وقد مرَّ تفسير عبدٍ. ومَنَاف: صنَم، واشتقاقه من ناف ينوف وأناف ينيف، إذا ارتفعَ وعلا. وكانَ أصلُ مناف مَنْوَف، أي مفعَل من النّوف، فقلبوا فتحة الواو على النون فانفتح ما قبل الواو فصارت ألفًا ساكنة وكذلك يفعلون. والنَّوف: السِّنام، وبه سمِّي الرجل نَوْفًا. وبنو مَنافٍ: بطنٌ من بني تميم، وهو مَناف بن دارم. والبعير الآنِف والأَنِف، فالآنف في وزن فاعل، والأنِف في وزن فَعِل، وهو البعير الذي قد أوجعه الخِشاشُ في أنفه، فهو ينقاد لصاحبه طَوعًا. وناقةٌ نِيافٌ: طويلة مرتفِعة، وكان الأصل نِوَافًا فقلبوا الواو ياء لكسرةِ ما قبلها. وكذلك يفعلون في نظائرها. وقولهم: نيَّفَ الرجلُ على الثمانين، أي زَادَ عليها. ومن ذلك نَيِّفٌ على عشرين، أي زائدٌ على العشرين. وقصر مُنِيف: عال مرتفع. والأَنِف من الأنَف. والأنْفُ أحسبه من ذلك، لأنّه مرتفعٌ في الوجه. وقال قوم: بل الأَنْفُ من الأنَفَةِ والأَنَف؛ لأنّه منه يبتدئ الغضب والْحَمِيّة قال الهذلي:
متَى نَجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارمًا وأنفًا حَمِيًَّا تجتنبْك المظالمُ
واجتلب هذا البيتَ الحارثُ بن ظالمٍ المُرّيّ في هجائه المنذرَ أو الأسودَ بن المنذرِ الملك لما قتل ابنَه فقال:
بدأتُ بِتيكُمْ وأثَّنيتُ بهذِهِ وثالثةٍ تبيضُّ منها المقادمُ
متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارما وأنفَا حميًَّا تجتنْبك المظالمُ
[ ١٦ ]
فغَطفان ترويه للحارث بن ظالم، ويرويه هلُ العلم لمالك بن حَريمٍ الهَمْداني.
وينسَب إلى عبد مناف مَنافيٌّ، لأنّه ثقل عليهم أن يقولوا عبد منافىّ، واقتصروا على أحد الاسمين، كما قالوا في عبد القيس: عبديٌّ، وفي عبد الله بن دارم: عبديّ، ولم يقولوا دارميّ ولا قيسيّ، مخافةَ الالتباس. وربما اشتقُّوا من الاسمين اسمًا فقالوا في عبد القيس: عَبْقَسيّ، وفي عبد شمس: عبشَمي، وفي عبد الدار: عبدريّ. واسم عبد مناف المغيرة، والمغيرة: الخيل تُغير على القوم، وفي التنزيل: " فالمُغِيراتِ صُبْحًا ". والمُغيرة مُفعِلة من الغارة، وكان أصله مُغْيِرة، الغين ساكنة والياء مكسورة، فقلبوا كسرة الياء على الغين وكسروا الغين وأسكنوا الياء. ويقال: أغار الرجلُ على القوم يُغِير أغارةً، والاسم الغارة وموضع الغارة مُغار، إذا اشتققته من أغار يغير. قال الشاعر:
أضَمْرَ بن ضَمرة ماذا ذكر تَ من صِرمةٍ أُخِذت بالمُغارِ
ويقال: أغَرت الحبلَ أُغِيره إغارةً، إذا شددتَ فَتْله. قال الشاعر:
كأن سَرَاتَه مَسَدٌ مُغارُ
ويقال: غِرتُ أهلي أَغِيرهم غِيرةً، إذا مِرتَهم من المِيرة. قال الهذلي:
ماذا يَغِيرُ ابنَتيْ رِيعٍ عويلُهما لا يرقُدان ولا بُؤسَى لمن رقدا
[ ١٧ ]
أي ما ينفعُهما من العويل؟ وقال بعضُ العرب لأمِّه وقد مات أبوه فبكته أمُّه وكان له إخوةٌ:
هل تَفقِدين من أبينا غَيرَه هل تَفقِدينَ خَيره ومَيرَهْ
أراكِ ما تبكين إلاَّ أيره
والغائرة: نِصفُ النهار. يقال غَوَّرنا بموضعِ كذا وكذا، أي قِلنْا به. وقال الأصمعي: تقول العرب: غَوَّرُوا بنا فقد أرمَضْتُمونا.
والغار: كهفٌ في الجبل. والغُوَير: موضعٌ معروف. ومثلٌ من أمثالهم: " عَسَى الغُوَيرُ أبؤسًا "، أي بِناحيته بُؤس. والمثل للزّبّاء. وغار الماء يَغُور غَورًا، إذا نَضَب. وغال النّجمُ غَورًا، إذا غاب. وغارت العينُ غُؤورًا من الهُزَال والتّعَب. قال الراجز:
كأن عينَيهِ من الغُؤور قَلْتان في صَفْحِ صفًَا منقورِ
أذاكَ أم حَوجلتا قارورِ
الغؤور: أسفل القارورة. وفي التنزيل: " أرَأَيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكُم غَورًا ". وغارت المرأةُ على زَوجها تَغار غَيرةً بفتح الغين، فهي غائر. وغارَ الرّجُل في غَور تِهامةَ، إذا دخَله. ولا يقال أغار فإنه خطأ. قال الأعشى:
نَبِيٌّ يَرَى ما لا تَرونَ وذكره لعمريّ غارَ في البلاد وأنْجَدا
ومن روى: أغار لَعمرِي فقد لَحَ، وأخطأ. والغِيَر: إعطاء دية
[ ١٨ ]
القتيل. قال الشاعر:
لنضربنَّ بأيدينا رءوسكم بين فُعَالة حتَّى تَقبلوا الغِيرَا
أي الدِّية. وبنو غِيرَة: بطنٌ من ثَقيف. يقال: رجلٌ غيرانُ من الغَيرة، إذا غار على امرأته، وامرأةٌ غَيرى. وفي حديث علي صلوات الله عليه، أن امرأةً قالت له: إنَّ زوجي زَنا بجاريتي. فقال لها: " إنْ كنتِ صادقةً رجمناه، وإن كنتِ كاذبة حَدَدناك " فقالت: ردُّوني إلى أهلي غَيْرَى نَغِرَة. أي يغلي جوفُها كما تغلِي القدر، نَغِر ينَغَر نغَرًا. وفي هذا الحديث من الفقه أنه لم يحدَّها إذْ رجَعت عن الافتراءِ على ما قَرفَت به زوجَها وتَرَكها لمَّا نكصَت.