أن الأشعري مر بعد الاعتزال بطور واحدٍ وهو: اتباع منهج السلف الصالح. ولكن منهج السلف في نظرهم هم الأشاعرة والكلابية، وهذا ما اتجه إليه أغلب الباحثين والمؤرخين لحياة الأشعري، فإنهم لا يذكرون في الغالب إلا طورًا واحدًا بعد الاعتزال:
١ - فابن النديم أقدم من أرخ للأشعري ذكر في الفهرست: أن الأشعري كان معتزليًا ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن (^١). فهو هنا لم يذكر إلا طورًا واحدًا بعد الاعتزال. وهكذا أغلب من ترجموا للأشعري لم يذكروا له إلا طورًا واحدًا.
٢ - أبو بكر ابن فورك حيث قال: انتقل الشيخ أبو الحسن من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية وصنف بذلك الكتب (^٢).
٣ - فوقية حسين: ترى أن الأشعري مر بعد طور الاعتزال بطور الانتماء إلى عقائد السلف، وبقي على هذا الطور حتى مات. وتعلن استبعادها لمختلف الفروض الأخرى، فهي ترفض أن يكون الأشعري صاحب موقف متوسط بين المعتزلة والسلف، كما ترفض فرضية أنه تخلص من مرحلة الاعتزال تدريجيًا، كما رفضت، الفرضية القائلة: بأنه
_________________
(١) انظر الفهرست ص ٢٢٥.
(٢) انظر تبيين كذب المفتري ص ١٢٧.
[ ١٥٩ ]
أخذ بأصول السلف ثم رجع إلى الاعتزال (^١).
٤ - وقد أيد إبراهيم برقان هذا الرأي، وذكر حجة غريبة له: وهي أنه ارتأى هذا القول من باب تعزيز الجوامع المشتركة دون التفصيل في مواضع الاختلافات (^٢).
٥ - فاروق الدسوقي حيث قال: إن الإمام الأشعري انتقل بشعلة الفكر الإسلامي المتوهجة من المنهج العقلي المتطرف عند المعتزلة إلى رواق أهل السنة والجماعة، حيث ظلال القرآن الكريم، والحديث الشريف، أما الذين أحدثوا عقيدة وسطًا بين المعتزلة وبين السلف فهم الأشاعرة اللاحقون على الأشعري، أما الأشعري فإن هذا الأمر يبدو لنا بعيدًا تمامًا عنه، فلقد ترك لنا الأشعري من أعماله الفكرية ما يجعلنا نضعه مع السلف الذين يتمسكون بظاهر النص مع التنزيه المطلق لله ﷿ كالحنابلة، والحجة البالغة على هذا القول كتابه الإبانة عن أصول الديانة، حيث يبدأ فيه بالهجوم العنيف على المعتزلة والجهمية والرافضة. كما أن الأشعري بين أن القرآن والسنة هما مصدرا العقيدة، وذكر أن طريقة الإمام أحمد بن حنبل في فهم هذين المصدرين ومنهجه في التعامل الفكري هو المنهج الصحيح، ومن هنا يحق لنا القول: بأن الأشعري في
_________________
(١) انظر الإبانة تحقيق فوقية ص ٣٤، ص ٩١، ٩٢.
(٢) انظر الإمام أبو الحسن وآراؤه الكلامية في اللمع ص ١٥.
[ ١٦٠ ]