ولد سنة وَنَشَأ منشأ آبَائِهِ الْأَمْثَال ومارس كثيرًا من معارك الْقِتَال وَصَارَ مَعَ عَمه الإِمَام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب من أعظم الرؤساء وَكَانَ يَبْعَثهُ في الْمُهِمَّات فيدفعها وَيقوم بحلّها وَتارَة كَانَ يعتقله لما يرى من ميل النَّاس إِلَيْهِ وعلو همته وترشيحه للخلافة
وَاتفقَ فِي أَيَّام اعتقاله أَنه عرض للمهدي مُهِمّ عَظِيم لَا يقوم بِهِ إلا صَاحب التَّرْجَمَة فَأخْرجهُ من الْحَبْس وأرسله فى طَائِفَة من الجيوش ثمَّ نَدم على ذَلِك وَعرف أَنه قد أَخطَأ فَبعث إِلَيْهِ ليعود فَمَا أسعد وَمضى لذَلِك المهم فقضاه ثمَّ بعد ذَلِك رغب النَّاس إِلَيْهِ وَأَرَادُوا أَن يبايعوه فَامْتنعَ معتذرًا بِأَنَّهُ لم يكن في الْعلم مُسْتَوْفيا للِاجْتِهَاد محيطًا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ في الإصدار والإيراد بل أَمرهم بِأَن يبايعوا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد صَاحب شهارة وَكَانَ من مشاهير الْعلمَاء وَبَايَعَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وتلقب بالمنصور بِاللَّه والحل وَالْعقد بيد صَاحب التَّرْجَمَة وَلَيْسَ للحسين إلا الاسم ثمَّ شرع في مناجزة المهدي فقاد إِلَيْهِ الجيوش وحاصره في الْمَوَاهِب
[ ٢ / ٤٢ ]
وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك فى سنة ١١٢٦ ثمَّ ان المهدي خلع نَفسه وَبَايع الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد وَكَانَ ذَلِك بعد محاصرة عَظِيمَة وحروب شَدِيدَة ثمَّ كثر الِاضْطِرَاب من الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فخلعه صَاحب التَّرْجَمَة وَمَال النَّاس إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ في سنة ١١٢٨ فَامْتنعَ المهدي عَن ذَلِك متعللًا بِأَنَّهُ إنما خلع نَفسه بِشَرْط أَن يكون الْخَلِيفَة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لاصاحب التَّرْجَمَة فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة الْحصار لَهُ وقاد إِلَيْهِ الجيوش فأذعن وَبَايع فِي سنة ١١٢٩ وَلم يخْتَلف بعد ذَلِك على المترجم لَهُ أحد من النَّاس وصفت لَهُ الْيمن وَثبتت قدمه وَكَانَ يسْتَقرّ غَالب الْأَيَّام بِصَنْعَاء وَيخرج فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى حِدة فيستقر فِيهَا وَله بهَا دَار عَظِيمَة عمّرها ومسجدًا بجنبها وَقد صَار الْجَمِيع حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف خرابًا
وَكَانَ لَهُ من الشجَاعَة مالم يكن لغيره فَإِنَّهَا اتفقت مِنْهُ قضايا تدل على أَنه فِي قُوَّة الْقلب وثبات الْجنان بِمحل يقصر عَنهُ غَالب نوع الْإِنْسَان وَلَو لم يكن من ذَلِك الا ماوقع مِنْهُ من الْقَتْل لرئيس حاشد وبكيل الْمَعْرُوف بِابْن حُبَيْش فَإِنَّهُ قَتله فِي بَيته وَبَين قبيلته وَلَيْسَ مَعَه من يقوم بِحَرب بعض الْبَعْض من اتِّبَاع ابْن حُبَيْش ثمَّ تم ذَلِك الْأَمر وَسلمهُ الله
وَصَارَت هَذِه الْقَضِيَّة تضرب بهَا الْأَمْثَال وَلَا سِيمَا فِي عصره وَمَا يقرب من عصره لاستعظامهم لمقدار ابْن حُبَيْش ولكثرة اتِّبَاعه
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من الْمحبَّة للْفُقَرَاء والإحسان إِلَيْهِم وإنفاق بيُوت الْأَمْوَال عَلَيْهِم مَالا يُمكن الْقيام بوصفه وَمَعَ هَذَا فَلهُ إِلَى آل الإِمَام من الْبر والبذل أَمر عَظِيم وَلم يرعوا لَهُ ذَلِك بل خَرجُوا عَلَيْهِ وفرّوا إِلَى بِلَاد الْقبْلَة وَاجْتمعَ مِنْهُم جمع كثير وَمن أعيانهم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد محسن بن
[ ٢ / ٤٣ ]
الْمُؤَيد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلًا يُقَال لَهُ الشجني كَانَ يلي بعض أَعمال صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقع مِنْهُ إِلَى جناب جمَاعَة من أَعْيَان السَّادة مالم تجر لَهُم بِهِ عَادَة من التَّسْوِيَة بَين أَمْوَالهم وأموال سَائِر الرعايا وَمَعَ ذَلِك فَمَا فازوا بشئ وَلَا نالوا خيرًا وَمَات السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا هاوم وَهُوَ كَانَ كَبِيرهمْ الذي يرشحونه للخلافة فَتَفَرَّقُوا بعد ذَلِك وَكَانَ جَمِيع ذَلِك فِي سنة ١١٣٦ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من المحاسن والحروب والفتكات مَالا يَتَّسِع لَهُ إلا سيرة مُسْتَقلَّة وَقد جمع لَهُ سيرة السَّيِّد محسن بن حسن بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي ثاني شهر رَمَضَان سنة ١١٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَولى بعده وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم حَسْبَمَا تقدّم فِي تَرْجَمته