الحافظ الإمام في علم الحديث، صاحب "الجامع الصحيح"، و"التاريخ" (١) ".
_________________
(١) التاريخ المذكور قد طبع، وسمي: "التاريخ الكبير" في ثمانية أجزاء، وقامت بطبعه دائرة =
[ ٩٣ ]
رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
حكى أبو عبد اللَّه الحميديُّ في كتاب "جذوة المقتبس"، والخطيبُ في "تاريخ بغداد": أن البخاريَّ لما قدم بغداد، سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا مُتونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس: أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلسَ جماعةٌ من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها من البغداديين، فلما اطمئن المجلس بأهله، انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه.
فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض؛ ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك، يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.
ثم انتدب رجل آخر من العشرة، فسأله من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن الآخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه.
ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.
فلما علم البخاري أنهم فرغوا، التفتَ إلى الأول منهم، فقال: أما حديثُك الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى
_________________
(١) = المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (١٣٧٩ هـ ١٩٥٩ م).
[ ٩٤ ]
على تمام العشرة، فردّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متونَ الأحاديث إلى أسانيدها، وأسانيدَها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، وكان ابنُ صاعد إذا ذكره، يقول: الكبش النطاح.
ونقل عنه محمدُ بن يوسف الفربريُّ أنه قال: ما وضعت في كتابي "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي "الصحيح" لستَّ عشرةَ سنة، خرَّجته من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللَّه.
وقال الفربريُّ: سمع "صحيح البخاري" تسعون ألفَ رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وروى عنه أبو عيسى الترمذي.
وكانت ولادته يوم الجمعة، بعد الصلاة لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شوال سنة ١٩٤. وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد": إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور.
وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ٢٥٦ بخرتنك - رحمه اللَّه تعالى -.
وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي أميرُ خراسان قد أخرجه من بخارى إلى خرتنك، ثم حج خالد المذكور، فوصل إلى بغداد، فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة، فمات في حبسه.
وكان البخاري نحيفَ الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير.
والبخاري: نسبة إلى بخارى، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.
وخرتنك: قرية من قرى سمرقند، ونسبته إلى سعيد بن جعفر الجعفي، والي خراسان، وكان له عليهم الولاء، فنسبوا إليه - ﵁ -.
[ ٩٥ ]