بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم القديم، الذي هدانا إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد! فإن ديننا دين الإسلام، يبقى بتبقيته ﷾ إلى يوم القيام، كما قال نفسه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
أي حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة، قاله الإمام الحسن - رحمه الله تعالى - كذا في "روح المعاني" ١٤: ١٦.
غير أنه يحافظ دينه لا بنزوله إلى الأرض، بل بالرجال النبلاء من القراء، والمحدثين، والفقهاء وغيرهم، فبجهدهم البليغ حفظ الله سبحانه حياتهم وتراجمهم كحفظ دينه الغراء، وهذا من خصائص الأمة المحمدية، فهم صنَّفوا في التراجم والأنساب والطبقات والوفيات والسير، لم تر فيما سواهم من الأمم الماضية، شكر الله تعالى سعيَهم.
فعليكم "الإصابة" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"أسد الغابة" لابن الأثير، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، و"سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي، و"تذكرة الحفاظ"، و"الميزان"، و"تاريخ الإسلام" له، وللبخاري، و"الأنساب" للسمعاني، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"الكامل" لابن عدي، و"تهذيب الكمال" للحافظ المزي، و"طبقات" الواقدي، وأبي عبد الرحمن السلمي، والسبكي، وعبد القادر القرشي، والمجد الشيرازي، والقطب اليافعي، والقطب المكّي، والكَفَوي، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم، و"نزهة الخواطر" للسيد عبد الحي والد أبي الحسن علي الندوي، وغيرهم رحمهم الله تعالى،
[ ١ / ٢٩ ]
تجدها كتبا مدهشة نادرة ثمينة، تحصل بمثل هذه الكتب فوائد كثيرة، ومنافع مهمة، ومنها:
١ - التأدّب بآدابهم، والتخلّق بأخلاقهم، فيحشر في زمرتهم، وإن لم يكن منهم، وذلك لا يمكن إلا بعد الاطلاع على مناقبهم وأوصافهم، ونباهتهم وجلالتهم، ومحاسن أثارهم.
٢ - الأمن من تنزيل أعلى الرتبة إلى الأدنى، وتعريج أدنى المرتبة إلى الأعلى، واختيار قول أدناهم على أعلاهم عند تعارض أقوالهم وإفاداتهم، وذلك لا يتيسر أيضا إلا بعد معرفة مراتبهم ومدارجهم.
٣ - الأمن من جعل القديم حديثا، والحديث قديما، والمتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما، وهذا أيضا لا يمكن ولا ييسر إلا بعد العثور على مواليدهم وأعصارهم ووفياتهم وأزمانهم.
٤ - التحرك بعرق الشوق إلى الاهتداء بهداهم، والاقتداء بسيرهم، وهو أيضا غير ممكن إلا بعد الوقوف على آثارهم وحكاياتهم، وفيوضهم، وتصانيفهم.
٥ - تحصيل السكينة، لأن بذكر أولياء الله ومقرّبيهم نزلت السكينة.
٦ - معرفة مصنفاتهم، وما لها من الجلالة، وذلك العلم كله.
٧ - الأمن من الجهل بأئمتنا المتقدمين، والأمن من الإهمال بمعرفتهم، مع أنهم أسلافنا وأئمتنا كالوالدين لنا، فالواجب علينا أن نحصل على معرفتهم، فييسر لنا اقتداءهم.
٨ - التشكّر لإحسانهم، والأمن من كفرانهم، فإننا وجدنا ديننا الإسلام بنقلهم إلينا بجهد كثير، وسعي بليغ، فكيف نجهلهم ونهملم؟
٩ - تعلم الاجتهاد والاستنباط، وذلك لا يمكن إلا بمعرفة نهج اجتهادهم من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
[ ١ / ٣٠ ]
١٠ - معرفة أسلوب التصنيف والتأليف والدعوة والإرشاد والخبرة بها، وهي لا تسهل ولا تؤثّر إلا بهديهم.
١١ - التمييز بين العالِمَين، لاسِيَّما إذا اتحدت الأعلام والألقاب، والأعصار والأنساب، فمن لم يعرف ذلك وقع في الخلط بين المعروف والمجهول، والمردود والمقبول، ولا يمكنه أن يفرق بين الغثّ والثمين، ولا الشمال عن اليمين، وما إلى ذلك، عصمنا الله تعالى عنه.
لكن في بلادنا "بنغلاديش" لم يصنّف في هذا الفن العظيم الثمين كتاب حتى الآن على نمطهم، نمط المصنفين القدماء في بلاد شتى، وإن وصل الإسلام إلى بلادنا قبل ألف سنة، فكم من رجال من هذه القارة الذين صنَّفوا، ونقَّحوا، وبلَّغوا، وهذبوا، وجهدوا، ودعوا الناسَ إلى الحق سبحانه، ولهم نصيب وافر من خدمات الدين المتين، وهم مدفونون تحت التراب، ولم يذكروا في ورقة الكتاب؛ بل أسماءهم مفقودة، وتحت حجب الاختفاء مقهورة.
فمسَّت الحاجةُ إلى هذا العمل القيّم في بلادنا حاجة شديدة منذ زمان، فوفّق الله سبحانه أخانا العلامة النابغة، والفهَّامة الخافقة، والفقيه النبيل، المحدّث الجليل بن المحدّث النجيب (١)، والأديب الأريب، والحبر السامي، والبحر الطافي، فريد عصره، وحيد دهره، المكثر البارع، والثقة اللامع، الداعية الكبير، المحقّق البصير، النسَّاك الحذَّاق، مولانا المفتي محمد
_________________
(١) هو الشيخ المحدث محب الرحمن - ﵀ سبحانه -، تلميذ الشيخ المحدث الكبير النساك حسين أحمد المدني - قدس سره -، قد قضى طول عمره في خدمة السنة النبوية، ودرس صحيح البخاري إلى آخر عمره، وأنه ولد من أسرة كريمة نجيبة دينية، قد ورث العلم والدين أبًا عن جدٍ، جيلا بعد جيل.
[ ١ / ٣١ ]
حفظ الرحمن الفائق بين الأقران - حفظه الله تعالى، ورعاه المنَّان - ونفعنا، ونفع الناس بعلومه وبتصانيفه الكثيرة النافعة.
فإنه قد اعتنى بأداء هذا الدَّين عن أعناقنا بتأليف كتاب قيّم في هذا الفن باسم "البدور المضية في تراجم الحنفية"، يحتوي على ثلاثة وعشرين مجلدا، - فجزاه الله تعالى أحسنَ الجزاء -، قد طالعتُ منه مجلدا، فوجدتُه كتابا ثمينا، نادرا فقيدا، عزيزا وحيدا، وهو موسوعة بمعنى الكلمة.
وليس في الختام إلا أن أدعو لطلبة العلم للإقبال على هذا الكتاب الهام، بالمطالعة بتوجُّه تام، وأدعو الله سبحانه بأن يحظى هذا الكتاب عند الفحول في موقع حسن، وأحسن القبول عند علماء الزمن.
وشكرا لله بأخينا العلامة، وجزاه عن العلم والسنة والفقه خيرَ ما يجزي به العلماء الصادقين، وجعلنا وإياه من الذين يعلمون فيعلمون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون.
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرًا كثيرًا.
وكتبه
دلاور حسين
خادم الطلبة بالجامعة الإسلامية دار العلوم (المسجد الأكبر) ميربور، داکا
[ ١ / ٣٢ ]