وغريب مع ما ذكرنا أن يتفق حالُ الفلاس مع آخر ما حدث به، فيكون عن الموت وحال الميت، فقد ساق ابن اللبودي في النُّجوم الزواهر في معرفة الأواخر (^٢): أن آخِرَ حديث حدث به أبو حفص حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الميت ليَعْرِفُ مَنْ يغسله، ومنْ يَحْمِلُه، ومَنْ يُدَلِّيه في حفرته أو في قبره» (^٣). ولعلّ مناط اختيار مثل هذا الحديث استشعار منه لدنوّ الأجل وقرب الْمُنقَلَب، وتلبس بحال الرّجاء في رحمة الله إذا صار إليه، وتوطين للنفس على الصبر على البلاء، وهو إحساس مَلَكَ على الشَّيْخ قلْبَه، حتّى كان من دعائه - كما سيتلو - آخِرَ مجلس عقده للإملاء، أنْ يَرُدَّه الله إلى أهله.
_________________
(١) ن: الكفاية للخطيب البغدادي: (٢/ ١١٨؛ رح: ٧٧١). واستكمال اسمه ونسبته من تاريخ بغداد: (٩/ ٥٧؛ رت: ٤٢٥٥).
(٢) (١٣٦).
(٣) ن الحكاية وسند الحديث وتمام متنه في تاريخ بغداد: (١٤/ ١٢٣).
[ ٩٨ ]
ويستروح من هذا أيضًا أن الرجُلَ اسْتصحب الإسماع إلى حين وفاته، وأنه متع بحافظته فلم تخنه، وبذهنه فلم يطرأ عليه ما يطرأ على الشيوخ من الاختلاط أو كثرة الوهم، بل إنه ليذْكُر بأخَرَةِ - أي قريبًا من وفاته - ما لا يذكره في الغالب إلا القلة، فيسمي شيوخه، ومتى سمع منهم في دقةٍ نادرة جديرة بالإعجاب والغبطة، ويسْهَرُ ليلة كاملةً في الإفضاء إلى أهل الحديث، حتى إذا تنفّس الصبح رُقّي سطحًا فأَمْلى عليهم ما شاء الله، فمُتّع إلى ما ذكرنا بجَلَدٍ ترفده بقيّة عافية لم تزايل الشيخ حسبما يبدو حتى لَفَظَ أنفاسه. قال ابن أبي خيثمة: «لما قَدِم عمرو بن عليّ يريد الخليفة، استقبله أصحابُ الحديث في الزّواريق إلى المدائن، فلما دخل بغداد نزل ناحية بابِ خُراسان، وكان المشايخ إنّما ينزلون القطيعة، قال: فاجتمع إليه أصحاب الحديث، فأشهر وه ليلته جمْعاء، فلما أصبحنا اجْتَمَع عليه الخلْقُ ورَقَوْه سطحًا، فكان أولَ شَيْء حدثنا به، قال: حدثنا فلان بن فلان منذ سبعين سنة، قال: حدثنا فلان - لصاحبه - منذ سبعين سنة، وأرْسَلَ عينيه بالبكاء، وقال: ادعوا الله أن يردني إلى أهلي» (^١).