وكما يوجد السبع بالمحلين المذكورين بجروان، يوجد النمر والفهد بهما أيضا وكلاهما ضرب من السباع. الأول يشبه الأسد غير أنه أصغر منه وأخبث أخلاقا وأشجع قلبا منقط جلده بنقط سود يقال له بلسان البربر أَغَلْياس -بفتح الهمزة والغين المعجمة وتسكين اللام بعدها مثناة تحتية- وهو لا يعدو على الإنسان غالبا وإنما يفتك بالمواشي ولا يتخذ محلا لسكناه غير رءوس الشجر.
والثاني ضيق الخلق شديد الغضب طويل النوم يضرب بكثرة نومه المثل فيقال أنوم من فهد، ويسمى بالبربرية ووغل -بواوين أولاهما مفتوحة وثانيتهما ساكنة بعدها غين معجمة مفتوحة- ولا يؤذي من الإنسان إلا من هجم عليه بمحله، ويعدو بكثرة على ما سواه، ويوجد الكل بكثرة بقبيلتي زيان وبني مجيلد النازلتين وراء قبيلة جروان.
فصل: قال في "الروض" قيل: ولم يكن لهذه الحوائر قديما مدينة مسورة وكان واليها يسكن قصرًا أدركه القدماء خرابا يعرف بقصر ترزحين، ولعل جيمه معقودة، وهو على ربوة من الأرض شرقا من بني زياد، وغربًا من وادي فلفل وجوفا من المدينة الآن. فلما ظهر أمر الموحدين أحدث المرابطون على الوادي المذكور غربا منه حصنا سموه تاجرارت بالجيم المعقودة وكذلك بقي اسمه، وتفسير هذا اللفظ المحلة أو المجتمع بلسان البربر هكذا قيل (١)، انتهى. من خطه.
قلت: أما ترزجين -فبتاء مضمومة بلسان بعدها راء مضمومة فزاي ساكنة فجيم مكسورة فياء ساكنة فنون- وكأن هذا القصر هو الحصن الذي عناه صاحب معجم البلدان فيما قدمناه عنه من قوله بينهما حصن، انتهى. كما تقدم.
والبينة ظاهرة مما وصفه ابن غازي هنا كما فيما سبق أيضًا على أن ما حكاه ابن غازي هنا من أن مكناسة القديمة وهي التي عبر عنها بالحوائر لم تكن فيها مدينة مسورة، دليل على أن مدينة وَلِيلَي ليست داخلة عنده في مسمى مكناسة
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٩.
[ ١ / ١١٣ ]
القديمة وقد مر بسط ذلك، وأما تاجرارت -فبتاء مفتوحة بعدها ألف فجيم فراء فألف فراء فتاء ساكنة- وما وصف به قصر ترزجين ينطبق تمام الانطباق على ناحية برج العريفة الشهير الكائن بحارة بني موسى قرب الجنان المنسوب للعريفة المشار لها أيضًا بالمحل.
فالظاهر أن القصر كان هنالك فخرب وأحدث بعده البرج المذكور زمن سيدنا الجد المولى إسماعيل قدس سره، وإن كان عدم تعيين ابن غازي لقصر ترزجين بكونه من ورزيغة أو بمجاورته لها وعدوله إلى التجوير بغيرها كما تراه يبعد ما قلناه كما يبعده أيضًا ما يأتي قريبًا في سوق الغبار من كونها إزاء قصر ترزجين . إلخ، والله أعلم.
وتفسير تاجرارت بالمحلة في لسان البربر به جزم ابن خلدون في تاجرارت التي حور تلمسان فلعل ابن غازي إليه أشار بقليل، وكذلك جزم بذلك الزياني في رحلته وهو من علماء البربر، وإن كنت قد سألت غير واحد من البربر عن تفسير تاجرارت بالمحلة فنفاه وجزم بعدم وجوده في لسانهم، وأنهم وإنما يقولون المحلة وبعضهم يقول تمحلت بزيادة مثناة فوقية قبل الميم.
كما أني بحثت عن لفظ أسكل الآتي قريبًا وإطلاقه على مفرد الاهرية المتخذة من الدوم فجزم بعدم وجود هذا اللفظ عندهم.
ثم قال في "الروض": وهذا الحصن هو المدينة الموجودة لهذا العهد، فلما أخذوا في بنائها اجتهدوا فيه وأعجلهم الأمر حتى احتاجوا على ما يحكي إلى إقامة شقة من سوره بالأهرية المتخذة من الدوم لادخار الأطعمة، وسمى واحدها بلسان البربر أسكل، وملئوها ترابا، وقاتلوا دونها حتى أكملوا البناء بعد ذلك (١).
وفي القطر الغربي من أبراج سورها برج مبني بالحجر والجيار بناء محكمًا يسمى برج ليلة، سموه بذلك، لأنه بني من ليلته فيما زعموا، ونقل الوالي بدر بن
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٩ - ٦٠.
[ ١ / ١١٤ ]
ولجوط - بالجيم المعقودة إلى المدينة المذكورة وجوه الناس وأغنياءهم ولم يترك من الأقوات شيئا إلا نقله إليها، وترك جمهور الناس في مواضعهم.
فأول غارة شنها المُوَحّدون على تلك الأرض بسوق الغبار يوم الأحد، وذلك أنه لما وضعت هذه الموضوعات على الصفة المذكورة من التفرق كانت لهم سوق غبار بإزاء قصر ترزجين المتقدم الذكر، وهو الذي يسمى بالسور القديم -بالراء- أو بالسوق القديم -بالقاف- كما يجرى على ألسنة الناس اليوم.
ومسجد الحصن المذكور وصومعته لم يزالا قائمين لهذا العهد، وكان أهل القصر وأهل الحوائر يجتمعون إلى تلك السوق كل يوم أحد، فبينما هم يوم أحد قد اجتمعوا وكملوا بالسوق المذكورة وهي بأرض مرتفعة إذ أشرفوا على خيل مقبلة إليهم في زي المرابطين اللثم والغفائر القرمزية والمهاميز التاشفينية والسيوف المحلاة والعمائم ذوات الذؤابات فلما رأى القوم هذا الزي، قالوا: تقوية السلطان جاءتنا وسارعوا للقائهم فرحين بهم وهبطوا عن آخرهم، فلما خرجوا عن منع القصر والسوق حسر الفرسان اللثم، ونادوا أبابا يا المهدي! وكان ذلك شعارهم وأجالوا السيوف عليهم، ولم ينج منهم فيما ذكروا أحد وكانوا آلافا -﵏ (١).
وما زال الناس لهذا العهد يتحدثون أن المقابر التي عند باب مسجد السوق القديم هي مقابر شهداء، فلعلهم هم والله تعالى أعلم (٢).
وكان الموحدون حينئذ يسمون الناس المجسمين ويقاتلونهم قتال كفر وكان الناس يسمونهم الخوارج (٣)، ولم تزل الغارات تشن عليهم فيقتل الرجال وتسبى النساء والذرية وتستباح الأموال، والتضييق يتوالى والمكايد تدبر والحيل تدار حتى ضاق ذرع الناس بكثرة الوقائع عليهم (٤).
ومن الأخبار التي كانت مشتهرة عند أهل الوطن أنه كان بأحواز تاورا شجرة
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٦١.
(٢) الروض الهتون - ص ٦١.
(٣) الخوارج: أى المخالفين للمهدى.
(٤) الروض الهتون - ص ٦١.
[ ١ / ١١٥ ]
كبيرة من النشم الأسود المسمى بالتغصاص بإشمام الصادين زايين، وربما يكتبه المتفاصحون، التقصاص -بقاف وصادين- فبينما الناس قد انبسطوا لتدبير أشغالهم ومعايشهم إذ فاجأتهم الخيل وأحاطت بهم فلجأوا إلى تلك النشمة وظنوا أن النجاة فيها، فتعلق بها منهم خلق كثير، وضم الموحدون الحطب لتلك الشجرة وأضرموا النيران حولها، فسقط كل من كان فيها واحترقوا عن آخرهم، واحترقت النشمة بقيت منها بقية مدة من الزمان، وكانت عند أهل الأوطان من جملة مواعظ تلك الفتنة (١)، انتهى. من خطه.
قلت: ومما يرجع للخبر الأخير ما رأيته في كتاب "أخبار المهدي ابن تومرت" لعصريه مؤرخ دولته أبي بكر الصنهاجي المدعو البيدق صحيفة ٦٥: أنه لما خرج المعصوم من فاس نزل بمغيلة عند يوسف بن محمد وعبد الرحمن بن جعفر ثم منها نحو مكناسة، فلما أشرفوا على الكدية البيضاء نظر إلى الكدية فإذا بها مملوة رجالا ونساء تحت شجرة لوز، قال فدخل المعصوم فيهم ميمنة وميسرة وبددناهم يمينا وشمالا، ثم سار إلى السوق القديم ونزلنا به بمسجد أبي تميم عند الحسن بن عشرة، انتهى. فلينظر مع ما لابن غازي.
أما الموحدون فهم دولة بني عبد المؤمن من كومة القائمين بمملكة المغرب بعد دولة المرابطين، سماهم بذلك أول قائم بدعوتهم، وهو المهدي بن تومرت لزعمه أن كل من لا يجري على مقتضى العقيدة التي جمعها هو بلسان البربر المبنية على اعتماد طريق الخلف من تأويل المتشابه ومنافرة طريق السلف من إقرار نصوص المتشابه كما جاءت، فهو كافر مجسم، وأن التوحيد منحصر في أصحابه الذين تعلموا عقيدته، وبهذا السبب أباح لأصحابه قتل من عداهم قتال كفر، وسوغ لهم سباياهم وغنائمهم وسهل على نفسه وعلى أصحابه بذلك سفك دم المسلمين من غير توقف، وارتكب بذلك داهية عمياء.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٦١ - ٦٢.
[ ١ / ١١٦ ]
وقد كان المرابطون الذين اغتصب هو وأتباعه ملكهم على طريق السلف في اعتقادهم، وكانوا من متانة الدين بالمكان المكين، ومن دوام العدل ما أكسبهم مزيد التمكين، إلا أنهم كانوا على سذاجة بداوة لم تفارقهم.
ومن رشحاتها أن الإمام أبا حامد الغزالي لما صنف في أيامهم كتابه "إحياء علوم الدين" ووصلت نسخة إلى الأندلس وإلى المغرب الأقصى فرآها علماؤه على طرز جديد لم يعهد، أنتجته مهارة أبي حامد في العلوم التي من جملتها علوم الفلسفة، أنكروها وبثوا إنكارها في قلوب أمرائهم المرابطين حتى اتفقوا معهم على التقاط نسخة وجمعها وإحراقها، ونفذ الأمر بذلك بقرطبة من الأندلس، فوصل خبر ذلك إلى الإمام أبي حامد وكان ابن تومرت وقتئذ يتعلم عنده في مدرسته ببغداد فحينئذ رفع أبو حامد يده إلى السماء ودعا بتمزيق ملك المرابطين كما مزقوه، فعلم ابن تومرت أن دعوة أبي حامد في ذلك دعوة مظلوم لا ترد فقال له: يا إمام، ادع الله أن يجعل ذلك على يدي، سأل ذلك منه مرتين فأجابه الغزالي في الثانية بقوله: اخرج يا شيطان فسيجعل الله ذلك على يدك فخرج قاصدا لذلك في زي ناسك متقشف ينشر العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى أن تم له بذلك الناموس الأمر مع ما سبق في علم الله الأزلي من قضاء ابن تومرت أول أمراء الموحدين على دولة المرابطين، مع ما وصفنا من متانة دينهم ومزيد عدلهم وكون أيامهم كانت أيام خصب وفتح بقطع شافة ملكهم، ومن توغل الموحدين في سفك دماء المسلمين بدون توقف هذه الوقعة التي حكاها ابن غازي التي أوقعوها على غدر وغفلة بعمار السوق القديم من أهل مكناسة الزيتون، فإن قال قائل إن ما جزمتم به من حضور ابن تومرت حين دعاء الغزالي على المرابطين بتمزيق الملك يخالفه توقف صاحب الاستقصا في ذلك حيث عبر بقوله يقال إنه كان حاضرًا إلخ، قلنا: إن صاحب الاستقصا حيث عدم في الجزم المناط. تحرى
[ ١ / ١١٧ ]
في النقل واحتاط، وذلك شأن الفضلاء أهل الصدق والأمانة في هذا البساط، لاسيما وهو إنما كتب ما حنشه ابن خلدون بقوله: ولقي أبا حامد فيما زعموا إلخ، وأما الانتقاد على الجازم بالمتوقف كما فعل السائل فهو محض غلط إذ المهيع المعروف والمنهج المتبع المألوف، هو أن من حفظ حجة على من لم يحفظ لا العكس.
والذي جزمنا به هو الذي جزم به الحفاظ قبلنا وقبل صاحب الاستقصاء بأزمنة طوال، ودُهُورٍ خَوالٍ، ففي الصحيفة الثالثة والثلاثين والمائة من الجزء الأخير من النسخة المطبوعة من "معيار" الحافظ أبي العباس الونشريسي عن ابن القطان في كتابه "نظم الجمان". فيما سلف من أخبار الزمان. عن عبد الله بن عبد الرحمن العراقي شيخ مسن من سكان فاس، قال: كنت ببغداد بمدرسة أبي حامد الغزالي فجاء رجل كث اللحية على رأسه كرزى صوف فدخل المدرسة وحياها بركعتين ثم أقبل على الشيخ أبي حامد فسلم عليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المغرب الأقصى، قال: دخلت قرطبة، قال: نعم، قال: فما فعل فقهاؤها؟ قال: بخير، قال: هل بلغهم الإحياء؟ قال: نعم، قال: فماذا فعلوا فيه؟ فلزم الرجل الصمت حياء منه، فعزم عليه ليقولن ما طرأ فأخبره بإحراقه وبالقصة كما جرت.
قال: فتغير وجه الشيخ أبي حامد ومد يده إلى الدعاء والطلبة يؤمنون، فقال: اللهم مزق ملكهم كما مزقوه، وأذهب دولتهم كما حرقوه، فقام محمد بن تومرت السوسي الملقب بعد بالمهدي عند قيامه على المرابطين فقال له: أيها الإمام ادع الله أن يجعل ذلك على يدي فتغافل عنه أبو حامد فلما كان بعد جمعة إذا شيخ آخر مثل شكل الأول فسأله أبو حامد فأخبره بمثل الخبر المتقدم فتغير وجهه ودعا بمثل دعائه الأول فقال المهدي على يدي فقال: اخرج يا شيطان سيجعل الله ذلك على يدك فقبل دعاءه وخرج ابن تومرت من هناك إلى المغرب برسم تحريك. الفتن، وقد علم أن دعوة ذلك الشيخ لا ترد فكان من أمره ما كان، انتهى.
[ ١ / ١١٨ ]
وفي كتاب "المعجب في تلخيص أخبار المغرب". ما مضمنه: وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل بكتبه، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبنَّ عن قليل ملكه -يعني فاعل ذلك بكتبه- وليُقتلنَّ ولده وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا! وكان ابن تومرت يحدث نفسه إذ ذاك بالقيام فقوي طمعه، وكَرَّ راجعا من بغداد إلى ما قدر له (١)، انتهى.
وكان تاريخ هذا الإحراق سنة سبع وخمسمائة هـ.
وعلي هذه الصورة جلبه عنه الشيخ الرهوني في الشهادات من حواشي الزرقاني له مسلما، وإن كانت النسخة المنقول عنها من المعيار وقع فيها إسقاط بعض ما هو ثابت في نقل الرهوني الذي اعتمدناه، وكذا نقل هذه القصة على الوجه المذكور ابن الخطيب في "الحلل الموشية" إلا أنه أسقط منها قول الغزالي: اخرج يا شيطان إلخ.
وقد كانت بيعة المهدي بخصوص جبل درن منتصف رمضان عام خمسة عشر وخمسمائة، ومن ذلك الحين ظهر أمره وصارت زحوف أتباعه تهاجم كل من انقبض عن بيعته، ومنهم أهل مكناسة كما نبه عليه ابن غازي فيما تقدم، نعم بناء حصن تاجرارت محل المدينة الآن كان سنة خمس وأربعين وخمسمائة كما جزم به. ابن أبى زرع، وفيه كان تخريب مكناسة القديمة، وفيه فتح الموحدون مكناسة بعد حصارهم إياها سبع سنين فأزيد، كذا عند أبي زرع لكن الذي صحح ابن غازي أن المدة أربع سنين وأشهر، وذلك في إمارة عبد المؤمن بن علي.
قلت: هذا كلامهم في هذا المحل ولي فيه إشكال، وهو أن حصار سبع سنين أو أربع إن كان على مكناسة القديمة التي أفصح ابن غازي بأنها كانت حوائر غير ممدنة ولا مسورة، فحصار ما كان بهذه الصفة من عدم التحصين لا يستدعي
_________________
(١) المعجب في تلخيص أخبار المغرب - ص ٢٤٥ - ٢٤٦.
[ ١ / ١١٩ ]
تطويل المنازلة إلى هذه السنين، لا سيما والحوائر في محل ليس بمنيع، إذ لا تحول دون منازله عقبة كئود ولا جبل عال شديد، كيف وقد قتل منازلوهم منهم في أول غارة شنوها عليهم آلافا متعددة في ساعة واحدة كما سبق عن ابن غازي، زد على ذلك ما ذكره واصفو هذا الحصار من أن الموحدين خندقوا على مكناسة في حصارهم إياها خنادق متعددة، ولا خفاء أن عيش أهل مكناسة على كثرتهم طول تلك المدة مع هذا الحصار الموصوف بعيد لأن ذلك الطول يهلك الزرع، والظهر، والضرع، وسائر ضروريات العيش.
ومن المعلوم أن الثروة التي تحمي صاحبها من الهلاك مع الطول إنما توجد في كل زمان عند بعض الأفراد لا عند عموم الناس ولا عند جمهورهم، ثم لو فرضنا أن أولئك الأفراد شركوا العموم في منافع ثروتهم، فإن ذلك مع انقطاع المادة يئول عن قريب بالجميع إلى الإفلاس، فأني يتأتي والحالة هذه الخلاص لمقاومة ذلك الطول: وإن كان الحصار على المدينة الجديدة المحصنة وهي تاجرارت كما يصرح بذلك كلام ابن غازي الآتي، فقد سبق عن ابن أبي زرع أنها فتحت في العام الذي بنيت فيه، فأين كانت حينئذ مدة حصار سنة كاملة فضلا عما راد عليها؟ ثم كلام ابن غازي في هذا المحل خال عن الترتيب. بعيد عن التحرير والتهذيب، فإنه ذكر أولا بناء تاجرارت وأن القتال وقع قبل إكمال سورها، وهذا يقتضي أنها بنيت كلا أو بعضا وقت الحصار، ثم ذكر قضية السوق القديم بعدها وهي دالة على أن أهل مكناسة وقتئذ لم يكونوا على أهبة قتال ولا استعداد لحرب، وهذا لا يتأتي إلا قبل الحصار، وهو خلاف ما دل عليه ما سبق من كلامه وكذا هذا التنافر واقع بين ما ذكره في قضية النشمة وما قدمه في بناء تاجرارت ولو قدم حكاية السوق القديمة والنشمة على حكاية تاجرارت لمسلم من هذا التدافع كلامه فتأمل ذلك كله.
[ ١ / ١٢٠ ]
وأما برج ليلة الذي ذكره ابن غازي فقد اندثر ولم يبق له الآن رسم ولا طل، وقد قيد بعضهم على كلام ابن غازي هنا ما صورته هدم هذا البرج سنة خمس وتسعين أو أربع وتسعين وزيد موضعه في المدينة حين هدم جميع سورها وزيد ما وراءه غربا في المدينة، وبقي موضع هذا البرج إلى سنة إحدي وعشرين، وبني في موضعه الوزير أبو زكريا يحيى المعروف بالمريني سقاية نفيسة ومسجدا فوق صاباط على ممر بين الباب الجديد وباب البراذعين وصومعة، وأوقف عليه أحباسا كثيرة كما هي عادته تقبل الله منه.
وسميت هذه الزيادة التي وراء السور جناح الأمان، وكان يعرف هذا السور عند من أدركناه ببرج الانفاض، انتهى.
قلت: أفادني بعض أجلاء فضلاء العصر ممن له معرفة بخطوط الأئمة أن خط ذلك التقييد والنسخة المقيد على هوامشها هو خط الفقيه الصالح الرحال أبي على الحسن صديق الشيخ السيد صالح الشرقاوي العمري وناسخه، وعليه فلا ريب أن هدم البرج المذكور كان في دولة سيدنا الجد المولي إسماعيل لأنه هو الذي هدم سور المدينة، وزاد ما وراءه غربا في المدينة فيكون المراد بسنة خمس في عبارة التقييد المذكور سنة خمس وتسعين بعد الألف.
والمسجد الذي بناه زكريا لا زال إلى الآن قائم العين والاسم فوق الساباط المذكور ويعرف بمسجد سيدي يحيى، وقد كان فيما سلف أشرف على الاندثار، وفي هذه الأزمنة الحاضرة جدد كما جددت سقايته بعد ما تناولتها أيدي الاندثار أزمنة طوالا، بعد أن كان تعذر وصول الماء إليها، إلا أنها ليست الآن على ما وصفت به من النفاسة، ومن هذا الساباط إلى ناحية الباب الجديد يسمى الآن سويقة زعبول -بفتح الزاي المعجمة وسكون العين المهملة بعدها باء موحدة فواو ساكنة فلام- وسويقة مصغر: سوق، ومن هذا المحل إلى مسجد باب البراذعيين
[ ١ / ١٢١ ]
كله يسمى بجناح الأمان وجناح الأمان هو الذي على يسار المار من باب الجديد إلى مسجد البراذعيين.
وأما ما على اليمين فإنما اكتسب تلك التسمية بالمجاورة، وأما الصومعة التي ذكر فلم يبق لها لهذا العهد رسم ولا وسم، وأما يدّر -بتشديد الدال وسكون الراء- فهو لفظ بربري، معناه بالعربية: يعيش، وولجوط لفظ بربري أيضا معناه بالعربية الشجاع، والمعنى يعيش ابن الشجاع.
وأما سوق الغبار الذي وصفه فلا يعرف له اليوم اسم ولا رسم، نعم ما وصفه ابن غازي به يكاد ينطبق على المحل المعروف بذراع اللوز الكائن خارج باب البراذعيين أحد أبواب العاصمة المكناسية الآن شمال المحل المعروف هناك ببرج العريفة يمتد عنه للغروب، وهو مشرف على حارة تاورا شمالا وعلى حارة بني موسى غربا، وبطرفه أعلى المحل المعروف بباب جَمّال -بفتح الجيم وتشديد الميم- أشجار من اللوز والزيتون، وقرب برج العريفة المذكور أثر بناء قديم يعرف الآن بالفنيدق.
وأما قبور الشهداء المشار إليها فهي التي على يمين المار من الباب المذكور لضريح الولي الشهير مولانا عبد الله بن حمد، وعلى يسار المتوجه منها لباب تزيمي أحد أبواب العاصمة أيضا الذاهب في الطريق المعروفة بقصبة الأعواد تصغير قصبة، والمقابر المذكورة تحيط بها أطلال سور قديم وليس ثم أثر صومعة، أما المسجد فلا زال أثره قائم الأطلال ممتلئ بالأزبال والقذرات، موقعه على يمين الخارج من باب البراذعيين بمقربة من قبور الشهداء، وكان به أثر سقاية وقنوات، وربما لا زالت تحت الأزبال إلى الآن، ويطلق الآن اسم السوق القديم على محل بزرهون موقعه بالموضع المعروف باب الرميلة بين الزاوية الإدريسية ومداشر موساوة وحمراوة، والأمغاصيين، إلا أن ما وصف به ابن غازي السوق القديم لا ينطبق على هذا المحل.
[ ١ / ١٢٢ ]