وقول المعجم بينهما حصن كأنه يعنى به قصر عامل مكناسة قديما الآتى في كلام ابن غارى وسيأتى عنه أيضا إطلاق اسم الحصن عليه كما أطلقه ياقوت، والظاهر أن هذا الحصن كان في زمن ياقوت لازال قائم الجدران فلذلك اعتبره، وإن كان قد خلا قبل ذلك ومسته أيدى التخريب وقت فتح مكناسة الآتى، ثم اضمحل أثره بعد بالكلية، ولا يصح أن يعنى به القصبة الأمرينية لأنها إنما حدثت بعد وفاة ياقوت بما يقرب من خمسين سنة كما يأتى في محله ولعدم صدق الثنية عليها في كلامه.
وقوله اختط إحداهما يوسف بن تاشفين. هـ.
يوسف هذا هو أعظم أمراء المرابطين ولد سنة أربعمائة وتوفى في مهَل محرم فاتح سنة خمسمائة، فيكون عمره على هذا مائة سنة.
وقد صرح ابن غازى بأن المدينة المسماة بمكناسة في زمنه إنما أحدثها المرابطون بعد ظهور الموحدين، وأول الموحدين ظهورًا المهدى بن تومرت، وهو إنما دخل عاصمة المرابطين مراكش في صفة ناسك قبل الإمارة عام أربعة عشر وخمسمائة كما قاله غير واحد منهم علي بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبى زرع من أهل المائة الثامنة في كتابة الأنيس المطرب.
والأمير وقت دخول المهدى بن تومرت لمراكش هو علي بن يوسف المذكور، وأيضا قد اقتصر ابن أبى زرع على أن بناء حصن تاجرارت كان سنة خمس وأربعين وخمسمائة كما يأتى، وحينئذ فكيف يكون مختط المدينة الحادثة هو يوسف وهو قد مات قبل اختطاطها بنحو ست وأربعين سنة، فالصواب أن المختط لها من المرابطين من بعده.
فصل: قال في الروض وكانت البلاد قبل فتحها ديار كفر مجوس ونصارى، وحاضرتها إذ ذاك مدينة يقال لها وليلى سميت باسم ملكها وليلى، وآثارها عظيمة
[ ١ / ٥١ ]
[صورة]
آثار مدينة وليلي الأزلية
[ ١ / ٥٢ ]
باقية لهذا العهد بأرض خيبر من ناحية جبل زرهون تعرف اليوم بقصر فرعون، هـ. من خطه (١).
وقال بعد هذا: وبأسفله -يعنى جبل زرهون- على اثنى عشر ميلا من مكناسة بموضع يقال له تازجا أثر بناء عتيق ضخم يسمى قصر فرعون، وكان ثَمَّ سوق غبار يجتمع فيه يوم الأربعاء، وتنسب هذه السوق لَوَلِيلَى، ويذكر أن وليلى كان ملك الروم وكان له هناك تلك المدينة، وهى كانت حاضرة تلك البلاد كذا ذكره بعض المؤرخين (٢).
ولما استولى الفتح على المغرب شمل مدينة وليلى وغيرها وبها نزل السيد الطاهر النقى التقى إدريس بن عبد الله رضى الله تعالى عنه على شيخ أوْرَبَة حسبما هو مذكور في تاريخه من خطه (٣).
قلت: تازجا ضبطه ابن غازى بفتح الزاى، ومدينة وليلى رومانية فتحها سيدنا عقبة بن نافع عام اثنين وستين، واعتنق أهلها الدين الإسلامى على يد والى سيدنا عمر بن عبد العزيز عام مائة، ثم استقلوا أيام العباسيين وقام بالأمر عبد المجيد الأوربى إلى عام اثنين وسبعين ومائة سنة، وفيه نزلها مولانا إدريس بن عبد الله الكامل ثم بنوه من بعده إلى أن تغلب موسى بن أبى العافية عام خمسة وثلاثمائة، وفى عام خمسين وأربعمائة دخل أميرها مهدى بن يوسف الجزنائى في طاعة يوسف بن تاشفين، وبقيت في طاعة لمتونة إلى عام واحد وأربعين وخمسمائة، فحاصرها عبد المؤمن بن على الموحدى ولما تمكن منها طمسها وخرب آثارها.
وفى عام أربعة وخمسين وخمسمائة جدد بالقرب منها حصنا سماه تاقرارت، كذا وقفت عليه بخط بعض عدول أعلام مكناسة الأثبات، وسيأتى لنا مزيد كلام ونقد في ذلك، وكون البلاد كانت ديار كفر إلخ، لا يخالف ما سبق من كون مكناسة بربرية، لأن أنواع الكفر التي ذكرها كلها كانت موجودة في بربر هذه البلاد.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥١.
(٢) الروض الهتون - ص ٦٩.
(٣) الروض الهتون - ص ٦٩ - ٧٠.
[ ١ / ٥٣ ]
وقول ابن غازى: وكانت البلاد -يعنى بلاد مكناسة وما والاها وما هى منه من بلاد المغرب الأقصى هذا هو المتعين في محمل كلامه بقرينة قوله: قبل فتحها إلخ، لأنه أشار به للفتح الذى كان في صدر الإسلام، إذ هو الذى كان فيه أهل البلاد على ما وصفهم به وهو كان عموميا في المغرب الأقصى لا في خصوص مكناس، وبقرينة قوله وحاضرتها إلخ لأن مسمى مكناس لم يكن في القديم قطرًا ولا جهة متسعة فيها الحواضر والبوادى والقواعد وغيرها، وإنما مسماه بلاد مخصوصة في مساحة معينة ذات قرى بعضهم يطلق على جميعها اسم المدينة كما تقدم عن ابن الرقيق وغيره، وبعضهم يتسامح فيطلق على كل قرية مدينة كما يقع ذلك في القرطاس وغيره، وبعضها لا يسمح لها بواحد من الإطلاقين كما يأتى عن ابن غازى، وذلك باعتبار تقلبات الأحوال عمارة وخرابا ولما سبق من أن مكناسة سميت باسم مختطيها وسكانها ولا قائل بأن مدينة وليلى بناها مكناسة ولا سكنوها بل سيأتى أن مكناسة بمعنى القبيلة هى التي خربت أولا مدينة وليلى.
فإن قلت قول ابن غازى من قطر مكناسة وضواحيها جبل يقال له زرهون وبأسفله على اثنى عشر ميلا من مكناسة بموضع يقال له تازجا، أثر بناء عتيق ضخم يسمى قصر فرعون ويذكر أن وليلى كان ملك الروم، وكان له هناك تلك المدينة إلخ، صريح في كون مكناسة قطرًا من قوله من قطر إلخ، وفى كون زرهون ومن جملته وليلى منه لقوله ومن ضواحيها إلخ، فإن ضواحى البلاد جهاتها.
قلت: لا صراحة في ذلك ولا متمسك فيه أصلا، أما قوله قطر مكناسة فليست الإضافة فيه بيانية، وإنما هى على معنى في أى من القطر الذى فيه مكناسة بقرينة قوله: على اثنى عشر ميلا من مكناسة، وأما قوله: وضواحيها فإنه تصحيف والذى في نسخة عتيقة ونواحيها بالنون أى جمع ناحية وعليه فالأمر واضح، إذ النواحى بمعنى الجهات، وهى ظرف متسع لا تعيين فيه. وعلى فرض
[ ١ / ٥٤ ]
أنه لا تصحيف فيه وأن الواقع في النسخ كلها وضواحيها بالضاد نقول: إنه لا حجة فيه لأن الضواحى لها إطلاقات منها النواحى وحينئذ فالنسختان متوافقتان، ثم بعد كتبي هذا وقفت على نسخة "الروض الهتون" التي بخط مؤلفها فإذا فيها ما، لفظه: من نظر مكناسة وضواحيها جبلا كبيرًا إلخ فانزاح الإشكال من أصله وظهر أن النساخ صحفوا نظر بقطر، وعليه فمعنى كون جبل زرهون من نظر مكناسة أنه تابع لها، ثم إن كلام ابن غازى في غير موضع مبين للتغاير بين مكناس وزرهون، من ذلك قوله: في قصر فرعون الذى هو من جملة جبل زرهون أنه على اثنى عشر ميلا من مكناسة إلخ، فهو ظاهر في مغايرة ما هو من زرهون لمكناسة بل وصريح في مغايرة قصر فرعون الذى هو مدينة وليلى عنده لمكناس.
ويعضد ذلك أيضا قوله وهى، أى وليلى كانت حاضرة تلك البلاد انتهى فإنه مبين للمراد من عبارته الأولى أعنى قوله: وحاضرتها إذ ذاك مدينة إلخ، وأنه لم يرد بها بلاد مكناسة بالخصوص بل هى وما جاورها ويعضده قوله قيل ولم تكن مكناسة في القديم ممدنة وكانت حوائر إلخ، فإنه صريح في أن مسمى مكناسة مغاير لحاضرة البلاد مدينة وليلى ويعضده أيضا قوله قبل ذلك: إن مكناسة هى كما وصف ابن الخطيب إذ يقول:
وكفاك شاهد حسنها وجمالها أن أوثرت بالقرب من زرهون
فهو اعتراف منه ومن ابن الخطيب بأن زرهون ليس منها وإنما هو قريب منها وهو كذلك، ويعضده أيضا قوله: قيل ولم يكن لهذه الحوائر قديما مدينة مسورة إلخ، فهو كالصريح في أن ما كان قديما ممدنا مصورا وهو حاضرة البلاد وليلى ليس من مكناسة إلى غير هذا من نصوصه ونصوص غيره الدالة على المراد، وأن زرهون ووليلى أعنى قصر فرعون لا دخل لهما في مسمى مكناسة، وحينئذ فلا يشكل قوله أولا وثانيا أن مدينة وليلى هى حاضرة البلاد على ما تقرر -والعيان
[ ١ / ٥٥ ]
يغنى فيه عن البيان- من أن مدينة وليلى هى من جبل زرهون الموالى لمكناسة لا من نفس بلاد مكناسة، ولا يكون في ذلك أدنى متمسك على أن مكناس القديمة هى مدينة وليلى كما قد توهم لما بيناه، ولأن ذلك ليس بمعروف، وقد تضافرت (١) نصوصهم على أن مولانا إدريس الأكبر لما قدم المغرب الأقصى نزل بمدينة وليلى ولم يقل أحد منهم نزل بمدينة مكناس، ولا صرح أحد من متقدمى المؤرخين بنسبة مدينة وليلى إلى مكناسة، وعليه فما وقع لبعض المعاصرين من الأوربيين في مؤلف له وصف فيه مكناس من قوله جعلت مكناس قاعدة وقتية لمولاى إدريس في القرن التاسع قبل بناء فاس، هـ.
لعل مستنده فيه فهم كلام ابن غازى على غير وجهه، وقد بان لك وجه الحق فيه، وهذا والله أعلم هو الذى أوقع صاحبنا النحرير النقاد أبا عبد الله محمد بوجندار في الجزم بأن مدينة مكناس القديمة هى المدينة الأثرية التاريخية وهى مدينة وليلى في كلماته الذهبية.
وقول ابن غازى سميت باسم ملكها جزم بهذا هنا وتفصي عن بعد ذلك في قوله ويذكر أن وليلى إلخ.
وقد رأينا مؤرخى الأوربيين اليوم ينكرون وجود ملك مسمى، بذلك ويقولون: إنه اسم بربري يراد به في لسان البربر النبات المسمى بالدفلا، هذا أصله عندهم، ثم أطلقوه على المدينة ولعله لكونه كان كثيرًا بواديها وانظره مع ما جزم به البكرى في المسالك، مِنْ أنّ وليلى هى طنجة بالبربرية، نعم إن كان وليلى في لسان البربر يطلق على الأمرين النبات المذكور وطنجة فلا إشكال.
_________________
(١) في المطبوع: "وقد تظافرت" وتضافرو عليه -بالضاد المعجمة- تعاونوا وضافر كل منهم الآخر.
[ ١ / ٥٦ ]
وقول ابن غازى بأرض خيبر كذا سمى هو محل قصر فرعون فيما نقلناه عنه أولا، وقد سماه فيما نقلناه عنه ثانيا بتازجا، والاسمان معا غير معروفين في موضع قصر فرعون المعروف بهذا الاسم الآن ولا قبله فيما نعلم، والمعروف إطلاق خيبر عليه هو الجهة العليا الشرقية المقابلة الداخل من باب الحجر أحد أبواب زاوية زرهون التي بها ضريح البضعة النبوية الطرية الطيبة الإمام إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن مولانا علي بن أبى طالب، ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت إمام المرسلين وحجة الله على العالمين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه الكرام الطاهرين.
كما أن المعروف بتازجا، هو الجهة العليا غربا التي تلى يمين الداخل من الباب المذكور للزاوية المذكورة، وما نزل عن الباب المذكور خارجا عنها يقال له تحت تازجا بهذا الاسم الإضافى يعرف حتى الآن، نعم يوجد في عرصة بعد وادى وليلى هناك أثر قوس كان قائما هناك على هيئة عمل قصر فرعون فيظهر من ذلك أن عمارة قصر فرعون كانت واصلة لهذا المحل وأن ابن غازى لذلك أشار بالاسم الثانى، وأن اسم المحل حدث فيه بعد ابن غازى تصرف بما ذكرناه وأما الاسم الأول فالله أعلم كيف وقع له فيه.
وقول ابن غازى في المنقول عنه أولا من ناحية جبل زرهون اهـ. مع قوله في المنقول عنه ثانيا وبأسفله يعنى جبل زرهون أسفل منه، وليست هى منه حقيقة، وأظن أن أبا القاسم الزيانى في رحلته به اقتدى في قوله أن مدينة وليلى قرب زرهون وليس الأمر كذلك فالصواب قول ابن أبى زرع في أنيسه، والجزنائى في جَنَازَهرْ الآس، والحلبى في دره، أن مدينة وليلى قاعدة جبل زرهون ومثله ما نقله في القرطاس عن البرنسى من أن وليلى التي دفن بها المولى إدريس هى من زرهون زاد غيره أنها بالطرف الغربى منه، اهـ.
[ ١ / ٥٧ ]
قلت: والابتداء الطبيعى لجبل زرهون المتميز عن أرض بلاد مكناسة في طريق الذاهب منها للزاوية المذكورة هو أصل المحل المعروف هناك بعقبة العربى -بفتح العين والراء وياء ساكنة بعد الباء- فكل ما بعد ذلك فهو منه ومن جملته قصر فرعون المعروف بهذا الاسم الآن، وهو في شمال شرقى. مكناسة على ثمانية وعشرين كيلو مترا، وأما ابتداء جبل زرهون في طريق فاس فهو فيما قاله ليون الإفريقى في رحلته من أوطاسايس، زاد غيره على أربعة عشر كيلو مترا من فاس.
قال ليون يمتد جبل زرهون للمغرب على مسافة ثلاثين ميلا وعرضه عشرة أميال (١).
وقال غيره: يمتد للمغرب على أربعين كيلو مترا. قال ليون: وهو بين مدينتين كبيرتين إحداهما شرقية وهى فاس والأخرى غربية وهى مكناس (٢).
قلت: وليون هذا كان حيا سنة ثلاثين وتسعمائة من الهجرة النبوية واسمه حسن بن محمد الوزان وهو في الأصل غرناطى، وقرأ بفاس بعد أن سكنها، كان ركب البحر فأسره الطاليان وذهبوا به لسلطانهم، وهو الذى أسس تعليم العربية برومة، وكان يحسن اللسانين الطاليانى والفنيولى، ويعرف عند الأوربيين بجان ليون ورحلته هذه باللسان العجمى في ثلاثة أجزاء ضخام طبعها المؤرخ شفير الفرنسى في باريز عام ألف وثمانمائة وخمسة وتسعين مسيحية، وعلق بهوامشها فوائد وتنبيهات من كلام مرمول في تاريخ إفريقية له وبكلام غيره.
ثم ما قدمناه عن ابن غازى في مدينة وليلى وقصر فرعون صريح في اتحادهما، ومثل ذلك له في تكميل التقييد، وقد سبقه إلى الجزم بذلك البكرى في
_________________
(١) وصف إفريقيا، ص ٢٩٤.
(٢) وصف إفريقيا، ص ٢٩٥.
[ ١ / ٥٨ ]
كتاب الاعتبار والرشاطى -بضم الراء- في اقتباس الأنوار، ومثل ذلك للحلبى في الدر النفيس وابن زكرى في شرح همزيته وغيرهم.
وقد عين ابن غازى مسمى ذلك باعتبار الموقع بأنه أسفل جبل زرهون، وباعتبار المسافة بأنه على اثنى عشر ميلا وهى أربعة فراسخ من مكناس، كما عين ذلك أيضا بنزول مولاى إدريس به على شيخ أوربة حين ورد من الحجاز، ولا نعلم له مخالفا في كون نزول مولانا إدريس كان بمدينة وليلى، وإنما الخلاف في اتحاد مسماها ومسمى قصر فرعون، ففى رحلة ليون (١) الإفريقى أن وليلى مدينة بناها الرومان قديما على رأس الجبل حين تملكهم بغرناطة وأداروا بها سورًا مبنيا بحجارة كبيرة منحوتة (٢)، وجعلوا لها أبوابا عالية واسعة، وطول سورها نحو ستة أميال، ثم خربت وأصلحها مولاى إدريس حين ملك بها وبعد موته دفن بها، ولم يبق بها إلا اثنان أو ثلاثة من الديار يسكنها المكلفون بخدمة ضريح مولاى إدريس (٣).
قال: وبها عينان تسقى بهما غراستها، اهـ. (٤) فعلق على كلام ليون هذا طابع رحلته المتقدم الذكر ناقلا عن تاريخ إفريقية لمرمول أن وليلى تسمى توليت يعنى بالبربرية، وأن بانيها الرومان على رأس الجبل، وأنها محاطة بسور من الحجر المنجور (٥) طوله ثمانية كيلو مترا وأن المكناسيين كانوا خربوها وأن مولاى إدريس أصلحها وجعلها عاصمة، ثم خربها يوسف بن تاشفين من المرابطين وحينئذ تفرق
_________________
(١) وصف إفريقيا، ص ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٢) في المطبوع: "سورًا وحجرًا كبيرًا منجورًا" والمثبت رواية ليون الذي ينقل عنه المصنف.
(٣) وصف إفريقيا، ص ٢٩٦.
(٤) وصف إفريقيا، ص ٢٩٦.
(٥) منجور -سبق هذا التعبير من قبل. والنجر في الأصل: نحت الخشب، والمراد هنا الحجارة المنحوتة.
[ ١ / ٥٩ ]
أهلها في الجبل وبطلت عمارتها ولم يبق بها إلا نحو خمس عشرة دارا يسكنها الفقهاء القائمون بخدمة الضريح الإدريسى المقصود المزوار من نواحى المغرب وفيها عينان من الماء جاريتان.
زاد شفير أن مدينة وليلى تسمى في وقته زاوية مولاى إدريس، اهـ.
وهذا التصريح منه يطابق بعض ما وصفها به ليون ومرمول ككونها في رأس جبل فإنها أعنى الزاوية الإدريسية كذلك بالنسبة لما نزل عنها وباعتبار حومتى تازجا وخيبر منها لا مطلقا، وكالعينين الجاريتين إن قلنا إن المراد بهما منبعان وسقايتان وإن لم يكن أصلهما داخل البلد فيكون المراد بهما عين خيبر وعين فَكْرة -بفتح الفاء وسكون الكاف بعدها راء مفتوحة ثم هاء ساكنة- فإن ماءهما هو الجارى داخلها، وأن جريان الثانى قاصر على ناحية مخصوصة بخلاف الأول فإن معظم انتفاع السكان به وكونها لم تكن متمدنة وقتئذ ولا آهلة بالسكان وإنما كان يسكنها خَدَمة الضريح، وهذا والله أعلم هو وجه اشتهارها باسم الزاوية، إذ لم تكن تستحق في القديم عنوانا سواه، ولعل كثرة سكانها ووقوع تمدنها، إنما تنافس الناس فيهما بعد أن شيد سيدنا الجد المولى إسماعيل الضريح الإدريسى فيها وتنافس الملوك حفدته للتذييل عليه في ذلك حسبما سيمر بك مفصلا، حتى صار من أعظم القصور والمشاهد، وانضم لذلك احترام الملوك للسكان رعيا لحرمة الجار، إلى أن صارت إحدى مدن المغرب كما هى عليه الآن، ومن ثم والله أعلم لم يذكرها مؤرخو الأزمنة السالفة في مدن المغرب كابن الخطيب في مقامات البلدان وكتاب معيار الاختيار، في ذكر المعاهد والديار، وفى ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب، التي نقل ابن غازى منها آخر روضه والمقَّرى في نفح الطيب وكذا الزيانى في رحلته فإنه تعرض لمدن المغرب ولم يذكر الزاوية فيها بهذا العنوان وإنما ذكر مدينة وليلى هذا مع تأخر زمنه.
[ ١ / ٦٠ ]
ويكون عمارتها نشأت تدريجا لأجل الاحترام المذكور صرح في الأزهار العاطرة وكذا صرح مويت الفرنسى الذى كان أسيرًا عند مولاى رشيد ومولاى إسماعيل في كتابه فتوحات مولاى رشيد ومولاى إسماعيل بأن زَرْهُون لم تكن فيه مدينة في ذلك الوقت ولم تكن به إلا المداشر، وكذا صرح بذلك ليون في رحلته، وكل ذلك يعضد أن ابن غازى لم يقصد بما قدمناه عنه الزاوية الإدريسية، وإنما قصد بمدينة ولِيلَى خصوص المعروف اليوم بقصر فرعون، وهو الذى شيدت فيه الدولة الحامية قصور السكان المكتشفين لآثاره القديمة كل يوم، وحينئذ يتحقق أن مسمى وليلى في كلام ابن غازى خاص بالمعروف اليوم بقصر فرعون، ولا يشمل الزاوية البتة، وإنما أهمل ذكرها مع ذكره لجبل زَرْهُون ولسوقه لكونها غير موجودة على الهيئة التي تستحق الذكر في تاريخه، ولأن كذلك مسمى ولِيلَى في كلام ليون ومرمول فإنه على ما ذيله به شفير، خاص بمسمى الزاوية الآن، ولا تعلق له بالمسمى بقصر فرعون البتة.
فإن قلت حيث كان الأمر هكذا فمن لازمه أن مخالفى ما جرت عليه طائفة ابن غازى يفرقون بين وَلِيلَى وقصر فرعون وحينئذ فما مسمى قصر فرعون عندهم هل هو المعروف بهذا العنوان الآن أو غيره؟ قلت قال ليون: قصر فرعون مدينة صغيرة قديمة بناها الرومان على رأس جبل قريب من ولِيلَى بنحو ثمانية أميال، قال وأهل جبل زَرْهُون يقولون باني قصر فرعون موسى ولم تظهر لى حجة ذلك ولم يوجد في التاريخ تقدم ملك لفرعون ولا للمصريين على المحل قال: وتوجد حروف لتينية منقوشة في بعض أحجاره تدل على أن الرومان هم الذين بنوه قال: ويوجد بالمدينة نهران متخالفان كل واحد يأتى من ناحية وأودية المدينة ورباها كلها مغطاة بأشجار الزيتون، وبقرب المدينة غابة يكثر فيها الأسد والنمر (١) هـ.
فعلق عليه شفير نقلا عن مرمول: يوجد من ناحية من رأس الجبل مدينة صغيرة على بعد اثنى عشر كيلو مترا من وليلى وأهلها ينسبونها لفرعون مصر، ولا يوجد في التاريخ أن فرعون والمصريين ملكوا إفريقية، ومشاهير المؤرخين إنما يسمونها قصر زَرْهُون وتقرأ إلى الآن كتابة قوطية في بعض سورها تدل على أنها
_________________
(١) وصف إفريقيا، ص ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ١ / ٦١ ]
بناها القوط وبقربها نهران صغيران خروجهما من رأس الجبل، والسهول والرُّبَى كلها مغطاة أى بالأشجار، وقد خربت هذه المدينة وقت تخريب تيوليت أى مدينة وليلى، ولم تعمر لكون الأهالى يحيون السكنى بالبادية دون المدن، وبقربها سوق على ربوة يعمر يوم الأربعاء يقصدها المكناسيون والفاسيون ومن بات بها احترس من كثرة الأسد هـ.
ثم نقل شفير عن جغرافية موريطانية الطنجوية لتيسو أن أثر قصر فرعون هو أثر بولبيس يعنى نواحى وليلى يدل على ذلك كتابتان في حجر قال: وهذا الأثر يوجد في ربوة مستديرة مستطيلة من جبل زرهون وهذه الربوة تمنعها شعبتان عميقتان نحو المشرق والمغرب، وبقربها وادى فرعون يمر نحو الجنوب ويستخرج من هذا الأثر أحجار للبناء منها ما بنيت به باب منصور العلج بمكناس الذى فيه سوارى من الرخام بصنعة عجيبة هـ.
فقول ليون قريب من وليلى إلخ مع قول مرمول على بعد اثنى عشر كيلو مترا من وليلى الخ كلاهما صريح في مغايرة قصر فرعون الذى قصدا بيانه لوليلى التي تقدم أنها هى الزاوية عندهما، وكذا قول شفير عن مرمول خربت هذه المدينة وقت تخريب تيوليت الخ صريح في ذلك أيضا ثم وصف ليون ومرمول لها بأنها على رأس جبل يجوز تنزيله على المعروف الآن بقصر فرعون باعتبار ما سفل عنه من الجبل، فإن من نظر لبسيط قصر فرعون صار في عينيه كأنه على رأس الجبل الذى انحط عنه، وكذا النهران المختلفان فإنهما قد لا ينافيان ذلك التنزيل ويحملان على وادى وليلى والوادى المعروف بوادى الميت، فإنهما بالنظر لقصر فرعون كل واحد يأتى من جهة له ومن رأس جبل في الظاهر، وإن كانا في الواقع متحدين فإن الثانى من أصول الأول وإليه صيرورته ودورانه، وكذا يتنزل على ذلك استخراج أحجار البناء منه فإنه لا زال مشاهدا، وكذا لا ينافى ذلك وصف الرُّبَى
[ ١ / ٦٢ ]
والسهول بأنها كلها مغطاة بالزيتون فإن بعض ذلك بقربه لا زال كما وصف، والباقى لعله كان ثم سقط.
وإنما المنافى لذلك ما نقله شفير عن تيسوا من وصفه بأنه على ربوة مستديرة مستطيلة تمنعها شعبتان عميقتان، فمان هذه الصفات تقرب من المسمى بقصبة النصرانى الكائنة بناحية من الجبل المذكور المكتنفة بين مداشر الهروشى وآيت سيدى حساين وسيدى أقضات -بسكون القاف وفتح الضاد مشبعة وسكون التاء- بل هذه برأس الجبل أشبه حتى إن الحال بها يشرف على بسيط سانس ومدينة فاس من شدة علو موقعها، وكذا وصف قربه من الغابة فإنه بها أشبه، وكذا قربه من السوق المذكورة وهى المسماة بالسوق القديم الواقعة في سفح بل وأعلى باب الرميلة فإنه بالقرب من قصبة النصرانى أمَسّ وكذا تغطية الرُّبَى والسهول بالأشجار فإنه بها أمس وكذا الوصف بالصغر فإنه لائق بها إذ دور سورها المحيط بها يبلغ ستمائة متر واثنين وعشرين مترا تختص كل جهة من طولها بمائتى متر وعشرين مترا وكل جهة من عرضها بشطر باقى العدد المذكور واتساع جدرانها متر واحد وخمسون سنتيمترا.
ولا زال غالب جدرانها قائما إلى الآن بخلاف المعروف اليوم بقصر فرعون فإن دور سوره يقدر بخمس وعشرين مائة متر فهو يزيد على سور قصبة النصرانى بثلاثة أضعافه وشئ.
فائدة: مما أظهره الاكتشاف الحالى داخل محيط سور قصر فرعون هذا أثر سقاية منحوتة في الحجر وقد أثرت فيه كثرة الأوانى التي كان يسقى بها منها أثرا بين الوضوح، وهذا مما يدل على طول العمارة هناك وكثرة السكان، ويوجد هنالك أيضا قوس عظيم من الحجر المنحوت يسمى قوس النصر لا زال قائما إلى الآن والأمير الذى أقيم له هذا القوس هو كراكلة، وبانيه ماركيس أصله فينيقى، وكان على قوس النصر هذا عربة تجرها ستة من الخيل مصورة من النحاس بهيئة كبر
[ ١ / ٦٣ ]
الخيل الطبيعى، ويستفاد من الكتابة المرموقة في الحجر هنالك أن ذلك القوس نصب لتذكير واقعة تاريخية.
وطول شارع قصر فرعون هذا أربعمائة وخمسة وأربعون مترا، ويقدر سكانه وقت عمارته باثنى عشر ألف نسمة، وبعد قصر فرعون من الزاوية الآن خمسة كيلو مترا تقريبا نبه على ذلك رئيس الآثار القديمة بالرباط شاتلان القائم على ذلك الاكتشاف في مقالته الاكتشافية التي أملاها لجماعة الجغرافيا بالدار البيضاء.
ولنرجع لما كنا فيه فنقول: وكذا القرب من وادى وليلى فإن ذلك يصح أيضا لأن القرب نسبى، وبخارج جدارها الغربى عينان صغيرتان يظهر أن أصلهما عين كانت داخلها وردمت بالهدم فتفرق بذلك ماؤها خارجا على منبعين، نعم قصبة النصرانى ليس سورها من الحجر المنجور بل هو كغالب البناءات المغربية المعهودة، ولا هى بالصفة التي يستخرج منها حجر البناء، بل وصولها لا يتأتى الآن للراكب، وإنما يتأتّى للراجل لوجود الشعبتين المانعتين.
فالحاصل أن الصفات التي وصف بها ليون ومن وافقه مسمى قصر فرعون منها ما لا يقبله إلا مسمى قصر فرعون المعهود الآن، ومنها ما لا يقبله إلا قصبة النصرانى المذكورة، ومنها ما هو محتمل، ثم إن كان مرادهم به قصبة النصرانى وحكمنا حينئذ بأن الصفات المنافية لها إنما هى توسع باعتبار ما في تلك الجهة أو غلط يتوجه البحث معهم حينئذ بأنهم جعلوا المقصود من مسمى قصر فرعون غير المعروف به عند الخاص والعام بهذا العنوان في زمنهم وقبله وبعده إلى الآن، وذلك غير لائق.
وإن كان مرادهم بقصر فرعون مسماه المعهود وحكمنا بأن ما لا يقبله من الصفات الواقعة في كلامهم جارية على ما قدمناه اتجه بحث آخر، وهو أن تفرقتهم بين وليلى وقصر فرعون وجعل مسمى الأول هو الزاوية لا دليل عليه.
[ ١ / ٦٤ ]
لا باعتبار الآثار القديمة لفقدها بالكلية في الزاوية، وهو موافقون لغيرهم في أن وليلى مدينة أثرية قديمة فلم تجز مخالفتهم لغيرهم بعد إجماعهم معهم على هذا بغير دليل.
ولا باعتبار نصوص من تقدمهم من المؤرخين، ولا يقال إنهم تمسكوا في ذلك بكون الضريح الإدريسى بالزاوية وذلك دليل كونها هى وليلى من جهة أن تملكه وموته كانا بوليلى بلا خلاف، وما وقع للسهيلى من أنه مات بإفريقية يرجع لذلك عند التحقيق لأنا نقول إن من تقدمهم ومن تأخر عنهم من المتأخرين كالبرنسى، وابن أبى زرع والجزنائى، والحلبى، وابن القاضى وغيرهم قد نصوا على أنه وإن كانت وليلى عاصمة ملكه وبها توفى لم يدفن داخلها، وإنما دفن خارجها بصحراء رابطتها.
وبعضهم يقول رباطها وبعضهم يبدل الصحراء بالصحن فيقول بصحن رابطة باب وليلى.
وقد حكى في الأزهار العاطرة تبعا لغيره اتفاق المؤرخين على مضمون ما تقدم وبإضافة هذه الرابطة لوليلى يجاب عن قول ابن خلدون دفن إدريس بوليلى هـ.
فيكون معناه بمحل مضاف إليها والرابطة كما في تاج العروس عبارة عن العلقة والوصلة واسم لجماعة الخيل المرابطة على بلد.
والرباط كما في القاموس يطلق على معان منها واحد الرباطات المبنية، ومنها ملازمة ثغر العدو، ومنها المحافظة على أوقات الصلاة ومنها حديث فذلكم الرباط هـ.
الحاصل من هذا أنه دفن خارجها بصحراء أى بصحن المحل المتعلق بها إما لعبادة يقيمها أهلها به، وإما لملازمة الحراس من غارة العدو عليها.
[ ١ / ٦٥ ]
فالرباط والرابطة إما حصن أهل العسة على وليلى، وهو الأظهر، وإما متعبد أهلها كصوامع الرهبان التي تكون دائما خارج مدنهم، وأيًّا ما كان فهى من أثارات وليلى، ومن جملة بناء أهلها الذى له تعلق خاص بها، فصحت إضافتها إليها.
وعليه فإن كان مراد من جعل الزاوية هى مدينة وليلى هذا المعنى الذى شرحناه فلا بحث معه إلا من جهة تخصيصه لوليلى بالمحل التبعى منها وإهماله للمحل الأولى الأصلى منها، واللائق العكس، ويمكن أن يجاب عن ذلك بجواب لطيف ظريف وهو أن الإهمال الذكرى تابع للإهمال الحسى، فحيث انعكس الحال وصار التبعى عامرًا والأصلى خرابًا استحق التبعى بعمارته واسترسالها حكم الأولية والأصالة، واستحق الأصلى بخرابه وانقطاع عمارته حكم التبعية والفرعية، والمنظور إليه غالبا هو المتبوع لا التابع، إلا أن قول ليون ولم يبق بها إلا اثنان أو ثلاثة من الديار الخ. وقول مرمول: ولم يبق بها إلا نحو خمس عشرة دارا إلخ لا يقبله لأن المقالين المذكورين مقتضيان لكون العمارة كانت بها كثيرة وتلك بقيتها للتخريب الذى شرحه مرمول، مع أن ذلك إنما كان في وَلِيلَى الأصلية، ولم يكن في رابطة صحرائها التي هى وليلى التبعية، وإلا لم تكن صحراء وقت الدفن الإدريسى بها مع أنها كانت صحراء، ولذلك عنون عنها بها ولم تحدث فيها العمارة تدريجا إلا بعد الدفن كما تقدم، نعم إن كان المحل المسمى رابطة أو رباطا عبارة عن حصن كما اخترناه سابقا وأن هذا الحصن كان مشتملا على دور عديدة وقد شملها التخريب السابق، وبقية دوره هى التي استثناها من تقدم ذكره صح الجواب المذكور ولم يكن في قول من ذكر ولم يبق إلخ ما ينافيه.
هذا والأقرب عندنا نظرا لما تقصيناه من شواهد الحال وقرائن الآثار، أن قصبة النصرانى، إنما كانت من توابع مدينة وليلى التي هى قصر فرعون المعروف، فمن أطلق عليها قصر فرعون أو وَلِيلَى بهذا الاعتبار صح إطلاقه وإلا فلا.
[ ١ / ٦٦ ]
فتحرر من هذه المباحث المتعلقة بمدينة وليلى التي اعترف ابن غازى بأنها كانت قاعدة البلاد وحاضرتها، أنها من نفس جبل زرهون بل هى قاعدته، وأنها ليست هى مكناسة القديمة، كيف وهى رومانية! ومكناسة القديمة بربرية، وأنها هى التي تعرف الآن بقصر فرعون، وأن الزاوية الإدريسية ليست هى مدينة وليلى الأصلية، وإنما كان موقعها تابعا لها ومن إضافاتها ومتعلقاتها، فهى من وليلى تبعا لا أصالة، وأنها لم تكن عامرة كما هى عليه الآن، وإنما تتابعت عمارتها بعد أن شيد المولى إسماعيل الضريح الإدريسى بها، ولذلك لم يتعرض لها ابن الخطيب في كتبه ولا ابن غازى، ولا من وافقهما طبق ما أشرنا إليه سابقا، وأن اسم الزاوية هو الذى كانت تستحقه قبل العمارة فاستمر عليها بعدها، وأن قصبة النصرانى ليست هى قصر فرعون الأصلى، وإنما هى من إضافاته فيصح إطلاقه عليها تبعا لا استقلالا، ولو لم يكن من دلائل ذلك إلا تعين كل باسمه الخاص قديما وحديثا لكفى وأن ما خالف ذلك كله إما توسع أو غلط والله أعلم.
ملاحظات:
الأولى: من الغريب ما نقله في الأزهار العاطرة عن بعض الطلبة من أن مدينة وليلى هى عين القصر لا قصر فرعون قائلا: لأنه قد خلا قبل البعثة على ما قيل هـ. وعين القصر هذه هى الكائنة بالضفة اليسرى لوادى وليلى المار أسفل باب. الحجر أحد أبواب الزاوية سميت عين القصر لقربها من قصر على مثال بناء قصر فرعون كان قديما هناك ثم سقط وبقى منه قوس، وإليه تنسب عرصة هناك، فيقال عرصة القوس أيضا كما سبقت الإشارة لذلك ولم يوجد هناك أثر لغير هذا القصر وحينئذ فلا يصح أن يكون ذلك المحل هو مدينة وليلى إلا على سبيل الإضافة والتبعية نظير ما قدمناه، على أن ذلك الطالب بنى دعواه على التفرقة بين وليلى وقصر فرعون وقد سبق تحرير اتحادهما ورد ما خالفه، وأما تعلق ذلك الطالب
[ ١ / ٦٧ ]
بالقيل الذى حكاه وهو أن وليلى خربت قبل البعثة فهو تعلق بما هو أو هن من بيت العنكبوت لما سبق أن وليلى خزبتها قبيلة مكناسة أولا ولما جاء مولاى إدريس نزل على شيخ أَوْرَبَة بها ثم لما بايعوه أصلحها وصيرها عاصمة ملكه، ثم لما بنيت مدينة فاس وصارت هى العاصمة تناقصت عمارة وليلى إلى أن خربها يوسف ابن تاشفين وحينئذ بطلت عمارتها وتفرق أهلها في الجبل، وقد سبق أن موت ابن تاشفين كانت فاتح القرن الخامس.
ولا يقال إن هذا التقدم لا حجة فيه لما تقدم مما يشير لاضطراب كلام قائله، لكونه جمع بين ما لا يصح تنزيله إلا على الزاوية وبين ما لا يصح تنزيله إلا على وليلى ولكونه جعلهما شيئا واحدا وهما شيآن متغايران في الواقع، لأنا نقول قد نبهنا فيما سبق على الجمع بين ذلك بأن موقع الزاوية هو من وليلى بحسب التبع والتعلق والإضافة، فلا اضطراب إِذَنْ، وإنما على العارف أن ينزل كل شئ في محله، ولكون نزول مولاى إدريس على أوربة بوليلى التي هى قصر فرعون هو كالمتفق عليه عند أهل المعرفة، وأما ما يذكر من أن عين القصر لم تكن قبل مولانا إدريس وإنما نبعت بركزه لحربته في محلها، فهو إن صح لا يعين أن محلها هو نفس مدينة وليلى الأصلية كما لا يخفى.
الثانية: زعم بعض المؤرخين المعاصرين ألا وهو صديقنا الناقد أبو عبد الله محمد بوجندار في كتابه المذكور آنفا أن الذى خرب مدينة وليلى هو عبد المؤمن الموحدى، وذلك لا يصح ففى الأصل أعنى "الروض الهتون" أن أمر الموحدين زمن عبد المؤمن لم يزل يتقوى وسكان الجبال ينزلون إليهم من صياصيها مذعنين، حتى إن من نظر مكناسة وضواحيها جبلا كبيرا مانعا حصينا يقال له زرهون، وفيه من الخلق أمة كثيرة لا تحصى عدة، أرسلوا بيعتهم مع جماعة منهم إلى عبد المؤمن ابن على وهو بين الصخرتين من أحوار تلمسان، وجَرَّأوا الموحدين على دخول
[ ١ / ٦٨ ]
المغرب وأعانوهم على محاصرة مدينة مكناسة، فكانوا أبدا مبغضين لأهل تلك البلاد وكانوا بسبب سبقهم أحرارا من المغارم كتب لهم بذلك صكوكا كانت بأيديهم ولم يتعرض لأموالهم كما فعل بالأملاك التي أُخذت عنوة. هـ من خطه.
وهو صريح في أن أصل زرهون بايعوا عبد المؤمن قبل دخوله لمغربنا، وفى أنهم كانوا محترمين عنده، وفى أنه ما تعرض لأموالهم ولا لأملاكهم بعد دخوله، وكيف يجتمع مع هذا تخريبه لقاعدة بلادهم مدينة وليلى! وأى موجب بعد ما تقدم يدعوه لذلك!
الثالثة: حيث كان أهل وليلى تفرقوا في جبل زرهون بسبب تخريب يوسف ابن تاشفين لقاعدة بلادهم مدينة وليلى على ما سبق في نقل شفير عن مرمول، ومن الواضح أنه ما فعل ذلك بها إلا لتمنّعهم بها واستعصائهم عليه فيها، فهم حينئذ قد ذاقوا وبال مخالفة الملوك ونالتهم خسارتها العظيمة بالفعل، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والعاقل من اعتبر بالحوادث التي مرت عليه، وأوصلها العلم اليقينى إليه. والسعيد من وعظ بغيره وحينئذ فبدارهم بالطاعة لمن ظهرت غلبته، وقويت شوكته، وبايعه أكثر الإيالة المغربية ولا سيما مع تظاهره بالعدالة وانتدابه لهد منكرات من قبله وتحصنهم بها من إعادة التشديد عليهم والهلاك والمجاعة هو من حسن تدبيرهم وسداد نظرهم، ولا ملام عليهم في ذلك، ولا سيما حيث كان ذلك وقت تقلص الدولة المرابطية واضمحلال قوتها وصيرورة الرعية في حكم الإهمال من جهتها، وفى أيدى الهلاك من جهة الدولة القائمة عليها ففى "شرح القصيد" للشيخ السنوسى من شروط الإمام. قدرته على تنفيذ الأحكام هـ.
وقد نقل ابن يونس وغيره أن مالكا سئل إذا بايع الناس رجلا ثم قام آخر فدعا الناس لبيعته فبايعه بعضهم، فقال: إن كانت بيعة الأول على الخوف فالبيعة للثانى إذا كان عدلا هـ.
[ ١ / ٦٩ ]
وفى "شرح المقاصد" من صار إماما بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه هـ.
وفى البكى السبب المتفق عليه أى في خلع الإمام كل ما يختل معه مقصود الإمامة هـ.
قال رأس العارفين في حواشيه فدخل فيه العجز عن القيام بالمصالح وينبغى اعتباره من حيث كونه نسبة وإضافة بحيث يوجد أقدر منه فيولى هـ.
وفى "المواقف" وشرحها وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه لانتظامها وإعلائها هـ.
وأما إعانتهم للموحدين في محاصرة مكناس فذلك من لازم الطاعة، ومن الواجب في حق من أبى أن يدخل فيما دخلت فيه الجماعة، وقد نقل ابن عرفة وغير واحد من متأخرى فقهاء المالكية فقها مسلما عن الصقلى وهو ابن يونس أن شيخه القاضى أبا الحسن صوب قول سحنون إن كان الإمام غير عدل وخرج عليه عدل وجب الخروج معه ليظهر دين الله هـ.
كما نقلوا أيضا عن عز الدين كذلك أنه إن كان فسق الإمام القائم أخف من فسق الإمام المقوم عليه ككون المقوم عليه فسقه بانتهاك حرمة الأبضاع، والقائم بأخذ المال بغير حق، فإنه يجوز القتال مع القائم لإقامة ولايته وإدامة نصرته دفعا لما بين مفسدتى الفسوقين ودرءا لما هو أشد من معصية القائم هـ.
قال ابن عرفة: ونحوه خروج فقهاء القيروان مع أبى يزيد الخارج على الثالث من بنى عبيد وهو إسماعيل لكفره وفسق أبى يزيد والكفر أشد هـ.
ونقل شيخ شيوخنا في اختصار الرهونى عن "شرح المقاصد" ما نصه ابن عبد السلام تجوز إعانة الأخف ظلما على الأثقل كالمنتهك للأموال أو الأبضاع على المنتهك للدماء هـ.
[ ١ / ٧٠ ]
ووزانه جواز إعانة الأخف مفسدة متطرقة على الأشد، ثم قال: ويجوز الدفع عن الأخف ضررا ومفسدة والقتال معه لدفع ما هو أشد هـ.
وعليه فقول خليل فللعدل أى ولو بالإضافة هـ.
ولا خفاء أن حال عبد المؤمن مع المقوم عليه من بقية المرابطين لا يخرج عن الحال التي تكلم عليها سُحْنُون والحالة التي تكلم عليها عز الدين، وحينئذ فبُغْض المكناسين للزرهونيين لأجل مبادرتهم لبيعة عبد المؤمن وإعانتهم له في حصار مكناس خارج عن القوانين الشرعية والسياسية، وإنما هو أمرٌ قَادَتْهُمْ إليه طبيعة النفوس على عادتها في مخالف هواها إلا من عصمه الله وقليل ما هم.
ويكفى اللبيب هنا أن يتذكر أن المغرب كله إنما سعد بقيام مولانا إدريس على بنى العباس فيه، وأن أهل وليلى الذين تفرقوا في جبل زرهون هم أهل اليد البيضاء في تلك الساعة بِبِدَارِهم دون غيرهم لمبايعته، وبكون سعادة باقى قبائل المغرب مكناسة وغيرهم في ذلك إنما كانت على يدهم وبحسب التبعية لهم ومن نتائج نصرتهم له وإشهار سيوفهم على كل من انقبض عن طاعته، ولم يحتم بمعاهدته، فسبقهم إلى ميادين هذه الخيرات عتيق، وقديما آووا منه إلى الركن الوثيق، فالإنصاف مقابلتهم على ذلك بالشكران، ولله در أبى العباس الحلبى إذ قال شاكرًا لهم على ذلك ومترنما بمديحهم في دره النفيس:
إن مدحت الماجدين أوربه وجد القلب بمدحى أَرَبَهْ
مدح من أيد إدريس الرضا ابن طه المصطفى ما أطيبه
ورضا مولى الموالى استوجبوا إذ أجابوه بما قد طلبه
وامتثال الأمر منهم فيهم كل فرد منهم قد أوجبه
واحمدن عبد الحميد المرتضى إذ دعاهم وإليهم حَبَّبَهْ
[ ١ / ٧١ ]
قاتلوا بين يديه جملة طالبين بره أو قربه
ليس منهم من فتى عند الوغى عن قتال خوف موت حجبه
بل لقد كان إذا مات الفتى منهم ألفى بموت طربه
ليس منهم ماجد إلا غدا لعدو بحسام ضربه
فاحمدن أنصار إدريس الرضا حمدهم قول المحب استوجبه
فعل أنصار بطه فعلوا مع إدريس الكرام أوربه
ربنا ارحمهم وأدخل جمعهم جنة الفردوس ذات المرتبه
اهـ.
وليت شعرى أى فضيلة حصلها المكناسيون وقتئذ من هاتيك الحروب والتفرد بالخلاف سوى الدمار والهلاك للآلاف المستكثرة من النفوس وتخريب البلاد والديار وهتك الحريم وإضاعة الأموال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
الرابعة: سبق أن أهل مصر وهم القبط قوم فرعون لم يحفظ في التاريخ تقدم ملك منهم ولا سلطنة على هذه الديار المغربية، وأن الكتابة الموجودة في أحجار قصر فرعون الدالة على بانيه ومملكته قديما هى لاتينية وقوطية نسبة للقوط بالواو بعد القاف المضمومة، وهم قبيل قيل إنهم من الإفرنج كما في تاريخ ابن خلدون وغيره.
وعليه فما وقع في "الدر النفيس" و"شرح الهمزية" لابن زكرى والأزهار العاطرة من أن قصر فرعون يذكر أنه من بنيان القبط أى بالباء الموحدة الساكنة بعد القاف المكسورة لا تعويل عليه ولا حجة في اشتهار ذلك القصر بالإضافة إلى فرعون، لأن الظاهر حمل ذلك على التشبيه، البليغ أى أن ذلك البناء القائم من تلك الأحجار العظيمة المحكمة الترصيف المقتضى للخلود في العادة هو كبناء فرعون المدعى للربوبية المقتضية للخلود.
[ ١ / ٧٢ ]
الخامسة: جزمنا أولا بأن بين مكناسة وقصر فرعون ثمانية وعشرين كيلو مترا، وبذلك جزم أيضا بعض من ألف في وصف مكناس من الأوربيين المعاصرين اعتمادًا على ما تحرر الآن بطريقة في المسافة المذكورة بعد تعيين نهجها وترصيفه، وعليه فما نقلناه بعد ذلئه عن ابن غازى من أن بينهما اثنى عشر ميلا يحمل على ما قدمناه في المسافة التي بين فاس ومكناس وفاس وتازا.
السادسة: قول ابن غازى السابق وكان ثم سوق غبار إلخ يعنى في المحل الذى به آثار البناء العتيق الضخم المذكور، وقد نسخ هذا السوق لا باعتبار الزمان ولا باعتبار المكان، وإنما يعمر السوق منذ أدركنا داخل الزاوية يوم السبت وعشية يوم الجمعة، نعم بعد انبساط الحماية كان بعض الحكام أشار بإبراز سوف البهائم لظاهر البلد فحول أولا بإشارته خارج باب عين الرجال منها، ثم نقل لوسعة عين خيبر خارج باب عين فكرة منها وعلى ذلك استمر الحال إلى الآن.
السابعة: بالسودان مدينة تسمى وليلى وأخرى تسمى أوليلى نبه عليهما الزيانى في رحلته، وقد قيل إن وليلى زرهون تسمى بطنجة أيضا حكاه ابن غازى في تكميل التقييد، وكذا كانت تسمى تيوليت وبوليبل، وقد يقال بوليبس كما تقدم، كما أن مكناسة كانت تسمى صلدا بالصاد وسلدا بالسين، وبحفظ المؤرخ لهذه الأسماء يفهم المراد من عبارات المؤرخين.
الثامنة: علم مما سبق أن قبيلة أوربة هم أهل وليلى في الزمن الإدريسى، وأن أهل وليلى هم الذين تفرقوا بجبل زرهون لما خربت قاعدة جبلهم وحاضرة البلاد وليلى، فيخرج من ذلك أن أهل زرهون هم قبيلة أوربة ولا زال الأوربيون به وخصوصا بالزاوية منه، وقد حفظت رسومهم القديمة العديدة هذه النسبة لهم، ومنهم أولاد ابن الخياط وأولاد بو يحيى وبيد بعضهم ظهائر ملوكية قديمة باحترامهم وتسويغ بعض الأملاك لهم رعيا لسابقتهم وهم متمسكون بها إلى الآن،
[ ١ / ٧٣ ]
وعليه فما وقع في "الروض" هنا بعد ما قدمناه عنه من قوله ويذكر أن أصل أهله يعنى جبل زرهون روم هـ لا يلتفت إليه وكأنه لذلك أشار بحكايته له بلفظ يذكر الحاكم بعدم ثبوته.
وقول "الروض" كانت البلاد ديار كفر مجوس ونصارى إلخ، قلت: أما المجوس فهو في الأصل معرب منج كوش -بضم الكاف- ومعناه قصير الأذن عرف به رجل صغير الأذنين كان في قديم الزمان اخترع دين المجوسية ودعا إليه فتوبع عليه، ثم بعد زمن سيدنا إبراهيم ﵇ نشأ رجل آخر اسمه زرادشت الفارسى فجرد هذا الدين المجوسى وأظهره وزاد فيه، وعلى يده دخلت الفرس فيه لثلاثين سنة خلت من ملك ملكهم يستاسب، فتمجسوا حينئذ عن آخرهم بعد أن كانوا في الطور الأول على دين سيدنا نوح ﵇، ثم صاروا في الطور الثانى لدين الصابئة واستمروا عليه نحو ألف سنة، ثم بعد ذلك صاروا في طورهم الثالث للمجوسية بدعوة زرادشت الذى يعتقدون فيه أنه نبى مرسل، وبإعانة ملكهم يستاسب كما بينا، ومدار دين المجوسية على تعظيم النار وسائر الأنوار والقول بتركيب العالم من النور والظلمة واعتقاد القدماء الخمسة، وهى عندهم: البارئ تعالى، وإبليس لعنه الله. والهيلولى، والزمان، والمكان وغير ذلك من تفاصيل المجوسية كما بينه صاعد الأندلسى في طبقات الأمم، وقد تولى بسط. تفاصيل هذا وبيان فرق أهله الإمام الشهر ستانى في "الملل والنحل" وغيره، فمن تعلق له غرض بها فلينظرها هناك، ومن نحل أهل المجوسية تفضيل الفرس على العرب وعلى سائر الأمم كذا في "صبح الأعشى" للقلقشندى المولود سنة ست وخمسين وسبعمائة المتوفى يوم السبت عاشر جمادى الأخيرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
قلت: وتفضيل المجوس للفرس على غيرهم هو تفضيل لأشراف أهل ملتهم على الغير اتباعا لحمية الجاهلية لا غير، ولعلهم بعد دخول الفرس في الإسلام لا
[ ١ / ٧٤ ]
يقولون بتفضيلهم كفعل اليهود في تفضيلهم لعبد الله بن سلام قبل علمهم بإسلامه وتنقيصهم له بعده والقضية في الصحيح، وأما حديث لو كان الإيمان بالثريا لأدركه رجال من فارس يعنى الفرس كما يأتى عن زروق فهو خاص في خاص ثم هو بيان لفضلهم لا لتفضيلهم.
والنصارى جمع نصران كالندامى جمع ندمان، ونصران صفة مشبهة كعطشان وسكران إلا أنه غير مستعمل، والمستعمل هو نصرانى بزيادة الياء التي للمبالغة، هذا إذا عبر به المفرد الواحد، وإذا أريد التعبير عن الأفراد المتعددة يقال نصارى، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية اسمها نصران أو ناصرة فسموا باسمها، أو من اسمها وعلى هذا فالياء ياء نسبة لا زائدة للمبالغة، ثم هى نسبة للملة والدين المسيحى فكل آخذ به فهو نصرانى من أى فريق كان وفى أى بلد كان.
وكذا النسبة في المجوسى فإنها دينية فكل آخذ بدين المجوس فهو مجوسى أيا كان، ولا كذلك الرومى والفرنجى وأشباههما، فإن النسبة في ذلك طينية وبلدية لا دينية.
وقرية ناصرة هى بطبرية على ثلاثة عشر ميلا منها، وفى معجم ياقوت وكان فيها مولد عيسى ﵇، ومنها اشتق اسم النصارى، وكان أهلها عيروا مريم فيزعمون أنه لا يولد بها بكر إلى هذه الغاية، وأن لهم شجرة أُتْرُج (١) على هيئة النساء وللأترجة ثديان وما يشبه اليدين والرجلين وموضع الفرج مفتوح، وأن أمر هذه القرية في النساء والأترج مستفيض عندهم لا يدفعه دافع وأهل بيت المقدس يأبون ذلك ويزعمون أن المسيح إنما وُلد في بيت لحم، وإنما انتقلت به أمه إلى هذه
_________________
(١) الأُترج: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي اللون، زكي الرائحة، حامض الماء. وهو كثير بأرض العرب، وتبقى ثمرته عليه جميع السنة.
[ ١ / ٧٥ ]
القرية، قال ياقوت: فأما نص الإنجيل فإن فيه أن عيسى ولد في بيت لحم، وخاف عليه يوسف من هاردوس ملك المجوس فأُرى في منامه أن احمله إلى مصر، فأقام بمصر إلى أن مات هاردوس فقدم به القدس، فأُرى في المنام أن انطلق به إلى الخليل، فأتاها فسكن مدينة تدعى ناصرة (١).
كذا في تاج العروس.
قلت: ما في نص الإنجيل من أن عيسى ﵇ ولد ببيت لحم به جاءت رواية شداد بن أوس ﵁ في حديث الإسراء والحديث خرجه الطبرانى والبزار، وابن أبى حاتم وابن مردويه، والبيهقى وصححه خلافا لإنكار ابن تيمية له وإن كان تابعا في إنكاره لابن حبان وابن الجوزى في موضوعاته، وقد وافق على ذلك الذهبى في الميزان.
لكن كلام هؤلاء إنما هو في إنكاره من رواية أبى هريرة ومع ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" إن الموضوع في تلك الرواية شئ خاص وهو قوله ثم أتى بى إلى الصخرة فقال يا محمد، من هاهنا عرج بِكَ إلى السماء وأما باقى الحديث فقد أتى من طرق أخرى منها الصلاة في بيت لحم وردت في حديث شداد بن أوس والله أعلم ثم هذا الذى نقله في تاج العروس عن ياقوت عن الإنجيل هو في إنجيل متى إلا أن الذى نقله عنه الشيخ عبد الله الأسلمى أحد أحبار النصارى الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وساقه بواسطته الزيانى في رحلته هو أن الخائف على عيسى هى أمه مريم، وأنها هى التي أمرها ملك في المنام بالخروج به لمصر قال وهذا الذى وقع في إنجيل متى لم يقع في بقية الأناجيل الأربعة. انظر تمامه فقد استدل بذلك مع غيره على أن متى ساق ذلك في إنجيله تبعا لبعض الكذابين لا غير.
_________________
(١) الخبر بطوله لدى ياقوت - ٥/ ٢٥١.
[ ١ / ٧٦ ]