقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في " وشفعني فيه " أي اقبل شفاعتي أي دعائي في قبول دعائه ﷺ في، فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقاريء الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذه أنكره الإمام أبو حنيفة فقال: أكره أن يسأل الله إلا بالله، كما في " الدر المختار " وغيره من كتب الحنفية.
[ ١ / ٧٧ ]
وأما قول الكوثري في مقالاته (ص ٣٨١): وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أو ائل " تاريخ الخطيب " بسند صحيح فمن مبالغاته بل مغالطاته فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب (١ / ١٢٣) من
طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إنى لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرا - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى.
فهذه رواية ضعيفة بل باطلة فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو عمرو - بفتح العين - بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسى وقد ترجمه الخطيب (١٢ / ٢٢٦) وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجا سنة (٣٤١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧) على أكثر الأقوال، فبين وفاتيهما نحومائة سنة فيبعد أن يكون قد أدركه.
وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل وقد ذكر شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم " معنى هذه الرواية ثم أثبت بطلانها فقال (ص ١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور
[ ١ / ٧٨ ]