يعترضنا في الحديث عن شيوخ أبي بكر بن خميس عارضان اثنان:
أولهما: أنه ليس بين أيدينا لائحة كاملة، على غرار العادة، تسجل أسماء شيوخ الرجل. فغياب ترجمته المفصلة عنا، وضياع المصادر التي يحتمل أن تكون قد أنصفته بترجمة مطولة تفصح عن أحواله أو أفردته برسم يتعرّف به بين رجالها - قد غيب عنا أيضا ما جرت العادة أن تضمه التراجم المفصلة من ذكر للائحة الشيوخ الذين أخذ عنهم المترجم به أو من ذكر لائحة تلامذته الآخذين عنه.
فلا شيء بين أيدينا من لائحة شيوخ أبي بكر بن خميس، غير ما أورده الحديث العارض في أعلام مالقة، أو ما انجرّ إليه الذكر في بعض تراجم كتاب الذيل والتكملة. وهو ذكر يبقى في عمومه عبارة عن إشارات خاطفة لا تجتمع عندها لائحة شيوخ كاملة، ولا تفصح عن نوعية العلاقة العلمية في تلك المشيخة، ولا مدى أثرها على علم الطالب وشخصيته وأعماله.
فباستثناء خاله القاضي محمد ابن عسكر الذي يحتمل أن يكون أثره كبيرا في صنع شخصية أبي بكر بن خميس، فإن بقية الأسماء العارضة لا تكاد تتحدد معها سمة العلاقة العلمية التي تجعلها ضمن مشيخته، فأحرى أن تكشف سر التأثير في تكوين شخصيته أو توجيهها وجهة معينة.
ولا شك أن أبا بكر بن خميس - وقد كانت نشأته بمالقة في فترة زاهرة بالعلماء
_________________
(١) راجع أعلام مالقة: ١٩٣ ترجمة رقم ٥١ حيث يذكر في ترجمة محمد بن عيسى بن مع النصر المومناني مانصّه: «ووصل مالقة خبر موته في أوائل ذي القعدة عام ثمانية وثلاثين وستمائة».
[ ٢٧ ]
وزاخرة بأسماء الشيوخ الكبار من مسندي الحديث وغيرهم - قد جلس إلى كثير من حلقات العلم في مالقة، وحضر إلى شيوخ كثيرين ممن ضمتهم مجالسها العلمية آنذاك. ولو وصل إلينا نص الترجمة الذي خصه به ابن عبد الملك في جزئه السابع من الذيل، لوجدنا لائحة كبيرة من أسماء شيوخه - على عادة تراجم أمثاله وأقرانه - تضم جل علماء مالقة آنذاك، وكثيرا من علماء غرناطة والمرية وغيرها من بقية حواضر الأندلس الكبرى، وغيرها.
ثانيهما: أن ما يرد ذكره في أعلام مالقة من إشارات إلى تسمية شيوخه أو ما يتحدث فيه المؤلف بضمير المتكلم عن هؤلاء الشيوخ والأخذ عنهم، هو مما يجب الحذر فيه والتحفظ منه. ذلك أن كل ترجمة من تراجم أعلام مالقة - حسب النص الموجود بين أيدينا منه - تحتمل أن تكون من صياغة القاضي بن عسكر أو حفيده أبي بكر بن خميس. ولا يمكن الفرز بين عمل الرجلين إلا في جانب محدود منه.
فالكتاب من إنتاج الرجلين معا، ابتدأه الأول منهما وفاجأته وفاته دون إتمامه فأتمه الثاني. فهما معا قد اشتركا في صياغة تراجم رجاله. غير أنه ليس هناك حد فاصل بين التراجم التي صاغها هذا أو ذاك. وليس هناك تمييز بين عمل الرجلين سوى ما يمكن أن يستفاد من ثنايا هذا العمل أو من إحالات تراجمه.
وعلى هذا فاستغلال أعلام مالقة لاستخلاص ما يهم في معرفة شيوخ ابن خميس هو أمر يقتضي:
أولا: تمييز صيغة الترجمة إن كانت من صنع ابن عسكر أو حفيده ابن خميس، ولو في حدود ترجيحية معقولة.
ثانيا: اتخاذ الاحتياط الزائد والحذر الفائق في الاعتماد على الإشارات الواردة في الكتاب فيما يخص مشيخة ابن خميس والأخذ بها.
ثالثا: الاستعانة بالمصادر الأخرى التي تشير إلى أخذ ابن خميس أو تتلمذه على هذا الشيخ أو ذاك.
ورغم أن ما سيتحصل بين أيدينا من أسماء هؤلاء الشيوخ سيبقى قليلا، فإننا لا نجد مفرا من خوض هذه التجربة والاعتماد على ما تفرزه دراسة الكتاب من ملاحظات وإشارات في الموضوع.
[ ٢٨ ]
وانطلاقا من كل هذا، وبعد التمحيص لتراجم أعلام مالقة، نورد ما تحصل بين أيدينا من شيوخ ابن خميس، وهم: