أما وقد حددنا زمن تأليف أبي شامة للمذيل نتبين أنه مر بمرحلتين في تأليفه: المرحلة الأولى: وهي التي ابتدأها أبو شامة من سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إلى آخر الكتاب، وكان فيها شاهد عيان لكثير من وقائعها.
والمرحلة الثانية: وهي التي استدرك فيها ما فاته تدوينه، ابتداء من سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) وهي السنة التي أعقبت وفاة صلاح الدين، إلى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) مع ما أضافه إلى ما كتبه سابقًا من سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إلى سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) وقد اعتمد في بعض أخبار هذه المرحلة على من سبقه من المؤرخين.
فكانت المرحلة الثانية هي جزؤه الأول من الكتاب، أما المرحلة الأولى والتي تبدأ من سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) إلى آخر الكتاب، فهي جزؤه الثاني (^١).
فما هي موارده في التأريخ لتلك المرحلتين؟
* * *
سأبدأ بالجزء الأول، الذي يضم المرحلة الثانية من تأليفه (^٢)، ولن أقف فيه
_________________
(١) انظر «المذيل»: ١/ ١٤ من مقدمتي لتحقيقه.
(٢) ألحق أبو شامة السنوات (٦٢٠ - ٦٢٤ هـ) التي توسع في أخبارها في المرحلة الثانية إلى الجزء الأول.
[ ٤١٣ ]
على ما نقله عن سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»، فقد صرح بالنقل عنه في أكثر المواضع، ويمكن الاهتداء إلى نقوله التي لم يصرح بها بما علقته عليها أثناء تحقيقي لكتابه، ولا تثريب على أبي شامة فيما نقل عنه، فأكثر حوادث تلك السنين لم يكن قد شهدها، ما شهده منها، فإنه لم يكن بذلك الوعي التاريخي الذي يمكنه من الكتابة عنها.
بيد أن ما يهمني حقًا هو أن أقف على من نقل عنه أبو شامة غير سبط ابن الجوزي، ثم أقف من بعد على ما انفرد بكتابته عن هذه المرحلة، لأتبين إلى أي مدى كان تاريخه هذا مفارقًا لتاريخ «مرآة الزمان».
وأول من يطالعك بالنقل عنه إلى جانب سبط ابن الجوزي هو عز الدين محمد بن تاج الأمناء أحمد بن محمد ابن عساكر، المتوفى سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) وكان له عناية بعلم التاريخ (^١)، وقد ترك فيه تعاليق في جريدة، جمع فيها الغث والسمين (^٢)، ووقف أبو شامة على تعاليقه هذه بخطه (^٣)، ونقل عنه في المواضع الآتية من هذا الجزء الأول:
٨٧، ٩٦ - ٩٧، ١١٦ - ١١٧، ١٢٦، ١٦٢ - ١٦٣، ١٦٧، ١٧٠، ١٧٣،
١٧٤،٣١٢، ٢٢٧، ٢٢٦، ٢٢٤، ١٩٦، ٩١
وثاني من نقل عنه، وكان يكتفي أحيانًا بالإحالة عليه هو أبو العرب إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي، المتوفى سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م) فقد ألف معجمًا في شيوخه، سمي «معجم القوصي»، طالعه أبو شامة، ورأى فيه أغاليط كثيرة، وتصحيف أسماء وتبديلها (^٤)، وقد نقل عنه في المواطن التالية: ٣١٨، ٩٤ - ٩٥
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٧٠.
(٢) «تاريخ الإسلام للذهبي»: ١٤/ ٤٦٧، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت ٢٠٠٣ م.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٧٠.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٠٥.
[ ٤١٤ ]
ثم نقل عن تاريخ إربل لابن المستوفي: ١٦٨ - ١٦٩، ١٨٢. وعن الدبيئي في تاريخه: ٢١٢.
وعن العماد الكاتب في «خريدة القصر»: ١٣٤.
واطلع على ديوان أبي اليمن الكندي بخطه، وفهرست كتبه: ٢٧٥.
ونقل عن عمه أبي القاسم من تعليقاته: ١٩٧.
وعن محمد بن أحمد النسوي في «سيرة جلال الدين منكبرتي»: ٢٨٢.
* * *
أما نقله مشافهة عمن عاصر تلك السنين، فهم:
١ - شيخه علم الدين السخاوي: ١٦٠، ١٢١، ٢٧١ - ٢٧٣، ٣٤٤.
٢ - الشيخ عماد الدين ابن الحرستاني: ١١٩ - ١٢٠، ١٢٣، ٢٩٥ - ٢٩٦.
٣ - والده إسماعيل: ٢٤٢.
٤ - ضياء الدين بن أبي الحجاج: ٢٧٠.
٥ - صاحبه جمال الدين أحمد بن عبد الله بن شعيب: ٢٧٦.
٦ - عن بعض الحجاج: ٣٣٢.
٧ - عمن لم يسمه: ١٩٦.
* * *
أما ما انفرد به أبو شامة في هذا الجزء، فهو في المواضع التالية:
، ١٩٣، ١٩٢، ١٨٣، ١٧٤ - ١٧٥، ١٦٠ - ١٦١، ١٥٧ - ١٥٨، ١٢٣، ١٣٦ - ١٥٣، ٢٩١ - ٢٩٠، ٢٧٥، ٢٥٨، ٢٤٩، ٢٤٨، ٢٤٠، ٢٢٦، ٢٢٥، ٢٢٢ - ٢٢٣، ١٩٤، ٣٢٠، ٣١٩، ٣١٧ - ٣١٨، ٣١١، ٣٠٧، ٣٠٤ - ٣٠٥، ٢٩٩، ٢٩١ - ٢٩٤، ٣٥٣، ٣٥٢، ٣٥١، ٣٤٩، ٣٤٨ - ٣٤٧، ٣٢٧، ٣٢٥ - ٣٢٦، ٣٢٤، ٣٢١ - ٣٢٢، ٣٧٢، ٣٧٠، ٣٦٩، ٣٦٨ - ٣٦٧، ٣٦٠ - ٣٦٧، ٣٦٠، ٣٥٩، ٣٥٥، ٣٥٤
[ ٤١٥ ]
٣٧٤ - ٣٧٦، ٣٧٦ - ٣٧٨، ٣٨٠ - ٣٨٣، ٣٨٤، ٣٨٧ - ٣٨٨، ٣٨٩ - ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٦ - ٣٩٧، ٣٩٧ - ٣٩٩
وفي هذه المواضع معلومات هامة، سأشير إلى بعضها:
١ - ترجمته لنفسه: ١٣٦ - ١٥٣.
٢ - وصف مجالس وعظ سبط ابن الجوزي في جامع دمشق: ١٦٠ - ١٦١.
٣ - ترجمة عيسى بن يوسف الغرافي: ١٧٤ - ١٧٥.
٤ - ترجمة جمال الدين إقبال الخادم: ١٨٣.
٥ - خبر دخول فرنجي أسير إلى جامع دمشق، وقتله لبعض المصلين: ١٩٤.
٦ - موقع قبر أبي عمر المقدسي: ٢٢٢ - ٢٢٣.
٧ - عمارة المصلى بظاهر دمشق: ٢٢٥ - ٢٢٦.
٨ - تجديد أبواب جامع دمشق الغربية: ٢٢٦.
٩ - إحداث العادل تركيب سلاسل على أفواه السكك المجاورة لجامع دمشق: ٢٤٠
١٠ - ترجمة الفقيه مودود بن الشاغوري: ٢٥٨.
١١ - بعض ما ورد في ترجمة العماد المقدسي: ٢٩٠ - ٢٩١.
١٢ - معظم ما ورد في ترجمة أبي القاسم ابن الحرستاني: ٢٩١ - ٢٩٤.
١٣ - وصف برج السلسلة في دمياط: ٢٩٩.
١٤ - بعض ما جاء في ترجمة العادل: ٣٠٤ - ٣٠٥.
١٥ - بعض ما جاء في ترجمة الطاهر بن محيي الدين بن الزكي: ٣١٧ - ٣١٨، ٣١٩.
١٦ - ترجمة ابن نسيم كاتب طباق السماع من الحافظ ابن عساكر: ٣٢٦.
١٧ - وصف الدرس الأول في المدرسة العادلية الكبرى بعد افتتاحها: ٣٥١ - ٣٥٢.
[ ٤١٦ ]
١٨ - ترجمة فخر الدين ابن عساكر، وقد أطال النفس فيها.
ولم ينقل منها عن سبط ابن الجوزي سوى سبعة أسطر: ٣٦٠ - ٣٦٧.
١٩ بعض ما جاء في ترجمة الموفق ابن قدامة: ٣٦٧ - ٣٦٨، ٣٦٩ - ٣٧٠، ٣٧٢
٢٠ - مشاهداته في حجتيه: ٣٧٤ - ٣٧٦، ٣٧٨، ٣٨٠.
٢١ - ترجمة جمال الدين المصري: ٣٨٧ - ٣٨٨.
٢٢ - ترجمة تقي الدين خزعل: ٣٨٩ - ٣٩٠.
٢٣ - ترجمة زكي الدين بن رواحة: ٣٩١.
٢٤ - سفره إلى بيت المقدس بصحبة العز بن عبد السلام: ٣٩٦ - ٣٩٧.
٢٥ - ترجمة الملك المعظم عيسى بن العادل: ٣٩٧، ٣٩٩
* * *
أما الجزء الثاني، وهو يضم المرحلة الأولى من تأليفه التي تبدأ من سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) إلى سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) فقد انفرد فيه بتأريخ ما جرى في زمانه مما عاينه، أو بلغه مما استثبته (^١)، ولم يحل فيه إلا في بعض المواضع على «معجم القوصي»، وهي: ٦، ٢٢، ٢٤، ٣٦، ٥٤.
ويضم هذا الجزء وثائق هامة اطلع عليها أبو شامة، وأثبتها في كتابه، وهي:
١ - الكتب التي وردت إلى دمشق من المدينة المنورة، في شأن النار التي خرجت في خامس جمادى الآخرة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م): ١٠٨ - ١١٤.
٢ كتاب من بعض من سلم من أهل بغداد بعد استيلاء التتار عليها: ١٢٥.
٣ - فرمان هولاكو في أمان أهل دمشق وما حولها: ١٣٩.
٤ - منشور هولاكو للقاضي كمال الدين التفليسي بتفويض القضاء إليه: ١٤٠.
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢٣.
[ ٤١٧ ]
٥ - فرمان هولاكو بتولية محيي الدين ابن الزكي القضاء: ١٤٤.
٦ - كتاب بيعة الظاهر بيبرس للخليفة أبي القاسم العباسي: ١٦٢ - ١٦٣.
٧ - تقليد الظاهر بيبرس ابن خلكان قضاء بلاد الشام: ١٦٧.
٨ - كتاب يتضمن انتصار المسلمين على النصارى في الأندلس: ٢٠٨.
٩ - عهود السلطان الظاهر بيبرس لثلاثة من القضاة: ٢١٤.
١٠ - كتاب الظاهر بإلزام القاضيين الحنبلي والمالكي بتولي القضاء: ٢١٥.
١١ - كتاب بعض أولاد الملوك يخبر فيه باستيلاء المسلمين على أسرى من الفرنج ناحية حصن الأكراد وأعمال طرابلس: ٢١٧.
١٢ - كتاب يتضمن استيلاء عسكر الظاهر بيبرس على بلاد الأرمن سيس وما يجاورها، وأسر ملكها: ٢١٩.
* * *
من هذا الاستعراض لموارد «المذيّل» نتبين أصالة أبي شامة فيما أورده من أخبار ووقائع، ونتبين كذلك مدى الجور الذي طغى على قلم د. مصطفى جواد في حديثه عن «المذيل»، حين قال فيه: «طالعت هذا المذيل، وأكثر حوادثه مأخوذة من «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي، كما يعلمه القائم على طبعه، وكل قارئ لمرآة الزمان» (^١).
وهذا الحكم لا يسلم له فيه حتى في الجزء الأول، إذ إن كثيرًا من أخباره قد نقلها أبو شامة عن غير سبط ابن الجوزي كما بينت، إضافة لما كتبه هو من إنشائه.
أما في الجزء الثاني، فإن أبا شامة لم ينقل عن أحد البتة، لأنه قد اشترط فيه أن يؤرخ ما عاينه من الأحداث.
والعجيب حقًا أن من جاء من المؤرخين بعد د. مصطفى جواد كان أشد قسوة
_________________
(١) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق: مج ٢٣/ ٦١٩.
[ ٤١٨ ]
وجورًا في الحكم، فقد قال د. جوزيف نسيم في كتابه «العدوان الصليبي على بلاد الشام» حين حديثه عن مصادره فيه، وذكر أبا شامة، قال: «وله المذيل على الروضتين الذي لم يزد فيه شيئًا جديدًا عما كتبه ابن الجوزي عن هذه الفترة …» (^١).
وكذلك قال مثل قوله د. محمود سعيد عمران في كتابه «الحملة الصليبية الخامسة»: «لم يأتِ أبو شامة في كتابه المذيل على الروضتين بجديد أكثر مما ذكره ابن الجوزي، إذ يلاحظ أنه نقل عنه» (^٢).
هكذا تطلق الأحكام من قبل مؤرخين محترمين حقًا، نقر لهم بالفضل والمعرفة، دون استقراء تام، أو تجوز في العبارة، فما بالك ممن يكتب في التاريخ، وهو متطفل على موائده! ..
* * *
_________________
(١) «العدوان الصليبي على بلاد الشام»: ص ٣٥، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية (١٩٨٤ م).
(٢) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٤١، طبعة دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٥ م.
[ ٤١٩ ]