أمين التعليم المركز الدعوة الإسلامية، ميرفور، داکا، بنغلاديش.
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحديث بالنعمة
الحمد لله على ما أنعم وأكرم، أسبغ نعمه علينا ظاهرة وباطنة، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، أشهد من صميم قلبي أنه لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وأشهد شهادة صادقة أن محمدا نبينا عبده ورسوله، وأسأله وهو المولى الكريم أن يصلي ويسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النَّبِيّ المعظم، خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن من أهم علوم أهل الإسلام علم سير الأعلام النبلاء، وتاريخ أحوال الرواة من الثقات والضعفاء، رواة علوم الشريعة على اختلاف أنواعها، وتنوع أصنافها.
ولهذا العلم وحده شعب كثيرة جدا، من أهم تلك الشعب قسم تراجم الأئمة الفقهاء وطبقات أصحابهم وعلماء مذاهبهم في جميع الأمصار وعلى ممر الأعصار، ومن أنواع هذا القسم علم طبقات علماء الحنفية وفقهائهم.
والأسف أن هذا النوع من علم السير والتاريخ كان قد هُضِم حَقَّه من قديم الزمن، فنشكر القليلين الذين تَوَجَّهوا إلى تدوينه ولو على فترات، وباختصار شديد، وفي حدود ضيقة جدا، نشكرهم بعد حمد الله تعالى وشكره، فلولا تَوُجُّهُهم لحُرم المسلمون من هذه البقية الباقية أيضًا.
وكان شيخنا العلامة الفقيه، المحدث الناقد القدوة، مولانا الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، كثير الحض لطلابه على سد الخلا والخلل في باب التدوين والتصنيف بوجه عام، وفي هذا النوع من العلم بوجه خاص.
[ ١ / ٣٣ ]
وكان أمر مرة طالبًا من طلابه لتجريد تراجم الحنفية من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي رحمه الله تعالى ففعل، وأمرني وأنا في السنة الأولى من قسم علوم الحديث بتجريد تراجم الحنفية من كتاب "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، وقد وفقت لذلك، ولله الحمد.
وكان يحضهم بوجه عام لجمع كتاب جامع في تراجم الحنفية، وأوصى بذلك خاصة غير واحد من طلابه، في رأسهم فضيلة أخينا الكبير ومربينا الفاضل، الأستاذ العالم الجليل، والمصنف الصابر النشيط، الشيخ حفظ الرحمن بن محب الرحمن الموقر حفظه الله تعالى ورعاه، كتب له الستر والسلامة والعفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، وأمد في حياته الطيبة بإذن الله تعالى، والشيخ حفظ الرحمن هو رفيق شقيقى الأكبر الأستاذ الشيخ أبي الحسن محمد عبد الله حفظه الله تعالى ورعاه، وكانا رفيقين أيضا في التلمذ على شيخنا النعماني رحمه الله تعالى.
فحفظ الشيخ حفظ الرحمن وصية الأستاذ النعماني ووفى بحق التلمذ، وحُقَّ له ذلك، فقد كان سيدي الشيخ يحبه كثيرا، وكان ألف رسالته للتخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية بنوري تاؤن كراتشي تحت إشراف شيخنا النعماني رحمه الله تعالى، وكان يتمنى له أن يلتحق بقسم التخصص في علوم الحديث الشريف ويقضي فيه أيضا مدة، ولكن لم يتيسر له ذلك لبعض الأعذار، مع إتمامه إجراء أمور الالتحاق، والخير فيما وقع إن شاء الله تعالى.
وأحمد الله تعالى وأشكره على هذه النعمة الجليلة التي أكرمنا بها بواسطة الشيخ حفظ الرحمن، إذ وفقه لجمع هذا المعجم الكبير الذي وصل إلى ثلاث وعشرين مجلدا، نشكره على ما وُفِّق له وهُدِي إليه شكرًا جزيلًا، ونرحبه به غاية الترحيب.
ومن قديم نرى الشيخ المولف يهتم بالتأليف بالعربية، وفي موضوعات علمية، ويعتني بتحقيق بعض الكتب العلمية المؤلفة باللغة العربية، واختيار
[ ١ / ٣٤ ]
اللغة العربية للتحقيق أو التأليف في هذه الديار، ثم الاستقاهة عليه بهذه الطريقة أمر مستغرب جدا، وهذا كما يدل على عُلُوِّ همة هذا المؤلف يدل أيضا على أن البيئة العلمية في هذه البلاد قد أَنِسَتْ باللغة العربية الفطرية قراءة ومطالعة، وكما يقول بعض الأفاضل الأعلام أن الفضل يرجع في هذا التأنيس إلى فضيلة الأستاذ الشيخ الأديب أبو طاهر مصباح حفظه الله تعالى ورعاه، شكر الله تعالى سعي أبي طاهر ومشايخه وأعوانه، ومن تقدمه في خدمة اللغة العربية في هذه الديار وغيرها.
نرجع إلى كتاب المعجم الكبير في تراجم الحنفية، الذي سمي: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، والذي أتحفنا به الشيخ المؤلف في هذه المرة، بعد أن قضى في جمع شتاته سنوات متوالية، وقد نظرت في فهرست مصادر الكتاب ومراجعه، كثرتُها مع تنوعها متطابقة مع ضخامة الكتاب ودالة على الجهود العظيمة التي بذلها المؤلف حفظه الله تعالى، كما أن هذه الفهرست لعدم تجاوزها أربع مئة كتاب تشير إلى أن على المؤلف قضاء شوط آخر طويل، ليصل الكتاب إلى تمام جمعه كمال صنعته.
وبما أني لم أقف إلا على صفحات من الكتاب ليس لي أن أفصل الكلام فيه، وإنما أكتفي بنقل كلام للمؤلف وصف فيه كتابه، رأيته في رسالته إلى الأستاذ العلامة الحجة الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى ورعاه، تذكار السلف الصالح في هذا العصر، كتب إليه المؤلف يصف كتابه ويرجو منه الدعاء، ما نصه:
"فعملا بتلك الوصية ألفت هذا الكتاب، وجمعت فيه ما دونه الأقدمون من عهد الحافظ القرشي إلى عهد الإمام اللكنوي، وزدت إلى ذلك:
١ - جماعة ممن فاتهم
٢ - جماعة كبيرة ممن جاءوا بعدهم
[ ١ / ٣٥ ]
استخرجتهم من كتب التراجم العامة، ومن الجرائد والمجلات، وغرها.
وتوجهت بوجه خاص إلى رجال شبه القارة الهندية بما فيهم أعلام بنغلاديش.
ويجيء الكتاب في ثلاث وعشرين مجلدا مع المقدمة والفهارس.
ولا ريب أن العمل الآن في خطوته الأولى، وسأحاول ما فات أو تجدد في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى، كما يستمر عمل التصحيح والتجويد والإتقان قبل كل طبعة إن شاء الله تعالى … ". انتهى.
ولا شك أن هذا العمل في خطوته الأولى نافع أيضا، ويفيدنا في معرفة تراجم جماعة كبيرة جدا من طوائف أهل العلم، من مختلف الأمصار والأعصار، ومختلف الألسنة والألوان، ومختلف الأمزجة والمشارب، كما يفيد إخواننا في الهند والسند في معرفة رجال بنغلاديش، ويفيد إخواننا العرب في معرفة رجال الهند الكبرى عامة، ورجال بنغلاديش خاصة.
بارك الله تعالى في حياة المؤلف وبارك في جهوده، كتب له ولذريته وطلابه الخير بحذافيره، وأعاذه وإياهم من كل سوء وآفة.
هذا، وصلى الله تعالى وبارك وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتب العبد
محمد عبد المالك
خادم الطلاب في مركز الدعوة الإسلامية داكا
في ٢٥/ ١/ ١٤٣٨ هـ
[ ١ / ٣٦ ]