شيوخه
أ - من الأمور الملاحظة أن المؤرخين الذين ترجموا للأشعري في الفترة الأولى من حياته لم يذكروا الكثير من سيرة الرجل وعلى من تلقى العلم سوى ما ذكره ابن عساكر عن ابن فورك أن والده كان من أهل الحديث ودليل ذلك أنه أوصى عند وفاته أن يتولى تربية ابنه زكريا بن يحيى الساجي وقد روى عنه أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة (^١). وهذه الوصية تبين لنا أن الأب أراد أن يكون ابنه من أهل الحديث وأن يسير على هذا الطريق المبارك طريق أهل السنة والجماعة البعيد عن أمزجة أهل الأهواء التي كانت موجودة في ذلك العصر.
ب - إن من الأمور الملاحظة أن الأشعري لم يكن مشهورًا بالرواية عن أهل الحديث مع كثرة المحدثين في عصره، سوى ما رواه عن بعض شيوخه في كتابه التفسير، ولعل الذي منعه من الاستفادة من المحدثين زواج والدته من أحد رؤوس الاعتزال أبي علي الجبائي الذي قام بتربيته تربية كلامية مما أثر على نشأته وحول مساره، ونقل المقريزي قول مسعود ابن شيبة عن سبب تمرس الأشعري في علم الكلام، فقال: «لأنه كان
_________________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٥.
[ ٤٤ ]
ربيب أبي علي الجبائي وهو الذي رباه وعلمه الكلام حيث تتلمذ على زوج أمه أبي علي الجبائي، واقتدى برأيه في الاعتزال عدة سنين حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عنها (^١). وهذا يؤكد أن زواج أمه من الجبائي غير مسار حياة الأشعري الأولى مما حرمه الاستفادة من أهل الحديث الذين كانوا متوافرين في عصره ولكن معاشرته لزكريا الساجي في بداية الطلب جعلته يروي عنه بعض الأحاديث، وعن غيره في التفسير. ولعلي هنا أذكر أبرز المشائخ الذين تتلمذ عليهم وهم:
١ - زكريا الساجي (^٢).
٢ - أبو خليفة الجمحي (^٣). نص على ذلك السبكي، وابن عساكر، والذهبي (^٤).
٣ - سهل بن نوح (^٥) وممن نص على ذلك ابن عساكر، والسبكي (^٦).
_________________
(١) انظر المقريزي، الخطط المقريزية (٣/ ٣١٤). وانظر تبيين كذب المفترى ص ٣٥، ٤٠٠ وشيخ الإسلام. انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٢٢٨.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٩٨، طبقات السبكي ٣/ ٩٩.
(٣) هو عبد الرحمن بن سلام بن عبيد الله الجمحي، مولاهم البصري، الإمام الثقة أبو حرب. حدث عن: إبراهيم بن طهمان، وحماد بن سلمة، وجماعة. وحدث عنه: مسلم، وأبو زرعة، وآخرون مات بالبصرة سنة ٢٣١ انظر سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٥.
(٤) انظر الطبقات ٣/ ٣٥٥، وانظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٦، والتبيين ص ٤٠٠.
(٥) بذلت جهدًا للحصول على ترجمة له فلم أجد وكل ما عثرت عليه هو قول السبكي بأن الأشعري قد روى عنه. انظر طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٣٥٥).
(٦) انظر التبيين ص ٤٠٠ والطبقات ٣/ ٣٥٥.
[ ٤٥ ]
٤ - محمد بن يعقوب المقبري (^١)، وقد نص على هذا التتلمذ ابن عساكر والسبكي (^٢).
٥ - عبد الرحمن بن خلف الضبي (^٣).
٦ - أحمد بن عمر بن سريج البغدادي (^٤). قال ابن كثير: وتفقه بابن سريج (^٥).
٧ - القفال الشاذلي (^٦). قال السبكي: القفال أخذ علم الكلام من
_________________
(١) لم أعثر على ترجمة كسابقه، وأقصى ما وجدته هو ما ذكره السبكي عنه بأنه بصري وأن الأشعري قد روى عنه بالتفسير. انظر طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٣٥٥.
(٢) التبيين ص ٤٠٠ والطبقات ٣/ ٣٥٥.
(٣) هو عبد الرحمن بن خلف بن الحصين، أبو محمد الضبي البصري، وهو ابن فضالة بن المبارك بن فضالة يعرف بأبي رويق. قدم بغداد وحدث بها عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وحجاج بن نصير الفساطيطي، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن كثير، وإبراهيم بن بشار، وعبد الله بن رجاء العداني، ومحمد بن عمر الرومي روى عنه أبو محمد بن صاعد، والقاضي أبو عبد الله المحاملي، ومحمد بن جعفر المطيري، وإسماعيل بن محمد الصفار. وقال الخطيب البغدادي: وما علمت به بأسًا. توفي ﵀ سنة [٢٧٩] هـ بالبصرة. انظر تاريخ مدينة السلام (١١/ ٥٦٤، ٥٦٥).
(٤) قال عنه الذهبي: الإمام شيخ الإسلام، فقيه العراقيين، أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، صاحب المصنفات ولد لبضع وأربعين ومائتين، سمع من: الحسن الزعفراني، وأبي داود السجستياني، وطبقتهم. توفي ﵀ سنة [٣٠٣ هـ] انظر سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٠١) والفهرست (ص ٢٩٩).
(٥) انظر البداية (١٥/ ١٠١).
(٦) قال الذهبي: هو الإمام العلامة الفقيه الأصولي اللغوي، عالم خرسان، أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي الشافعي القفال الكبير، إمام وفقيه بما وراء النهر، وصاحب التصانيف. قال الحاكم: كان أعلم أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلة في طلب الحديث. سمع أبا بكر بن خزيمة، وابن جرير الطبري، وطبقاتهم، وحدث عنه ابن مندة والحاكم. انظر سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣).
[ ٤٦ ]
الأشعري، والأشعري كان يقرأ عليه الفقه، كما كان هو يقرأ عليه الكلام (^١).
٨ - أبو علي الجبائي (^٢):
٩ - أبو إسحاق المروزي: - حيث نص ابن خلكان على هذا حيث قال: «وكان أبو الحسن يجلس أيام الجمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور ببغداد (^٣)» (^٤). وقد سبقه إلى هذا القول الخطيب البغدادي حيث قال: «وكان يجلس أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٠٢.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٢٢٨.
(٣) بغداد: أم الدنيا وسيدة البلاد، قال ابن الأنباري: أصل بغداد للأعاجم، والعرب تختلف في لفظها إذ لم يكن أصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم، قال بعض الأعاجم: تفسيره (بستان رجل) فباغ بستان، وداد اسم رجل. وقال حمزة بن الحسن: بغداد اسم فارسي يعرب عن باغ دأدويه، ويقال كان أحد ملوك الفرس اختطها وأراد أن يسميها (ادخلوها بسلام)، فلما بناها المنصور العباسي سماها (مدينة السلام)، وهي على نهر دجلة وعاصمة الدولة العباسية، وهي عاصمة العراق حاليًا، وأكبر مدنه وتشتهر بصناعة الحديد والصلب والغزل والإلكترونيات. للاستزادة: ينظر معجم البلدان ١/ ٣٦٠ وموسوعة المدن العربية ص ٢٣٦.
(٤) انظر وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٤.
[ ٤٧ ]
المروزي الفقيه في جامع المنصور» (^١). وهؤلاء هم الذين عثرتُ عليهم من مشايخ الأشعري، وقد أراد ابن عساكر - ﵀ - أن يعلل لعدم استفادة الأشعري من أئمة الحديث بعلة غير مقنعة، عندما قال: «وأما علم الحديث فقد سمع منه قدر ما تدعوه الحاجة إليه، وحصل منه ما يسع الاعتماد في الاستدلال عليه، وقد روى في تفسيره أحاديث كثيرة عن سهل بن نوح البصري، ومحمد بن يعقوب المقري وعبد الرحمن بن خلف الضبي، وأبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي وأبي يحيى زكريا ابن يحيى الساجي وغيرهم، وإنما لم ينشر عنه الحديث بالرواية لأنه كان قد قصر همته على الدراية وصرفها إلى ما تقوى به الأصول، فلهذا عز إلى حديثه الوصول» (^٢) قلت: وهذا لا شك، تعليل عليل، وكان من الأفضل الاعتذار له بزواج أمه من ذلك المعتزلي الذي حرمه وأبعده عن أهل الحديث. ومع هذا كله فليس لأحد من هؤلاء العلماء أثر على حياته إلا الجبائي، وقد أنقذ الله ﷿ الأشعري من ذلك التأثير.
_________________
(١) انظر كتاب تاريخ مدينة السلام ١٣/ ٢٦٠.
(٢) انظر. كتاب تبيين كذب المفتري صـ ٤٠٠.
[ ٤٨ ]