فنقول: أصلها وَفَيَة، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علة سكنوها، فصارتْ وَفَيْة، فلما سُكنت الياء، وانفتح ما قبلها قُلبت ألفا، فقالوا: وَفَاة، ولهذا لما جمعوه رجعوا به إلى أصله، فقالوا: وَفَيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا: شجرة وشجرات. وقالوا في الفعل منه: تُوفِّي زيد، بضم التاء والواو كسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفي بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء.
وقد حُكي أن بعضهم حضر جنازة، فسأل بعض الفضلاء، وقال: من المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله تعالى، فأنكر ذلك، إلى أن بين له الغلط،
[ ١ / ٥٩ ]
فقال: قُل المتوفَّى بفتح الفاء، ذكر ذلك الصفدي في مقدمة تاريخه "الوَافي بالوفيات".
وذكر فيه أيضًا فوائد للتاريخ، وقال: منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم على بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر، خطيب "بغداد"، فتأمَّله، وقال: إن هذا مزوَّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضى الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين، ففرَّج ذلك على المسلمين غمًّا.
قال الصلاح الصفدي: وروي عن إسماعيل بن عيَّاش، أنه قال: كنت بـ "العراق"، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن مَعْدان، فأتيته، فقلت: أيّ سنة كتبت عن خالد بن مَعْدان؟.
فقال: سنة ثلاثة عشرة، يعني: ومائة.
فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالدًا مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحكم أبي عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشّي - بالشين والسين معًا - وحدث عن عبد اللّه بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كافٍ منها، واللّه أعلم.
[ ١ / ٦٠ ]