قال المملي ﵁:
قوله (مسألة يجب العمل بالإِجماع بنقل الواحد) إلى أن قال (نحن نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ).
قلت: هذا حديث اشتهر بين الأصوليين والفقهاء وتكملته "واللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرائِرَ" ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة. وقد سئل المزي عنه فلم يعرفه. والذهبي قال: لا أصل له (١). قال ابن كثير: يؤخذ معناه من حديث أم سلمة في الصحيحين.
قلت: رأيت في الأم للشافعي بعد أن أخرج حديث أم سلمة ﵂، فأخبر -ﷺ- أنه إنما يحكم بالظاهر وأن أمر السرائر إلى اللَّه، فأظن بعض من رأى كلامه ظن أن هذا حديث آخر، وإنما هو كلام الشافعي استنبطه من الحديث الآخر. ونقل عن مغلطاي أنه رأى له في كتاب يسمى إدارة الأحكام لإِسماعيل بن علي الجنزوي في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختصما في الأرض قال: فقال أحدهما: قضيت له بحقي، فقال النبي -ﷺ-: "إِنَّما أَحْكُمُ بالظَّاهِرِ واللَّهُ يَتَولَّى السَّرائِرَ" ولم أقف على هذا الكتاب، ولا أدري هل ساق له إسماعيل المذكور إسنادًا أم لا؟.
والحديث المشار إليه أولا:
أخبرني أبو المعالي الأزهري أنا أبو العباس الحلبي أنا أبو الفرج الحراني أنا أبو محمد الحربي أنا أبو القاسم الشيباني أنا أبو علي التميمي أنا أبو بكر المالكي ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا أبو معاوية ووكيع فرقهما (ح).
_________________
(١) انظر المعتبر (ص ٩٩ - ١٠٠) للزركشي بتحقيقنا.
[ ١ / ١٨١ ]
وأنا أبو عبد اللَّه بن قوام أنا أبو الحسن بن هلال أنا أبو إسحاق بن مضر أنا أبو الحسن الطوسي أنا أبو محمد السندي أنا أبو عثمان البحيري أنا أبو علي السرخسي أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب الزهري أنا مالك واللفظ له ثلاثتهم عن عبد اللَّه بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصمِوُنَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بُحَّجتهِ مِنْ بَعْضِ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضيْتُ لَهُ بِشَيْء مِنْ حَقِّ أَخِيه فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" (١).
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري من رواية مالك. ومسلم من رواية أبي معاوية ووكيع (٢)، فوقع لنا بدلا وعاليا بالنسبة لرواية مسلم. وأخرجاه من أخرى عن هشام. ومن طرق أخرى عن الزهري عن عروة (٣).
وبهذا الإِسناد إلى الإِمام أحمد ثنا وكيع (ح).
وقرأت على فاطمة بنت المنجا عن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم أنا جعفر بن علي أنا السلفي أنا أحمد بن الحسن بن أيوب ومحمد بن أحمد الثقفي قالا: أنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا يعقوب بن حميد ثنا عبد اللَّه بن موسى واللفظ له قالا ثنا أسامة بن زيد هو الليثي عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: جاء رجلان عن الأنصار إلى النبي -ﷺ- يختصمان في مواريث لهما قد درست فقال النبي -ﷺ-: "إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلى، وإنما أقضي برأيي فيما لم ينزل علي فيه، فمن قضيت له بشيء
_________________
(١) رواه مالك (٢/ ١٠٦ - ١٠٧) وأحمد (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١ و٣٠٧ و٣٢٠).
(٢) رواه البخاري (٢٦٨٠) ومسلم (١٧١٣).
(٣) رواه البخاري (٢٤٥٨ و٦٩٦٧ و٧١٦٩ و٧١٨١ و٧١٨٥) ومسلم (١٧١٣) والنسائي (٨/ ٢٣٣ و٢٤٧) وأبو داود (٣٥٨٣) وابن ماجه (٢٣١٧) والترمذي (١٣٣٩) وأحمد (٦/ ٢٠٣ و٢٠٨).
[ ١ / ١٨٢ ]
من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة على عنقه" قالت فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي له يارسول اللَّه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أما إذ فعلتما فاذهبا فتوضيا ثم اقتسما واستهما وليحلل كل منكما صاحبه" (١).
هذا حديث حسن من هذا الوجه، أخرجه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن المبارك وغيره عن أسامة بن زيد (٢)، وهو مدني صدوق في حفظه شيء، وقد أخرج له مسلم استشهادا، وبقية رواته من رواة الصحيح.
وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه أحمد وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه نحو حديث أم سلمة، لكن باختصار (٣) واللَّه أعلم.
آخر المجلس الخامس والتسعين بعد المائة من الأمالي وهو الخامس والأربعون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٣٢٠).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٨٤ و٣٥٨٥).
(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٣٢) وابن ماجه (٢٣١٨) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٨٣ ]