احتفظت نسختنا بسندٍ لا شك أنها تلقفته عاريةً لا ملكًا؛ لانقطاع ذلكم السند وقلة رجاله، وقد كان المفروض أن يتصل حتى يغطّي فترة التاريخ إلى القرن العاشر (^١)، ويكثُرَ رجاله كثرةً تُساوق الامتداد الزمني، ولكنَّ كل ذلك لم يقع فدعك منه.
ولكنّ السند مع ذلك آل إلينا من طريق لم ينقلها أصحاب الفهارس والبرامج والمشيخات، فقد صُدّرت بالتحديث هكذا: «حدّثنا الأسعد، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السَّلام الخُشَنِي، قال: حدثني (^٢) أبو حفص عمرو ابنُ عَليّ بنِ بن بَحْرِ السَّقَّاء» (^٣)، فأما الذي تلقى السماع عن الأسعد فلا قبل لنا بمعرفته؛ إذْ أَبْهِمَ اسْمُه في تضاعيف الكتاب، وأما اسم «الأسعد» هكذا مجرّدًا، فتتبعناه في صلات الأندلسيين، فإذا هو الأسْعَدُ بن عبد الوارث بْنِ يُونس بن مُحمّد القيسي، أبو القاسم القرطبي (ت … هـ؟)، «مُعَلم كُتاب (^٤)، سَمِع من أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك بن أَيْمَن، وعبد الله بن يونس، وقاسم بن أصْبَغ، ومحمد بن قاسم، ونظرائهم، وحَدَّثَ»؛ هذا سياقُ ترجمته عند
_________________
(١) اعتمادًا على تاريخ التحبيس.
(٢) في أخبار الفقهاء والمحدثين (٩٥ - ١٠١؛ رت: ١٣٨)، أنه روى عن أبي حفص عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس.
(٣) لم يسلم السند في الأصل من التصحيف.
(٤) ليْتَ شِعري! أي شيء لحِقَ الأمةَ حتى أرخت رَسَنَ أبْنائها لجَهَلَة المعلمين، بعد أن كان المكتبون علماء رواةً، ومناسبة هذا الكلام ما أفادته ترجمة الأسعد من اشتغاله بالتعليم في الكتاب والتحديث على حد سواء، وهو اقتران دال.
[ ١٨٣ ]
ابن الفَرَضي (^١)، فهو إسناد مسلسل بالأندلسيين عدا المؤلّف بالطبع.
وتلتقي هذه النسخة في سندها مع واحدٍ من سَنَدَيِ ابن خير (^٢) في قاسم ابن أصبغ، وتتفق معه في العنْعنة عن الخشني، وفي هذا تصحيح للنسخة ووثاقَةٌ لسندها، وهو سند مغربي صِرْف.
ويظهر أنه كانت للخشني وعبد الله بن مسرّةَ البربري المغربي (٢٨١ - ٢٩٠ هـ) (^٣)، طرز على الكتاب، طرّزاها بفوائد من تفسير المؤلف حال قراءتهما الكتاب عليه - كتفسير الداناج في كتاب أبي علي الجياني، ولعلّ بعض التعليقات التي ألفيناها في نسختنا أو أُقحمت باعتساف في متنها من تلك الطرر، فاتَ النّاسخ الاهتبالُ بعُظمها، ولا مزية أنه لم يكن من أهل الفنّ؛ فالتورُّكُ عليه في هذا الباب جرح غير مؤثر لا موجب له.
وبادٍ أن الأسعد بن عبد الوارث القرطبي لما قرأ الكتاب على قاسم، وكان هذا ينبه على ما غمض، أو يستدرك أو يصحح؛ احتفظ ببعض تعليقات شيخه، ثم نُمِيتُ منْ أصله إلى الفروع التي انتسخت عنه، فكان من حظ نسختنا أن تحتفظ بشيء من ذلك؛ ومثاله ما أقحمه الناسخ في المتن غفلة أو جهلًا، ثم تفطَّن بعد لأي، فقطَعَ النقل على حين غرة - كما هو ظاهر، ورجع إلى الأصل. والمَدْرَجُ قوله: «نا الأسعد، قال لنا أبو محمد قاسم: هذا غلط نا عنه إسماعيل والترمذي وغيرهما.
وفي غير هذا الموضع: مات سنة عشرة ومئتين، وهو الصواب إن شاء الله. نا قاسم،
_________________
(١) تاريخ العلماء والرّواة: (١/ ٩٢؛ رت: ٢٤٥). ولا عجب في أن تكون معرفتنا بالرّجل من طريق الحميدي؛ فإنّ الرّجل أكثر خُبْرًا بهذا الأمر، وقد وشت الطّررُ المنقولة عن كتابه في المتشابه في أسماء النقلة أو غيره على كتاب الأمير ابن ماكولا، بتملكه بلا ريب نسخةً مِنْ كتاب الفلاس.
(٢) فهرسة ابن خير: (٢٦٥؛ ر: ٣٥٩).
(٣) تاريخ الإسلام: (٦/ ٧٧٠؛ رت: ٣٢٣).
[ ١٨٤ ]
قال: (…)»؛ ثم يتلوه بياض بقدر سطر.
وقوله هذا: «وفي غير …»، ما يَشي باستقراء قاسم لنسخته، وعمق معرفته بها، وهو أمرٌ يوجبه رسوخه في العلم، وإدمانه ربما لرواية الكتاب.
ومن المواطن التي تنبه الناسخُ إلى انفصالها عن المتن، عند قوْلِ الأصل: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: «فُتِنَ النّاس بقبر عبد الله بن غالب؛ كان الرجل يُدْخِلُ يدَه في قبره فيجد ريح المسك». ونجد بعده «وكان رجلًا من حدان». فإننا نجد في الحاشية عند عطفة اللحق عبارة «قاله الأسعد البارقاء الأ لـ (…)»، بعد أن تفطّن الناسخ إلى خروج التعليق الثاني «وكان رجلًا …» عن أن يكون من كلام الفلاس، وهو أشبه أن يكون تعليقًا من الأسعد عن شيخه.
ومن مثل التعاليق على النص - ممّا يُنمى في الأغلب لقَرَأَةِ الكتاب على المؤلّف - ما نجده عند قوْلِ الأصل: «وأبو نَعَامة الجُهَني، واسمه قيس بن عُبادة»، كتب ناسخُ الأصل في الحاشية: «ط: ويقال الحنفي». والطاء رمز للطَّرّة فيما أحسب، وهذا ليس من تعليقات الناسخ قطعًا؛ لما تدلُّ عليه تضحيفاتُه مِنْ جَهْلٍ بالفنّ، فيلزمُ أن يكون ناقلًا عن الأصل المنتسخ منه.
ولائح أنّ الأصْلَ المنقول عنه جليل؛ فقد نص الناسخ على تمام الكتاب، ثمّ زادَ خَبَرًا آخر، ونقل بإثره عبارةً وجدها مقيدة، وهي «تم الكتاب عند أبي محمد» (^١)، فإنْ يكُنِ المقصود قاسم بن أصبغ، فيثْبُتُ أنّ الأصل الأوّلَ لنسختنا مصحح مقابل على أكثر من نسخة بضميمة العبارة آنفًا، وأن روايةً تَزيدُ على أخرى بخبر واحد.
_________________
(١) وقعت في الأصل مشتبهةً بين أن تكون كما أثبتنا، أو أن تكون «أبي عمر»؛ والراجح أن الناسخ نقل التعاليق التي تُوجد على نسخته، وقد قابل صاحبها بين رواية أبي محمد قاسم ابن أصبغ وغيره.
[ ١٨٥ ]