بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعلى منازل الفقهاء، ووفَّقهم في خدمة الشريعة السمحة البيضاء، والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء، وعلى آله الأتقياء، وأصحابه الأصفياء، أما بعد! فإن علم التاريخ وسير الأفراد من العلوم التي يُحتاج إليها، إذ به يعرف الخلف أحوال السلف، وبه يُعرف الوفاء ومحاسن الأخلاق، وتجد الأجيال دراسة للحياة، وزادا للمعاد.
قال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
قال محمد على الصابوني ﵀ في تفسيره: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ أي: اجعل ذكرا حسنا، وثناء عاطرا، ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ أي فيمن يأتي بعد إلى يوم القيامة، أذكر به، ويقتدي بي، فاستجابَ الله دعاءَه، فوهب له من العلم والحكم، وجعله مقتدى في جميع الملل في كل الأوقات، ونالت هذه الأمة ما يقتدي به له.
فلا شك أن تراجم الرجال مدارس الأجيال، وهذا الفن الشريف من أفضل الفنون، التي تحفظ أنساب الأفراد من أن تُنْسَى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
[ ١ / ١٧ ]
ورحم الله الإمام الصفدي، حيث قال: والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمعاقر الهموم ملهاة.
وربما أفاد التاريخ حزمًا وعزمًا، وموعظةً وعلمًا، وهمةً تذهب همًا، وبيانًا يزيل وهنًا ووهمًا، وجيلًا تثار للأعادي من مكامن المكايد، وسبلًا لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصائب في مصايد، وصبرًا يبعثه التأسّي بمن مضى، واحتسابًا يوجب الرضا بما مرّ، وحلا من القضا، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فكم تشبث من وقف على التواريخ بإذيال معال تنوعت أجناسها، وتشبه بمن أخلده خموله إلى الأرض، وأصعده سعده إلى السهى، لأنه أخذ التجارب مجانًا من أنفق فيها عمره، وتجلت له العبر في مرآة عقله، فلم تطفح لها من قلبه جمرة، ولم تسفح لها في خده عبرة، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
ولقد أدرك العقلاء والفضلاء أهمية علم التراجم وسير الأفراد، لأن ذكر رجالات الأمم والبلدان فيه إحياء الأولين والآخرين من علمائها …، فإن ذكرها حياة جديدة، و﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
ومن فوائد التراجم: حسن الاقتداء بمن سلف، قال الحافظ ابن الجوزي: واعلم أن في ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة، أهمها فائدتان: أحدهما أنه إذا ذكرت سيرة حازم، ووصفت عاقبة حاله، أفادت حسن التدبير، واستعمال الحزم، وإن ذكرت سيرة مفرط، ووصفت عاقبته، أفادت الخوف من التفريط، فيتأدّب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذلك شحذ صوارم المعقول، ويكون روضة للمتنزه في المنقول.
[ ١ / ١٨ ]
إن صاحبي وتلميذي الخاص المفتي محمد حفظ الرحمن الكُمِلَّائي الذي قرأ عليَّ عدة كتب من الكتب الدراسية، حينما كان طالبا في الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، منها: "ديوان الحماسة"، و"المعلقات السبع" في الأدب العربي، و"الصدرا"، و"الشمس البازغة" في الحكمة والفلسفة، والجرء الأول من "مشكاة المصابيح"، و"الشمائل" للإمام الترمذي، و"السنن" للإمام النسائي، والحديث الأول والآخر من "صحيح البخاري"، واستجازَ مني روايةَ الحديث، فأجزتُه، وإنه ألف عدة كتب نفيسة في العربية، والآن يقدم إليَّ كتابه "البدور المضية في تراجم الحنفية"، جع فيه أماثل الفضلاء وأفاحل العلماء من السادة الحنفية من قديم الزمان إلى العصر الراهن، فطالعتُ عدة مواضع منها، فأشكر له من صميم فؤادي، لأنه أبدى لدى أهل العلم هذه الموسوعة الكبرى التي تشتمل على تراجم الحنفية في البلدان العامة لا سيما في بنغلاديش والهند وباكستان، الذين كانوا مختفين في كنز مخفي، ولم تدر الدنيا خدماتهم الجليلة، فجزاه الله عنا وعن جميع المستفيدين منه إلى يوم الدين، تقبل الله هذه الخدمة العظيمة، وجعلها نافعة للأجيال المستقبلة. آمين.
[ ١ / ١٩ ]