ﷺ زيد بْن حَارِثَة إِلَى مُؤْتَة نَاحيَة الشَّام فَأَوْصَاهُ بِمن من الْمُسلمين خيرا وَقَالَ إِن أُصِيب زيد فجعفر بْن أبي طَالب على النَّاس وَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد اللَّه بْن رَوَاحَة على النَّاس وتجهز النَّاس مَعَه فَخرج مَعَه قَرِيبا من ثَلَاثَة آلَاف من الْمُسلمين وَمضى حَتَّى نزل معَان أَرض الشَّام فَبَلغهُمْ أَن هِرقل قد نزل مآب من أَرض البلقاء فِي مائَة ألف من الرّوم فَأَقَامَ الْمُسلمُونَ بمعان لَيْلَتَيْنِ ينظرُونَ فِي أَمرهم فشجع النَّاس عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَقَالَ يَا قوم وَالله إِن الَّتِي تَكْرَهُونَ هى الَّتِي نقاتلهم بِهَذَا الدَّين الَّذِي أكرمنا اللَّه بِهِ فَانْطَلقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحسنيين إِمَّا ظُهُور وَإِمَّا شَهَادَة فَقَالَ النَّاس قد وَالله
[ ٢ / ٣٢ ]
صدق بن رَوَاحَة ثمَّ رحلوا فَلَمَّا كَانُوا بِالْقربِ من بلقاء لَقِيَهُمْ جموع هِرقل من الرّوم فَلَمَّا دنا الْعَدو انحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قربَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة فتعبأ لَهُم الْمُسلمُونَ وَجعلُوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يُقَال لَهُ قُطْبَة بْن قَتَادَة وعَلى ميسرتهم رجلا من الْأَنْصَار من بني سعد بْن هريم يُقَال لَهُ عبَادَة بْن مَالك ثمَّ التقى النَّاس فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا فقاتل زيد بْن حَارِثَة براية رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى قتل ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فقاتل بهَا حَتَّى ألحمه الْقِتَال فاقتحم عَن فرسه السقراء وعرقبها وَقَاتل حَتَّى قتل وَفِيه اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ مَا بَين ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وطعنة بِالرُّمْحِ ثمَّ أَخذ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة الرَّايَة وَتقدم بهَا وَهُوَ على فرسه فقاتل حَتَّى قتل وَأخذ الرَّايَة ثَابت بْن أقرم وَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم قَالُوا أَنْت قَالَ مَا أَنا بفاعل فَاصْطَلَحَ النَّاس على خَالِد بْن الْوَلِيد فَأخذ خَالِد الرَّايَة ودافع الْقَوْم وحاشى
[ ٢ / ٣٣ ]
بهم ثمَّ انْصَرف بِالنَّاسِ فنعى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاس جَعْفَر بْن أبي طَالب وَزيد بْن حَارِثَة وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة قبل أَن يَجِيء خبرهم ثمَّ قَالَ ﷺ اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما فَإِنَّهُ قد جَاءَهُم مَا يشغلهم زقدم خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْمُسْلِمين فَتَلقاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمسلمون وَالصبيان يحثون على الْجَيْش التُّرَاب وَيَقُولُونَ أَفَرَرْتُم فِي سَبِيل اللَّه ورَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لَيْسُوا بالفرارين وَلَكنهُمْ الكرارون ثمَّ بعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى ذَات السلَاسِل وهم قضاعة وَكَانَت أم الْعَاصِ بْن وَائِل قضاعية فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن يتألفهم بذلك فَخرج فِي سراة الْمُهَاجِرين
[ ٢ / ٣٤ ]
وَالْأَنْصَار ثمَّ استمد رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأبي عُبَيْدَة عَامر بْن الْجراح على الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فيهم أَبُو بكر وَعمر فَلَمَّا اجْتَمعُوا وَاخْتلف أَبُو عُبَيْدَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ فِي الْإِمَامَة فَقَالَ الْمُهَاجِرين أَنْت أَمِير أَصْحَابك وَأَبُو عُبَيْدَة أميرنا فَأبى عمر بن الْعَاصِ وَقَالَ وَقَالَ أَنْتُم لي مدد فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لي إِذا قُمْتُم على أَصْحَابك فتطاوعا وَإنَّك إِن عَصَيْتنِي لأطيعنك فأطاعه أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح وَكَانُوا يصلونَ خلف عَمْرو بْن الْعَاصِ وفيهَا صلى بهم وَهُوَ جنب فَلَمَّا قدم على رَسُول اللَّهِ ﷺ أخبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عمر لقِيت من الْبرد شدَّة وَإِنِّي لَو اغْتَسَلت خشيت الْمَوْت فَضَحِك رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ عمر يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّه وَلا تقتلُوا أَنفسكُم الْآيَة وَفِي هَذَا الشَّهْر كتب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خُزَاعَة بن
[ ٢ / ٣٥ ]
بديل وَبشر وسروات بني عَمْرو يَدعُوهُم إِلَى اللَّه ويعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَا قَتَادَة سَرِيَّة إِلَى غطفان فِي سِتَّة عشر رجلا فبيتوهم وَأَصَابُوا نعما وشياه وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ بعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح فِي ثَلَاثمِائَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَبُو عُبَيْدَة يعطيهم جَفْنَة جَفْنَة ثمَّ أَعْطَاهُم تَمْرَة تَمْرَة ثمَّ ضرب لَهُم الْبَحْر بِدَابَّة يُقَال لَهَا العنبر فَأَكَلُوا مِنْهَا شهرا ثمَّ أَخذ أَبُو عُبَيْدَة ضلعا فنصبه فَمر رَاكب الْبَعِير تَحْتَهُ فَلَمَّا رجعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَخْبرُوهُ فَقَالَ هُوَ رزق رزقتموه من اللَّه هَل عنْدكُمْ مِنْهُ شَيْء وسمى هَذَا الْجَيْش جَيش الْخبط وَذَلِكَ أَنهم جَاعُوا فَكَانُوا يَأْكُلُون الْخبط حَتَّى صَارَت أشداقهم كأشداق الْإِبِل
[ ٢ / ٣٦ ]
ثمَّ اسْتَشَارَ عمر بْن الْخطاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن لي أَرضًا بِخَيْبَر لم أصب مَالا قطّ هُوَ أنفس عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرنِي قَالَ إِن شِئْت حبست أَصْلهَا وتصدقت بهَا فحبس عمر أَصْلهَا وَتصدق بهَا لَا تبَاع وَلَا توهب وَلَا تورث فِي الْفُقَرَاء والغرباء وَمَا بَقِي أنْفق فِي سَبِيل اللَّه وَابْن السَّبِيل لَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَن يُعْطي طريفا عَنهُ غير مُتَمَوّل فِيهِ ثمَّ إِن بكر بْن عَبْد مَنَاة بْن كنَانَة خرجت على خُزَاعَة وهم على مَاء لَهُم بأسف مَكَّة فَقَاتلُوا فَلَمَّا بلغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِك قَالَ للْمُسلمين كأنكم بِأبي سُفْيَان قد قدم لتجديد الْعَهْد بَيْننَا وَكَانَ بديل بْن وَرْقَاء
[ ٢ / ٣٧ ]
بِالْمَدِينَةِ فَخرج إِلَى مَكَّة رَاجعا فَلَمَّا بلغ عسفان لقِيه أَبُو سُفْيَان وَكَانَت قُرَيْش قد بَعثه إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لتجديد الْعَهْد فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان من أَيْن أَقبلت يَا بديل قَالَ سرت إِلَى خُزَاعَة قَالَ جزت بِمُحَمد قَالَ لَا ثمَّ خرج أَبُو سُفْيَان حَتَّى قدم الْمَدِينَة فَدخل على ابْنَته أم حَبِيبَة فَلَمَّا ذهب ليجلس على فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ طوته فَقَالَ يَا بنيتي مَا أَدْرِي أرغبت بِهَذَا الْفراش عني أم رغبت بِي عَنهُ قَالَت هَذَا فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَنت رجل مُشْرك نجس فَلم أحب أَن تجْلِس على فرَاش النَّبِي ﷺ ثمَّ خرج أَبُو سُفْيَان حَتَّى أَتَى النَّبِي ﷺ فَكَلمهُ فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا فَذهب إِلَى أبي بكر فَكَلمهُ أَن يكلم رَسُول الله
[ ٢ / ٣٨ ]
ﷺ فَقَالَ مَا أَنا بفاعل ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى عمر فَكَلمهُ فَقَالَ عمر أَنا أشفع لكم إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالله لَو لم أجد إِلَّا الذّرة لجاهدتكم بهم ثمَّ خرج أَبُو سُفْيَان حَتَّى دخل على عَليّ بْن أبي طَالب وَعِنْده فَاطِمَة بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعِنْدهَا الْحسن ابْنهَا يدب فَقَالَ يَا على إِنَّك أمس الْقَوْم بِي رحما وأقربهم مني قرَابَة وَقد جِئْت فِي حَاجَة فَلَا أرجعين كَمَا جِئْت اشفع لي إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان لقد عزم رَسُول اللَّهِ ﷺ على أَمر مَا نستطيع أَن نكلمه فِيهِ فَالْتَفت إِلَى فَاطِمَة فَقَالَ هَل لَك أَن تأمرنى ابْنك هَذَا أَن يجير بَين النَّاس فَيكون سيد الْعَرَب إِلَى آخر الدَّهْر قَالَت مَا بلغ ذَلِك ابْني أَن يجير بَين النَّاس قَالَ يَا أَبَا الْحسن إِنِّي أرى الْأُمُور قد اشتدت عَليّ مَا تنصح لي قَالَ وَالله مَا أعلم شَيْئا يُغني عَنْك وَلَكِن قُم فأجر بَين النَّاس وَالْحق بأرضك قَالَ
[ ٢ / ٣٩ ]
وَترى ذَلِك يُغني عني شَيْئا قَالَ وَالله مَا أدرى فَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي الْمَسْجِد فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت بَين النَّاس ثمَّ خرج فَلَمَّا قدم على قُرَيْش مَكَّة قَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ جِئْت مُحَمَّدًا فكلمته قَالَ فوَاللَّه مَا رد على بِشَيْء ثمَّ جِئْت بن أبي قُحَافَة فَلم أجد فِيهِ خيرا ثمَّ جِئْت بن الْخطاب فَوَجَدته أعدى الْعَدو ثمَّ جِئْت عليا فَوَجَدته أَلين الْقَوْم وَقد أَشَارَ عَليّ بِرَأْي صَنعته فوَاللَّه مَا أدرى هَل يغنيني شَيْئا أم لَا قَالُوا وَبِمَاذَا أَمرك قَالَ أَمرنِي أَن أجِير بَين النَّاس فَفعلت قَالُوا فَهَل أجَاز مُحَمَّد ذَلِك قَالَ لَا قَالُوا وَيحك وَالله إِن زَاد عَليّ بْن أبي طَالب على أَن لعب بك وَالله مَا يُغني عَنْك مَا فعلت ثمَّ عزم رَسُول اللَّهِ ﷺ على الْمسير إِلَى مَكَّة وَأمرهمْ بالجد والتهيؤ وَقَالَ اللَّهُمَّ خُذ الْعُيُون وَالْأَخْبَار عَن قُرَيْش
[ ٢ / ٤٠ ]
فَلَمَّا صَحَّ ذَلِك مِنْهُ وَمن الْمُسلمين كتب حَاطِب بْن أبي بلتعة كتابا إِلَى قُرَيْش يخبر بِالَّذِي قد أجمع عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ أعطَاهُ امْرَأَة من مزينة وَجعل لَهَا على أَن تبلغه قُريْشًا فَجَعَلته فِي رَأسهَا ثمَّ فتلت عَلَيْهِ قُرُونهَا ثمَّ خرجت وَأخْبر اللَّه رَسُوله ﷺ بِمَا فعل حَاطِب فَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام وَقَالَ أدْركَا امْرَأَة من مزينة قد كتب مَعهَا حَاطِب بِكِتَاب إِلَى قُرَيْش يُحَذرهُمْ مَا قدمنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَا حَتَّى أَدْركَاهَا بِالْحُلَيْفَة فاستزلا والتمسا فِي رَحلهَا فَلم يجدا شَيْئا فَقَالَ لَهَا على إِنِّي أَحْلف بِاللَّه أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا كذب وَلَا كذبنَا إِمَّا أَن تخرجة الْكتاب وَإِلَّا نكشفنك فَلَمَّا رَأَتْ الْجد قَالَت أعرض عني فَأَعْرض عَنْهَا عَليّ فَحلت قُرُون رَأسهَا واستخرجت الْكتاب فَدَفَعته إِلَيْهِ فجَاء بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ حَاطِبًا فَقَالَ
[ ٢ / ٤١ ]
يَا حَاطِب مَا حملك على هَذَا قَالَ يَا رَسُول اللَّه وَالله إِنِّي لمُؤْمِن بِاللَّه وَرَسُوله مَا غيرت وَلَا بدلت وَلَكِنِّي كنت امْرأ لَيْسَ لي فِي الْقَوْم أصل وَلَا عشيرة وَكَانَ لي بَينهم أهل وَولد فَقَالَ عمر دَعْنِي أضْرب عُنُقه فَإِن الرجل قد نَافق فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَمَا يدْريك يَا عمر لَعَلَّ اللَّه قد اطلع يَوْم بدر إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم ثمَّ خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْمَدِينَة واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا رهم كُلْثُوم بْن حُصَيْن بْن عبيد بْن خلف الْغِفَارِيّ وَذَلِكَ لعشر مضين من رَمَضَان فصَام رَسُول اللَّهِ ﷺ فصَام الْمُسلمُونَ وَمَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ آلَاف من الْمُسلمين وَلم يعْقد
[ ٢ / ٤٢ ]
الْأَوْلَوِيَّة وَلَا نشر الرَّايَات فَلَمَّا بلغ الكديد والكديد مَا بَين عسفان وأمج أفطر وَأفْطر الْمُسلمُونَ وَقد كَانَ عُيَيْنَة بْن حصن الْفَزارِيّ لحق رَسُول اللَّه بالعرج ولحقه الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِي فِي نفر من أَصْحَابهَا فَقَالَ عُيَيْنَة يَا رَسُول اللَّه وَالله مَا أرى آلَة الْحَرْب وَلَا تهيئة الْإِحْرَام فَأَيْنَ تتَوَجَّه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ شَاءَ اللَّه فَلَمَّا بلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ مر الظهْرَان وَقد عميت الْأَخْبَار على قُرَيْش فَلَا يَأْتِيهم خبر عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعل خرج أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب وَحَكِيم بْن حزَام وَبُدَيْل بْن وَرْقَاء يتجسسون الْأَخْبَار وَيَنْظُرُونَ هَل يرَوْنَ خَبرا أَو يسمعُونَ بِهِ فَقَالَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب يَا صباح قُرَيْش وَالله لَئِن دخل رَسُول اللَّهِ ﷺ عنْوَة قبل أَن يأتوه فاستأمنوه إِنَّه لهلاك قُرَيْش إِلَى لآخر الدَّهْر فَركب الْعَبَّاس بغلة رَسُول الله
[ ٢ / ٤٣ ]
ﷺ الْبَيْضَاء وَمضى عَلَيْهَا حَتَّى أَتَى الْأَرَاك وَقَالَ هَل أجد بعض الحطابة أَو صَاحب لبن أَو ذَا حَاجَة يَأْتِي مَكَّة فبخبرهم بمَكَان رَسُول اللَّه لِيخْرجُوا إِلَيْهِ ويستأمنوه قبل أَن يدخلهَا عنْوَة فَبَيْنَمَا هُوَ يسير إِذْ سمع كَلَام أبي سُفْيَان وَهُوَ يَقُول وَالله مَا رَأَيْت كالليلة نيرانا قطّ وعسكرا فَقَالَ بديل بْن وَرْقَاء هَذِه وَالله نيران خُزَاعَة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان خُزَاعَة وَالله ألام وأذل من أَن تكون هَذِه نيرانها وعسكرها فَلَمَّا عرف الْعَبَّاس صوتهم قَالَ يَا أَبَا حَنْظَلَة فَعرف أَبُو سُفْيَان صَوته فَقَالَ أَبُو الْفضل قَالَ نعم قَالَ مَا لَك قَالَ فدَاك أبي وَأمي وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان هَذَا رَسُول الله
[ ٢ / ٤٤ ]
ﷺ قَالَ واصباح قُرَيْش قَالَ فَمَا الْحِيلَة فدَاك أبي وَأمي قَالَ الْعَبَّاس أما وَالله لَئِن ظفر بك ليضربن عُنُقك فاركب عجز هَذِه البغلة حَتَّى آتى بك رَسُول اللَّهِ ﷺ فَركب أَبُو سُفْيَان خلف الْعَبَّاس وَرجع صَاحِبَاه إِلَى مَكَّة فَكلما مر الْعَبَّاس بِنَار من نيران الْمُسلمين قَالُوا من هَذَا وَإِذا رَأَوْهُ قَالُوا بغلة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْعَبَّاس عَلَيْهَا عَمه فَلَمَّا مر بِنَار عمر بْن الْخطاب قَالَ من هَذَا وَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى أَبَا سُفْيَان على عجز الدَّابَّة قَالَ أَبُو سُفْيَان عَدو اللَّه الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك من غير عقد وَلَا عهد ثمَّ خرج يشْتَد نَحْو رَسُول اللَّهِ ﷺ وركض الْعَبَّاس بالبغلة فسبقه إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاقتحم الْعَبَّاس على بَاب الْقبَّة وَدخل على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَدخل عَلَيْهِ عمر بْن الْخطاب فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا أَو سُفْيَان قد أمكن اللَّه مِنْهُ بِغَيْر عقد وَلَا عهد فدعى أضْرب عُنُقه فَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول اللَّه إِنِّي قد أجرته ثمَّ جلس الْعَبَّاس إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأكْثر
[ ٢ / ٤٥ ]
عمر فِي شَأْن أبي سُفْيَان فَقَالَ الْعَبَّاس مهلا يَا عمر أما وَالله لَو كَانَ من رجال بني عدي بْن كَعْب مَا قلت هَذَا وَلَكِنَّك قد عرفت أَنه من رجال بني عَبْد منَاف فَقَالَ عمر مهلا يَا عَبَّاس فواللَّه لإسلامك يَوْم أسلمت أحب إِلَيّ من إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي عرفت أَن إسلامك كَانَ أحب إِلَيّ رَسُول اللَّهِ ﷺ من إِسْلَام الْخطاب فَقَالَ رَسُول اله ﷺ اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاس إِلَى رحلك إِذا أَصبَحت فأتني بِهِ فَذهب بِهِ الْعَبَّاس إِلَى رَحْله فَبَاتَ عِنْده فَلَمَّا أصبح غَدا بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك وَالله لقد ظَنَنْت أَن لَو كَانَ مَعَ اللَّه غَيره لقد أغْنى شَيْئا قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول اللَّه قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هَذِه فَإِن فِي النَّفس مِنْهَا شَيْئا حَتَّى الْآن فَقَالَ الْعَبَّاس وَيحك أسلم قبل أَن يضْرب عُنُقك فَتشهد أَبُو سُفْيَان شَهَادَة وَأسلم فَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول اللَّه إِن أَبَا سُفْيَان رجل
[ ٢ / ٤٦ ]
يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا قَالَ نعم من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن فَلَمَّا أَرَادَ أَبُو سُفْيَان أَن ينْصَرف قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَا عَبَّاس احبسه احبسه بمضيق الْوَادي عِنْد خطم الْجَبَل حَتَّى تمر بِهِ جنود اللَّه فيراها فَخرج بِهِ الْعَبَّاس فحبسه حَيْثُ أَمر بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَرَّتْ الْقَبَائِل على راياتها كلما مرت قَبيلَة قَالَ أَبُو سُفْيَان من هَؤُلَاءِ يَا عَبَّاس فَيَقُول الْعَبَّاس سليم فَيَقُول أَبُو سُفْيَان مَا لي ولسليم ثمَّ مرت بِهِ الْقَبِيلَة فَقَالَ من هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْعَبَّاس مزينة قَالَ مَا لي ولمزينة حَتَّى مرت الْقَبَائِل لَا تمر بِهِ إِلَّا سَأَلَهُ عَنْهَا فَإِذا أخبرهُ قَالَ مَا لي ولبني فلَان حَتَّى مر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الخضراء كَتِيبَة رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهَا الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار لَا يرى مِنْهُم إِلَّا الحدق من الْحَدِيد قَالَ سُبْحَانَ اللَّه يَا عَبَّاس من هَؤُلَاءِ قَالَ هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قَالَ وَلَا حد بهَا وَلَا قبل وَلَا طَاقَة يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك بن أَخِيك
[ ٢ / ٤٧ ]
الْغَدَاة عَظِيما فَقَالَ الْعَبَّاس يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّه لنبوة قَالَ نعم فَنعم إِذا قَالَ الْعَبَّاس ارحلك إِلَى قَوْمك فَخرج أَبُو سُفْيَان حَتَّى إِذا دخل مَكَّة صرخَ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر قُرَيْش هَذَا مُحَمَّد قد جَاءَكُم بِمَا لَا قبل لكم بِهِ فَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن فَقَامَتْ إِلَيْهِ هِنْد بنت عتبَة فَأخذت بشار بِهِ وَقَالَت اقْتُلُوا الحميت الدسم الأحمش فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لَا يَغُرنكُمْ هَذِه من أَنفسكُم فَإِنَّهُ قد جَاءَكُم بِمَا لَا قبل لكم بِهِ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن قَالُوا قبحك اللَّه وَمَا تغني دَارك قَالَ وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن فَتفرق النَّاس إِلَى دُورهمْ وَإِلَى الْمَسْجِد وَلما بلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَا طوى فرق جُنُوده فَبعث عليا من ثنية الْمَدَنِيين وَبعث الزبير من الثَّنية الَّتِي تطلع على الْحجُون
[ ٢ / ٤٨ ]
وَبعث خَالِد بْن الْوَلِيد من الليط وَأخذ رَسُول اللَّهِ ﷺ طَرِيق أذاخر أَمرهم أَن لَا يقاتلوا أحدا إِلَّا من قَاتلهم فَبلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن صَفْوَان بْن أُميَّة عِكْرِمَة بْن أبي جهل وَعبد اللَّه بْن زَمعَة وَسُهيْل بْن عَمْرو قد جمعُوا جمَاعَة من القريش والأحابيش بالخندمة لِيُقَاتِلُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَقِيَهُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد بِمن مَعَه من الْمُسلمين ناوشوهم فَقتل مِنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد ثَلَاثَة
[ ٢ / ٤٩ ]
وَعشْرين رجلا وَهُوَ مَعَهم وَقتل من الْمُشْركين كرز بْن جَابر الفِهري فَمن هَهُنَا اخْتلف النَّاس فِي فتح مَكَّة عنْوَة كَانَ أم صلحا فَلَمَّا بلغ أَبَا قُحَافَة قدوم النَّبِي ﷺ مَكَّة قَالَ لابنَة لَهُ من أَصْغَر وَلَده أَي بنيتي اظهري بِي على ظهر قبيس وَكَانَ نظره قد كف
[ ٢ / ٥٠ ]
إِذْ ذَلِك فَقَالَ أَي بنية مَا تَرين قَالَت أرى سوادا مجتمعا قَالَ تِلْكَ الْخَيل ثمَّ قَالَت وَالله قد انْتَشَر السوَاد فَقَالَ وَالله لقد دفعت الْخَيل سرعى إِلَى بَيْتِي فانحبطت بِهِ وَتَلَقَّتْهُ الْخَيل قبل أَن يصل إِلَى بَيته وَدخل رَسُول اللَّهِ ﷺ من أذاخر مَكَّة على رَأسه
[ ٢ / ٥١ ]
مغفر من حَدِيد عَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء وَلم يلق أحد من الْمُسلمين قتالا إِلَّا مَا كَانَ من خَالِد بْن الْوَلِيد وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمر بقتل سِتَّة أنفس من الْمُشْركين قبل قدومهم إِلَى مَكَّة وَقَالَ أَي مَوضِع رَأَيْتُمْ هَؤُلَاءِ فاقتلوهم عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح وَعبد اللَّه بْن خطل رجل من بني تَمِيم بْن غَالب وَالْحُوَيْرِث بْن نقيذ بْن وهب بْن عَبْد بْن قصي وَمقيس بْن صبَابَة اللَّيْثِيّ وَسَارة مولاة كَانَت لبَعض بني عَبْد الْمطلب فَأَما عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح ففر إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان
[ ٢ / ٥٢ ]
وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة فغيبه عُثْمَان حَتَّى أَتَى بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فاستأمنه وَأما الْحُوَيْرِث بْن نقيذ فَقتله عَليّ بْن أبي طَالب وَأما بن خطل فَتعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة يلوذ بهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ اقْتُلُوهُ فَقتله سعيد بْن الحريث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة تَحت الأستار اشْتَركَا فِي دَمه وَأما مقيس فَقتله نميلَة بْن عَبْد اللَّه ثمَّ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يقتل قرشي صبرا بعد الْيَوْم وَنزل النَّبِي ﷺ الأيطح وَضرب لنَفسِهِ فِيهِ قبَّة وجاءته أم هَانِئ بنت أبي طَالب فَوجدت رَسُول اللَّهِ ﷺ يغْتَسل فِي جفْنه فِيهَا أثر الْعَجِين وَفَاطِمَة ابْنَته تستر بِثَوْب فَلَمَّا اغْتسل أَخذ ثَوْبه فتوشح
[ ٢ / ٥٣ ]
بِهِ ثمَّ صلى ثَمَانِي رَكْعَات من الضُّحَى ثمَّ انْصَرف إِلَيْهَا فَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا بِأم هَانِئ مَا جَاءَ بك قَالَت رجلَانِ من أصهاري من بني مَخْزُوم وَقد أجرتهما وَأَرَادَ على قَتلهمَا وَكَانَت أم هَانِئ تَحت هُبَيْرَة بْن أبي وهب المَخْزُومِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجرنا من أجرت يَا أم هَانِئ ثمَّ إِن عُمَيْر بْن وهب قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِن صَفْوَان بْن أُميَّة سيد قومه وَقد خرج هَارِبا مِنْك ليقذف نَفسه فِي الْبَحْر فآمنه قَالَ هُوَ آمن قَالَ يَا رَسُول الله أعْطى شَيْئا يعرف بِهِ أمانك فَأعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عمَامَته الَّتِي دخل بهَا مَكَّة فَخرج عُمَيْر بهَا حَتَّى أدْرك صَفْوَان بْن أُميَّة بجدة وَهُوَ يُرِيد أَن يركب الْبَحْر فَقَالَ يَا صفولن فدَاك أبي وَأمي أذكرك اللَّه فِي نَفسك أَن تهلكها فَهَذَا أَمَان من رَسُول اللَّهِ ﷺ جئْتُك بِهِ قَالَ وَيلك أغرب عني قَالَ أَي صَفْوَان فدَاك أبي وَأمي أوصل النَّاس وَأبر النَّاس وأحلم النَّاس وَخير بْن النَّاس بْن عَمَّتك رَسُول اللَّهِ ﷺ عزه
[ ٢ / ٥٤ ]
عزك وشرفه شرفك وَملكه ملكك قَالَ صَفْوَان وَيلك إِنِّي أَخَاف على نَفسِي فَأعْطَاهُ الْعِمَامَة وَخرج بِهِ مَعَه فَلَمَّا وقف على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَذَا زعم أَنَّك قد آمننتني قَالَ صدق قَالَ فَاجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْن قَالَ أَنْت بِالْخِيَارِ أَرْبَعَة أشهر ثمَّ جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَطَاف بِالْبَيْتِ سبعا على بعيره يسْتَلم الرُّكْن بِمِحْجَنِهِ ثمَّ طَاف بَين الصَّفَا والمروة ثمَّ دَعَا عُثْمَان بْن طَلْحَة الحَجبي مِفْتَاح الْكَعْبَة وفتحه ثمَّ دخله وَصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَين الإسطوانتين بَينه وَبَين الْجِدَار ثَلَاثَة أَذْرع ثمَّ خرج فَوقف على بَابهَا وَهُوَ يَقُول لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك لَهُ صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده أَلا كل مأثرة أَو مَال يدعى فَهُوَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سدانة الْبَيْت وسقاية الْحَاج أَلا وقتيل الْخَطَأ مثل الْعمد بِالسَّوْطِ والعصا فِيهِ الديا مُغَلّظَة مائَة نَاقَة مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا يَا معشر قُرَيْش إِن اللَّه قد أذهب عَنْكُم نخوة الْجَاهِلِيَّة
[ ٢ / ٥٥ ]
وَتَعَظُّمهَا بِالْآبَاءِ النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خلقنكم من ذكر ة انثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرمكُم عِنْد الله أتقكم الْآيَة ثمَّ قَالَ يَا أهل مَكَّة مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعل بكم قَالُوا خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم ثمَّ قَالَ أذهبوا فَأنْتم الطُّلَقَاء فَقَامَ إِلَيْهِ عسلى بْن أبي طَالب ومفتاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه اجْعَل الحجابة مَعَ السِّقَايَة فلتكن إِلَيْنَا جَمِيعًا فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَيْن عُثْمَان بْن طَلْحَة الحَجبي فَدَعَاهُ
[ ٢ / ٥٦ ]
فَقَالَ هَل لَك مفتاحك فَدفعهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْغَد من فتح مَكَّة عدت خُزَاعَة على رجل من هُذَيْل فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرك فَقَالَ لم رَسُول اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ
[ ٢ / ٥٨ ]
أَيهَا النَّاس إِن اللَّه حرم عَلَيْكُم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا ثمَّ قَالَ إِن اللَّه حبس عَن مَكَّة الْفِيل وسلك عَلَيْهَا رَسُوله وَإِنَّهَا لم تحل لأحد قبلي وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار وَإِنَّهَا لَا تحل لأحد بعدِي لَا ينفر صيدها وَلَا يخْتَلى شَوْكهَا وَلَا يحل ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد فَقَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فانا نجعله فِي بُيُوتنَا وَقُبُورنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا الْإِذْخر وَكَانَت أم حَكِيم بنت الْحَارِث بْن هِشَام تَحت عِكْرِمَة بْن أبي جهل وفاختة بنت الْوَلِيد تَحت صَفْوَان
[ ٢ / ٥٩ ]
بْن أُميَّة فَلَمَّا أسلمتا قَالَت أم حَكِيم لرَسُول اللَّهِ ﷺ وَسَأَلته أَن يستأمن عِكْرِمَة فآمنه وَقد كَانَ خرج إِلَى الْيمن فَلحقه بِالْيمن حَتَّى جَاءَت بِهِ وَأسلم عِكْرِمَة صَفْوَان فأقرهما رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدهمَا على النِّكَاح الأول الَّذِي كَانَا عَلَيْهِ ثمَّ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كل من كَانَ فِي بَيته صنم أَن يكسرهُ فكسروا الْأَصْنَام كلهَا وَكسر خَالِد بْن الْوَلِيد الْعُزَّى بِبَطن نَخْلَة وَهدم بَيته فَقَالَ النَّبِي ﷺ تِلْكَ الْعُزَّى لَا تعبد أبدا وَكسر عَمْرو بْن الْعَاصِ سواع ثمَّ قَالَ للسادن كَيفَ رَأَيْت قَالَ
[ ٢ / ٦٠ ]
أسلمت لله وَكسر بْن زيد الأشْهَلِي الناة المشلل ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ حول مَكَّة النَّاس يدعونَ إِلَى اللَّه وَلم يَأْمُرهُم بِقِتَال وَكَانَ بِمن بعث خَالِد بْن الْوَلِيد وَأمره أَن يسير بِأَسْفَل تهَامَة دَاعيا وَلم يَبْعَثهُ مُقَاتِلًا وَمَعَهُ سليم مُدْلِج وقبائل من غَيرهم فَلَمَّا نزلُوا بغميصاء وَهِي من مياه بني جذيمة وَكَانَت بَنو جذيمة قد أَصَابُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عَوْف بْن عَبْد أَبَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف والفاكه بْن الْمُغيرَة كَانَا أَقبلَا تاجرين من الْيمن حَتَّى إِذا نزلا بهم قتلوهم وَأخذُوا أَمْوَالهم فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام بلغ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَيْهِم وَرَآهُ الْقَوْم
[ ٢ / ٦١ ]
أخذُوا السِّلَاح فَقَالَ لَهُم خَالِد ضَعُوا السِّلَاح فَإِن الْقَوْم أَسْلمُوا فَوضع الْقَوْم السِّلَاح لقَوْل خَالِد فَلَمَّا وضعوها أَمر بهم خَالِد فكتفوا ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف فَلَمَّا انْتهى الْخَبَر إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد بْن الْوَلِيد ثمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ يَا على اخْرُج إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَانْظُر فِي أَمرهم وَاجعَل أَمر الْجَاهِلِيَّة تَحت قَدَمَيْك فَخرج على حَتَّى جَاءَهُم وَمَعَهُ مَال قد بَعثه بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ ودى لَهُم الدِّمَاء وَمَا أُصِيب من الْأَمْوَال حَتَّى لم يبْق لَهُم سيء من دم وَلَا مَال إِلَّا وداه وَبقيت مَعَه بَقِيَّة فَقَالَ لَهُم
[ ٢ / ٦٢ ]
عَليّ بَقِي لكم من دم أَو مَال لم يود إِلَيْكُم قَالُوا لَا قَالَ فَإِنِّي أُعْطِيكُم هَذِه الْبَقِيَّة من المَال احْتِيَاطًا لرَسُول اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَا يعلم وَلَا تعلمُونَ فَفعل ثمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْبرهُ قَالَ أصبت ثمَّ إِن هوزان لما سَمِعت بِجمع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودخوله مَكَّة اجْتمعت مَعَ ثَقِيف وجشم وَسعد بْن بكر وَكَانَ فِي بني جشم دُرَيْد بْن الصمَّة وَهُوَ شيخ كَبِير لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّيَمُّن بِرَأْيهِ وبعلمه بِالْحَرْبِ وَفِي ثَقِيف قَارب بْن الْأسود بْن مَسْعُود وَفِي بني بكر سبيع بْن الْحَارِث وَكَانَ جماع أَمر النَّاس إِلَى
[ ٢ / ٦٣ ]
مَالك بْن عَوْف فأجمع مَالك بِالنَّاسِ على الْمسير إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَارُوا حَتَّى إِذا أَتَوا بأوطاس وَمَعَهُ الْأَمْوَال وَالْأَبْنَاء وَالنِّسَاء فَقَالَ دُرَيْد بْن الصمَّة بِأَيّ وَاد أَنْتُم قَالُوا بأوطاس قَالَ نعم مجَال الْخَيل لَا حزن وَلَا سهل دهس مَا لي أسمع رُغَاء الْإِبِل ونهاق الْحمير وبكاء الصَّغِير ويعار الشَّاء قَالُوا سَاق مَالك بْن عَوْف بأوطاس مَعَ النَّاس أَمْوَالهم ونساءهم وأبناءهم فَقَالَ أَيْن مَالك فَقيل هَذَا مَالك فَقَالَ دُرَيْد يَا مَالك إِنَّك أَصبَحت رَئِيس قَوْمك وَإِن هَذَا يَوْم لَهُ مَا بعد من الْأَيَّام سقت مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وأبناءهم ونساءهم قَالَ وَلم قَالَ أردْت أَن أجعَل خلف كل رجل أَهله وَمَاله لِيُقَاتل عَنْهُم فأنقض بِهِ
[ ٢ / ٦٤ ]
فَقَالَ وَهل يرد الْقَوْم شَيْء إِنَّهَا إِن كَانَت لَك لم ينفعك إِلَّا رجل بِسَيْفِهِ وَرمحه وَإِن كَانَت عَلَيْك فضحت فِي أهلك وَمَالك مَا فعلت كَعْب وكلاب قَالَ مَالك لم يشْهد مِنْهُم أحد قَالَ غَابَ الْحَد وَالْجد لَو كَانَ عَلَاء ورفعة لم تغب عَنهُ كَعْب وَلَا كلاب يَا مَالك لَا تصنع بِتَقْدِيم الْبَيْضَة بَيْضَة هوَازن إِلَى نحور الْخَيل شَيْئا ارفعهم فِي متمنع بِلَادهمْ وعليا قَومهمْ ثمَّ ألق الصباء على متون الْخَيل فَإِن كَانَت لَك لحق بك من وَرَاءَك وَإِن كَانَت عَلَيْك ألفاك ذَلِك وَقد احرزت مَالك وَأهْلك قَالَ تِلْكَ وَالله لَا أفعل لتطيعنني يَا معشر هوَازن أَو لأتكبن على هَذَا السَّيْف حَتَّى
[ ٢ / ٦٥ ]
يخرج من ظَهْري وَكره أَن يكون فِيهَا لدريد ذكر وَرَأى قَالُوا أطعناك فَقَالَ مَالك إِذا رأيتموهم فاكسروا جفون سُيُوفكُمْ ثمَّ شدوا عَلَيْهِم شدّ رجل وَاحِد وَجَاء الْخَبَر رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبعث عَبْد اللَّه بْن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ فَدخل فِي النَّاس فَأَقَامَ فيهم حَتَّى سمع وَعلم من كَلَام مَالك وَأمر هوَازن مَا كَانَ وَمَا اجْمَعُوا لَهُ ثمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْبرهُ فأجمع على الْمسير إِلَى هوَازن وَقيل لرَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ عِنْد صَفْوَان بْن أُميَّة أدراعا فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا أُميَّة أعرنا سِلَاحك نلقى فِيهَا
[ ٢ / ٦٦ ]
عدونا فَقَالَ صَفْوَان أغصبا قَالَ لَا بل عَارِية مَضْمُونَة حَتَّى نؤديها إِلَيْك قَالَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْس فَأعْطَاهُ مائَة درع بِمَا يصلحها من السِّلَاح وَسَأَلَهُ النَّبِي ﷺ إِنَّ يَكْفِيهِ حملهَا صَفْوَان لرَسُول اللَّهِ ﷺ وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من مَكَّة مَعَه أَلفَانِ من أهل مَكَّة وَعشرَة آلَاف من أَصْحَاب الَّذين فتح اللَّه بهم مَكَّة وَاسْتعْمل على مَكَّة عتاب بْن أسيد بْن أبي الْعيص بْن أُميَّة أَمِيرا وَكَانَ مقَامه ﷺ بِمَكَّة خمس عشرَة لَيْلَة يقصر فِيهَا الصَّلَاة فَبينا النَّاس مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسِيرُونَ إِذا مروا بسدرة قَالَ أَبُو قَتَادَة اللَّيْثِيّ يَا رَسُول اللَّه اجْعَل هَذِه ذَات أنواط كَمَا للْكفَّار ذَات أنواط وَكَانَ للْكفَّار سِدْرَة يأتونها كل سنة ويعلقون عَلَيْهَا أسلحتهم ويعكفون عَلَيْهَا ويذبحون عِنْدهَا فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّه أكبر قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَت بَنو إِسْرَائِيل اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم لتركبن سنَن من قبلكُمْ
[ ٢ / ٦٧ ]
فَلَمَّا بلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَادي حنين وَانْحَدَرَ الْمُسلمُونَ
[ ٢ / ٦٨ ]
فِي الْوَادي قرب الصُّبْح وَهُوَ وَاد أجوف وَقد كمن الْمُشْركُونَ لَهُم فِي شعابه ومفارقه فأعدو لِلْقِتَالِ فَبينا رَسُول اللَّهِ ﷺ ينحدر والمسلمون بالوادي إِذْ اشتدت عَلَيْهِم الْكَتَائِب من الْمُشْركين شدّ رجل وَاحِد وَانْهَزَمَ السلمون رَاجِعين لَا يعرج أحد وانحاز رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَات الْيَمين ثمَّ قَالَ أَيْن أَيهَا النَّاس هلموا أَنا رَسُول اللَّه أَنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه واحتملت الْإِبِل بَعْضهَا بَعْضًا وَمَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَهْط من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل بَيته فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّاس لَا يعطفون على سيء قَالَ يَا عَبَّاس اُصْرُخْ يَا معشر الْأَنْصَار يَا أَصْحَاب السمرَة فَنَادَى الْعَبَّاس وَكَانَ امْرأ جسيما شَدِيد الصَّوْت يَا معشر الْأَنْصَار يَا أَصْحَاب السمرَة فَأَجَابُوا لبيْك لبيْك وَكَانَ الرجل من الْمُسلمين يذهب ليثني بعيره فَلَا يقدر على ذَلِك فَيَأْخُذ درعه فيقذفها فِي عُنُقه ثمَّ يَأْخُذ سَيْفه وترسه ثمَّ يقتحم عَن بعيره فيخلى سَبِيل بعيره ويؤم الصَّوْت حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى اجْتمع على رَسُول اللَّهِ ﷺ مائَة رجل واستقبلوا النَّاس وقاتلوا وكانتت الدعْوَة أول مَا كَانَت يَا للْأَنْصَار ثمَّ جعلت أخيرا فَقَالُوا يَا لِلْخُرُوجِ وَكَانُوا صبرا عِنْد
[ ٢ / ٦٩ ]
الْحَرْب فَأَشْرَف رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ركابه وَنظر إِلَى مجتلد الْقَوْم فَقَالَ الْآن حمى الْوَطِيس وَإِذا رجل من هوَازن على جمل أَحْمَر فِي يَده راية سَوْدَاء وَفِي رَأسه رمح طَوِيل أَمَام النَّاس وهوازن خَلفه فَإِذا أدْرك طعن برمهه وَإِذا فَاتَهُ رَفعه لمن وَرَاءه ويتبعونه فَأَهوى إِلَيْهِ عَليّ بْن أبي طَالب وَرجل من الْأَنْصَار يريدانه فَأَتَاهُ على من خَلفه فَضرب عرقوبي الْجمل فَوَقع على عَجزه وَثَبت الْأَنْصَار على الرجل فضربوه ضَرْبَة أطن بهَا قدمه بِنصْف سَاقه وَاخْتلف النَّاس وَكَانَ شعار الْمُهَاجِرين يَوْمئِذٍ يَا بني عَبْد الرَّحْمَن وشعار الْخَزْرَج يَا بني عَبْد اللَّه وشعار الْأَوْس يَا بني عبيد الله
[ ٢ / ٧٠ ]
وَكَانَت أم سليم بنت ملْحَان مَعَ زَوجهَا أبي طَلْحَة فَالْتَفت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِي حازمة وَسطهَا وَمَعَهَا جمل أبي طَلْحَة فَقَالَت بِأبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اقْتُل هَؤُلَاءِ الَّذين ينهزمون عَنْك كَمَا تقتل هَؤُلَاءِ الَّذين يقاتلونك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَو يَكْفِي اللَّه يَا أم سليم وَإِنَّهَا يَوْمئِذٍ لحبلى بِعَبْد اللَّه بْن أبي طَلْحَة وَمَعَهَا خنجر فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَة مَا هَذَا الخنجر مَعَك يَا أم سليم قَالَت خنجر أَخَذته إِن دنا مني أحد من الْمُشْركين بعجت بَطْنه فَقَالَ أَبُو طَلْحَة يَا رَسُول اللَّه أَلا تسمع مَا تَقوله أم سليم وَرَأى أَبُو قَتَادَة رجلَيْنِ يقتتلان مُسلم ومشرك فَإِذا رجل من الْمُشْركين يُرِيد أَن يعين صَاحبه فَأَتَاهُ أَبُو قَتَادَة فَضرب يَده فقطعها فاعتنقه الْمُشرك بِيَدِهِ الثَّانِيَة وصدره فَقَالَ أَبُو قَتَادَة وَالله مَا تركني حَتَّى وجدت ريح الْمَوْت فَلَولَا أَن الدَّم نزفه يقتلني فَسقط وضربته فَقتلته
[ ٢ / ٧١ ]
ثمَّ انهزم الْمُشْركُونَ وَأخذ الْمُسلمُونَ يكتفون الْأُسَارَى فَلَمَّا وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه فَقَالَ رجل من أهل مَكَّة يَا رَسُول اللَّه لقد قتلت قَتِيلا ذَا سلب وأجهضني عَنهُ الْقِتَال فَلَا أدرى من سلبه فَقَالَ رجل من أهل مَكَّة يَا رَسُول اللَّه أَنا سلبته فأرضه مني عَن سلبه فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق أيعمد إِلَى من أَسد اللَّه يُقَاتل عَن اللَّه تقاسمه سلبه رد عَلَيْهِ سلبه فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ صدق أَبُو بكر رد عَلَيْهِ سلبه فَرد عَلَيْهِ قَالَ أَبُو قَتَادَة فَبِعْته فاشتريت بِهِ مخرفا فِي الْمَدِينَة لِأَنَّهُ أول مَال تأثلته فِي الْإِسْلَام
[ ٢ / ٧٢ ]
وَكَانَ على راية الأحلاف من ثَقِيف يَوْم حنين قَارب بْن الْأسود فَلَمَّا رأى الْهَزِيمَة أسْند رايته إِلَى شَجَرَة وهرب وَكَانَ على راية بني مَالك ذُو الْخمار فَلَمَّا أَخذهَا عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه وأقامها للْمُشْرِكين فَقتل عُثْمَان وانحاز الْمُشْركُونَ منهزمين إِلَى الطَّائِف وعسكر بَعضهم بأوطاس وَبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُيُول فِي آثَارهم فَأدْرك ربيعَة بْن رفيع دُرَيْد بْن الصمَّة وَهُوَ فِي شجار على رَاحِلَته فَأخذ
[ ٢ / ٧٣ ]
بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة فَلَمَّا أنخه إِذا شيخ كَبِير وَإِذا هُوَ دُرَيْد وَلَا يعرفهُ الْغُلَام فَكَانَ ربيعَة غُلَاما قَالَ دُرَيْد مَاذَا تُرِيدُ بِي قَالَ أَقْتلك قَالَ وَمن أَنْت قَالَ أَنا ربيعَة بْن رفيع السّلمِيّ وضربه ربيعَة بِسيف فَلم يقدر شَيْئا فَقَالَ لَهُ دُرَيْد بئس مَا أسلحتك أمك خُذ سَيفي هَذَا من مُؤخر رحلى فِي الشجار ثمَّ أضْرب وارفع عَن الْعِظَام واخفض عَن الدِّمَاغ فَإِنِّي كَذَلِك كنت أقتل الرِّجَال ثمَّ إِذا أتيت أمك فَأَخْبرهَا أَنَّك قتلت دُرَيْد بْن الصمَّة بِسَيْفِهِ ثمَّ أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بالسبايا وَالْأَمْوَال فَجمعت بالجعرانة وَبعث فِي آثَار من توجه قبل أَوْطَاس أَبَا عَامر الْأَشْعَرِيّ فَأدْرك النَّاس بعض من انهزم فَسَارُوا يرْمونَ كل من لقوه وَرمى أَبَا عَامر بِسَهْم فَقتل وَأخذ برايته بعده أَبُو مُوسَى فَقَاتلهُمْ فَفتح لَهُ وَهَزَمَهُمْ الله
[ ٢ / ٧٤ ]
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِف وفيهَا مَالك بْن عَوْف وَقد عَسْكَر جمَاعَة من الْمُشْركين وعَلى مُقَدّمَة خيل رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد فَرَأى رَسُول اللَّهِ ﷺ امْرَأَة مقتولة فَقَالَ من قتل هَذِه قَالَ خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ لرجل أدْرك خَالِدا وَقل لَهُ يَقُول لَك رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا تقتلُوا امْرَأَة وَلَا ولدا وَلَا عسيفا فَلَمَّا بلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ الطَّائِف نزل قَرِيبا فَلم يقدر الْمُسلمُونَ على أَن يدخلُوا حَائِطا فَضرب
[ ٢ / ٧٥ ]
مُعَسْكَره رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْد مَسْجده بضع عشرَة لَيْلَة وَأمر بِقطع أعنابهم وقاد رجلا من هُذَيْل من بني لَيْث وَهُوَ أول دم أقيد فِي الْإِسْلَام ثمَّ نصب المنجيق على حصنهمْ حَتَّى فَتحه اللَّه عَلَيْهِ وَكَانَ فِي أَيَّامه يقصر الصَّلَاة وَقد كَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مولى لخالته فَاخِتَة بنت عَمْرو بْن عَائِذ يُقَال لَهُ ماتع مخنث يدْخل على نسَاء رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَمعهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُول لخَالِد بْن الْوَلِيد يَا خَالِد إِن فتح رَسُول اللَّهِ ﷺ غَدا فَلَا تفلتن مِنْك بادية بنت غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدر بثمان فَقَالَ
[ ٢ / ٧٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا يفْطن لما سمع بِهِ ثمَّ قَالَ لنسائه لَا يدخلن عليكن فحجب عَن بَيت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ انْصَرف رسسول اللَّهِ ﷺ من الطَّائِف إِلَى الْجِعِرَّانَة فَقَالَ لَهُ سراقَة بْن جعْشم المدلجي يَا رَسُول اللَّه ترد الضَّالة حوضى فَهَل فِيهِ أجر وَنهى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَن وطأ الحبالى حَتَّى يَضعن وبينما النَّبِي ﷺ قَاعد بالجعرانة وَمَعَهُ ثوب
[ ٢ / ٧٧ ]
وَقد أظل بِهِ مَعَه نَاس من أَصْحَابه إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِي عَلَيْهِ جُبَّة متضمخ بِطيب فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه كَيفَ ترى بِرَجُل أحرم بِعُمْرَة فِي جُبَّة بعد مَا تضمخ بِطيب وَإِذا النَّبِيَّ ﷺ مخمر الْوَجْه يغط فَلَمَّا سرى عَنهُ قَالَ أَيْن الَّذِي سَأَلَني عَن الْعمرَة آنِفا فَأتى بِهِ فَقَالَ أما الطّيب فاغسله عَنْك وَأما الْجُبَّة فانزعها ثمَّ اصْنَع فِي عمرتك مَا تصنع فِي حجتك وَقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْغَنَائِم بالجعرانة بَين الْمُسلمين فَأصَاب كل رجل أَرْبعا من الأبل وَأَرْبَعين شَاة وَمن كَانَ فَارِسًا أَخذ سَهْمه وسهمي فرسه ثمَّ أَخذ رَسُول اللَّهِ ﷺ وبرة من سَنَام بعيره ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي مَا لي من فيئكم وَلَا هَذِه الْوَبرَة إِلَّا الْخمس وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم فأدوا الْخَيط والمخيط فَإِن
[ ٢ / ٧٨ ]
الْغلُول يكون على أَهله نَارا وشنارا يَوْم الْقِيَامَة فَجَاءَهُ رجل من الْأَنْصَار بكبة خيوط من شعر قَالَ يَا رَسُول اللَّه أخذت هَذِه الكبة أخيط بهَا بردعة بعير لي فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أما نَصِيبي مِنْهَا فلك فَقَالَ أما إِذا بلغت هَذِه فَلَا حَاجَة لي فِيهَا ثمَّ أسلم مَالك بْن عَوْف وَقَالَ يَا رَسُول اللَّه ابعثني أضيق على ثَقِيف فَاسْتَعْملهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ على من أسلم من قومه من تِلْكَ الْقَبَائِل وَمن تبعه من بني سليم فَكَانَ يُقَاتل ثقيفا لَا يخرج لَهُم سرح إِلَّا أغار عَلَيْهِم ثمَّ جَاءَ وَفد هوَازن راغبين فِي الْإِسْلَام بعد أَن قسم لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ السَّبي فأسلموا ثمَّ أعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم تألفا فَأعْطى حويطب بْن عَبْد الْعُزَّى مائَة من الأبل وَأعْطى الْأَقْرَع بْن حَابِس مائَة من الأبل وَأعْطى صَفْوَان بْن أُميَّة مائَة من الأبل وَأعْطى حَكِيم بْن حزَام مائَة من الأبل وَأعْطى مَالك بْن عَوْف مائَة من الأبل وَأعْطى
[ ٢ / ٧٩ ]
عَبَّاس بْن مرداس السّلمِيّ شَيْئا دونهم فَقَالَ فِيهِ أبياتا وَلم يُعْط الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْئا فَقَالَ قَائِل الْأَنْصَار أَلا إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد لقى قومه فَانْطَلق سعد بْن عبَادَة فَدخل على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُول اللَّه الْأَنْصَار قد وجدوا فِي أنفسهم مِمَّا مِمَّا رأوك صنعت فِي هَذِه العطايا قَالَ فَأَيْنَ أَنْت من ذَلِك يَا سعد قَالَ مَا أَنا إِلَّا رجل من قومِي قَالَ فاجمع لي قَوْمك فِي هَذِه الحظيرة فَخرج سعد فَنَادَى فِي قومه إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُركُمْ أَن تجتمعوا فِي هَذِه الحظيرة فَقَامُوا سرَاعًا وَقَامَ سعد على بَاب الحظيرة فَلم يدخلهَا إِلَّا رجل من الْأَنْصَار وَقد رد أُنَاسًا ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَذِه الْأَنْصَار قد اجْتمعت لَك فَخرج إِلَيْهِم رَسُول اللَّهِ ﷺ ة قَالَ يَا معشر الْأَنْصَار مَا مقَالَة بلغتني عَنْكُم أَكثرْتُم فِيهَا ألم تَكُونُوا ضلالا فَهدَاكُم اللَّه
[ ٢ / ٨٠ ]
ألم تَكُونُوا عَالَة فَأَغْنَاكُمْ اللَّه ألم تَكُونُوا أَعدَاء فألف اللَّه بَيْنكُم قَالُوا بِلَا قَالَ أَفلا تجيبونني قَالُوا إِلَيْك الْمَنّ وَالْفضل قَالَ نأما وَالله لَو شِئْتُم لقلتم وصدقتم جئتنا طريدا فَآوَيْنَاك ومخذولا فَنَصَرْنَاك وعائلا فآسيناك ومكذبا فَصَدَّقْنَاك أوجتم فِي أَنفسكُم من لعاعة من الدُّنْيَا تألفت بهَا قوما أَسْلمُوا ووكلتم إِلَى إيمَانكُمْ أما ترْضونَ أَن يذهب النَّاس بِالشَّاة وَالْبَعِير وَتَذْهَبُونَ برَسُول اللَّه إِلَى رحالكُمْ فالذى نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو سلك النَّاس وايا وسلكت الْأَنْصَار شعبًا لَسَلَكْت شعب الْأَنْصَار وَلَولَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرأ من الْأَنْصَار إِن الْأَنْصَار كرشى وعيبتى اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار وَأَبْنَاء الْأَنْصَار ولأبناء أَبْنَاءَهُم فَبكى الْقَوْم حَتَّى أخضلوا لحهم وَقَالُوا رَضِينَا بِاللَّه وبرسوله حظا وقسما ونصيبا ثمَّ تفرق الْأَنْصَار وَفِي هَذِه الْمقَالة قَالَ ذُو الْخوَيْصِرَة يَا رَسُول اللَّه اعْدِلْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شقيت إِن لم أعدل ثمَّ علقت الْأَعْرَاب برَسُول الله
[ ٢ / ٨١ ]
ﷺ يسألونه حَتَّى ألجأوه إِلَى شَجَرَة عَظِيمَة وخطفت رِدَاءَهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ردوا على دائي فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو كَانَت عدد هَذِه الْعضَاة نعما لقسمته بَيْنكُم ثمَّ لَا تجونى كذوبا وَلَا جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا ثمَّ خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا فَاعْتَمَرَ مِنْهَا فَبَاتَ بالجعرانة واستخلف على مَكَّة عتاب بْن أسيد أَمِيرا وَخلف مَعَه معَاذ بْن جبل يفقه النَّاس وَيُعلمهُم الْقُرْآن وَكَانَت هَذِه الْعمرَة فِي ذِي الْقعدَة ثمَّ خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْجِعِرَّانَة يُرِيد الْمَدِينَة فسلك فِي وَادي سرف حَتَّى خرج على سرف ثمَّ على مر الظهْرَان حَتَّى قدم الْمَدِينَة فِي بَقِيَّة ذِي الْقعدَة
[ ٢ / ٨٢ ]
ثمَّ تزوج رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك بْن سُفْيَان الْكلابِيَّة فاستعاذت من رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قد عذت بعظيم الحقي بأهلك وفارقها وَحج بِالنَّاسِ عتاب بْن أسيد وَولد إِبْرَاهِيم بْن رَسُول اللَّهِ ﷺ من ماريا الْقبْطِيَّة فِي ذِي الْحجَّة فَوَقع فِي قلب النَّبِي ﷺ مِنْهُ شَيْء فجَاء جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا إِبْرَاهِيم فسرى عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ وتنافست نسَاء الْأَنْصَار فِيهِ أيتهن ترْضِعه فَدفعهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أم بردة بنت الْمُنْذر بْن زيد وَزوجهَا بْن مبذول فَكَانَت ترْضِعه وَحلق رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأسه يَوْم السَّابِع وَتصدق بِوَزْن شعره فضَّة على الْمَسَاكِين وعق عَنهُ بكبشين وعاش سِتَّة عشر شهرا
[ ٢ / ٨٣ ]
السّنة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ اللَّخْمِيُّ بِعَسْقَلانَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ التَّوَكُّل بْنِ أَبِي السَّرِيِّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا إِنْ تَتُوبَا الى الله فقد صنعت قُلُوبكُمَا فَقَالَ عمر وَاعجَبا لَك يَا بن عَبَّاسٍ ثُمَّ قَالَ هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ فَقَالَ كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَاهُمْ قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الْعَوَالِي قَالَ فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي فَإِذَا هِيَ تراجعنى فأنكرت أَن
[ ٢ / ٨٤ ]
تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ أُتَرَاجِعِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ نَعَمْ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَانَا الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ قَالَ قُلْتُ قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ أَفَتَأْمَنُ إحداكن أَن يغْضب الله عيها لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذا هى هلكتفلا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا وسلينى مَا بدا ذَلِك وَلا يَغُرَّنَّكِ إِنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَ وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تَنْعَلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا قَالَ فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمًا أَتَانِي عَشَاءً فَضَرَبَ عَلَى بَابِي ثُمَّ نَادَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقُلْتُ وَمَاذَا أَجَاءَتْ غَسَّانُ قَالَ لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ فَقُلْتُ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كائبا فَلَمَّا صلبت الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَى ثِيَابِي ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هى تبْكي
[ ٢ / ٨٥ ]
فَقُلْتُ أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَا أَدْرِي هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرَبَةِ قَالَ فَأَتَيْتُ غُلامًا لَهُ أَسْوَدَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدخل الْغُلَام إِلَيَّ وَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ وَلم يقل سَيِّئًا فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا قوم حول النبر جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ فَجَلَسْتُ قَلِيلا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَأَتَيْتُ الْغُلامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ وَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَرَجَعْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الْمِنْبَر ثمَّ غلبى مَا أَجِدُ فَأَتَيْتُ الْغُلامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَسَكَتَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلامُ يَدْعُونِي وَيَقُولُ ادْخُلْ قَدْ أَذِنَ لَكَ فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذا هُوَ متكى عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ فَقُلْتُ أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ الله
[ ٢ / ٨٦ ]
ﷺ نِسَاءَكَ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ لَا فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَوْ رَأَيْتُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا فَإِذَا هِي تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ لِي أَتُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلَةِ قَالَ فَقُلْتُ قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ أَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ فَإِذَا هِيَ هَلَكَتْ قَالَ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ وَلا يَغُرَّنَّكِ إِنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ قَالَ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْرَى فَقُلْتُ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَجَلَسْتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلا أَهَبُهُ ثَلاثَةً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَهُ قَالَ فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ أوفى شكّ أَنْت يَا بن الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَانَ أقسم أَن لَا يدخلن عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ قَالَ الزهرى فاخبرني عُرْوَة بن عَائِشَةَ قَالَتْ فَلَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّكَ دَخَلْتَ من تسع وَعِشْرُونَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذاكرلك أَمْرًا فَلا أَرَاكِ أَنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ ثمَّ قَرَأَ على الْآيَة يَا أَيهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ
[ ٢ / ٨٧ ]
تردن الحيوة الدُّنْيَا وَزينتهَا إِلَى قَوْله عَظِيما قَالَتْ عَائِشَةُ قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَن أَبَوي لم يَكُونَا بِفِرَاقِهِ فَقُلْتُ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ قَالَ فِي أول هَذِه السّنة هجر رَسُول اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ شهرا وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ ذبح ذبحا فَأمر عَائِشَة أَن تقيم بَين أَزوَاجه فَأرْسلت إِلَى زَيْنَب بنت جحش نصِيبهَا فَردته قَالَ زبديها فزادتها ثَلَاثًا كل ذَلِك ترده فَقَالَت عَائِشَة قد أقمأت وَجهك فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أنتن أَهْون على اللَّه من أَن تغضبن لَا أَدخل عليكن شهرا فَدخل عَلَيْهِنَّ بعد مضى تسع وَعِشْرُونَ يَوْمًا ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلْقَمَة بْن مجزز فِي صفر إِلَى الْحَبَشَة فَانْصَرف وَلم يلق كيدا
[ ٢ / ٨٨ ]
وَفِي هَذِه السّريَّة أَمر عَلْقَمَة أَصْحَابه أَن يوقدوا نَارا عَظِيما ثمَّ أَمرهم أَن يقتحموا فِيهَا فتحرزوا وَأَبُو ذَلِك فَقَالَ النَّبِي ﷺ من أَمركُم بِمَعْصِيَة اللَّه فَلَا تطيعوه ثمَّ قدم على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَفد بلي فِي ربيع الأول وَنزل على رويفع بْن ثَابت الْبلوى وَقدم وَفد نَبِي ثَعْلَبَة بْن منقذ وفيهَا وَفد سعد هذيم وَقدم الداريون من لخم عشرَة أنفس هَانِئ بْن حبيب والفاكه
[ ٢ / ٨٩ ]
بْن النُّعْمَان وحبلة بْن مَالك وَأَبُو هِنْد بْن بر وَأَخُوهُ الطّيب بْن بر وَتَمِيم بْن أَوْس ونعيم بْن أَوْس وَيزِيد بْن قيس وَعُرْوَة بْن مَالك وَأَخُوهُ مرّة بْن مَالك وأهدوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ رِوَايَة خمر فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ قد حرم الْخمر فَأمروا بيعهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِن الَّذِي حرم شربهَا حرم بيعهَا وَقدم وَفد بني أَسد فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه قدمنَا عَلَيْك قبل أَن ترسل إِلَيْنَا رَسُولا فَنزلت هَذِه الْآيَة يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا وَقدم عُرْوَة بْن مَسْعُود بْن معتب الثَّقَفِيّ على رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ ثمَّ اسْتَأْذن أَن يرجع إِلَى قومه فيدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هم قاتلوك قَالَ أَنا أحب إِلَيْهِم من أبكار أَوْلَادهم فَأذن لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج إِلَى قومه ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام وَأذن بالصبح على غرفَة فَرَمَاهُ رجل من بنى ثَقِيف
[ ٢ / ٩٠ ]
بِسَهْم فَقتله وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ الضَّحَّاك بْن سُفْيَان الْكلابِي إِلَى القرطاء سَرِيَّة فَأَصَابَهُمْ بغدير الزج وَقد كتب إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ كتابا فآبوا ورقعوا كِتَابهمْ بِأَسْفَل دلوهم وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عَليّ بْن أبي طَالب سَرِيَّة إِلَى الْفلس من بِلَاد طَيء فِي ربيع فَأَغَارَ عَلَيْهِم وسبى نمنهم نسَاء فِيهِنَّ أُخْت عدي بْن حَاتِم ثمَّ نعى رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيّ للنَّاس فِي رَجَب وَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَامَ فصلى هُوَ وَأَصْحَابه وصفوا خَلفه وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا ثمَّ أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بالتهيؤ لغزوة الرّوم فِي شدَّة الْحر وجدب من الْبِلَاد حِين طَالب الثِّمَار وأحبت
[ ٢ / ٩١ ]
الظلال وَكَانَ رَسُول اله ﷺ قَلما يخرج فِي غَزْوَة إِلَّا ورى بغَيْرهَا غير غَزْوَة تَبُوك هَذِه فَإِنَّهُ أَمر التآهب لبعد الشقة وَشدَّة الزَّمَان وحض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهل الْغنى على النَّفَقَة والحملان فِي سَبِيل اللَّه ورغبهم فِي ذَلِك وَحمل رجال من أهل الْغنى واحتسبوا وَأنْفق عُثْمَان بن عَفَّان تفى ذَلِك نَفَقَة عَظِيمَة لم ينْفق أحد أعظم من نَفَقَة ثمَّ إِن رجَالًا من الْمُسلمين أَتَوا رَسُول اللَّهِ ﷺ وهم البكاؤن وهم سَبْعَة نفر فاستحملوا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا أهل حَاجَة فَقَالَ لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم فاعتذروا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بعذرهم وهم بَنو غفار وَقد كَانَ تنفر من الْمُسلمين أَبْطَأَ بهم النِّيَّة عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى تخلفوا عَنهُ من غير شكّ وَلَا ارتياب مِنْهُم كَعْب بْن مَالك أَخُو بنى سَلمَة ومرارو بْن الرّبيع أَخُو بني عَمْرو بْن عَوْف وهلال بْن أُميَّة أَخُو بني وَاقِف وَأَبُو خَيْثَمَة أَخُو بني سَالم وَكَانُوا نفر صدق وَلَا يتهمون فِي إسْلَامهمْ فَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْمَدِينَة وَضرب مُعَسْكَره على ثنية الْوَدَاع ضرب عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول مُعَسْكَره أَسْفَل مِنْهُ وَخلف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَليّ بن أبي طَالب على
[ ٢ / ٩٢ ]
أَهله وَأمره بالأقامة فيهم واستخلف على الْمَدِينَة سِبَاع بن عرفطة أَخا بني غفار فَقَالَ المُنَافِقُونَ وَالله مَا خَلفه علينا إِلَّا استثقالا لَهُ فَلَمَّا سمع ذَلِك على أَخذ سلاحه ثمَّ خرج حَتَّى لحق رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازل بالجرف وَقَالَ يَا بنى اللَّه زعم المُنَافِقُونَ أَنَّك إِنَّمَا خلفتني استثقالا فَقَالَ كذبُوا وَلَكِنِّي خلفتك لما تركت ورائي فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَأهْلك أَلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي فَرجع عَليّ إِلَى الْمَدِينَة وَمضى رَسُول اللَّهِ ﷺ وتخلف عَنهُ عَبْد اللَّه بْن أبي فِيمَن تخلف من الْمُنَافِقين فَلَمَّا نزل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْحجرِ استقى النَّاس من بترها فَلَمَّا راحو مِنْهَا قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا تشْربُوا من مَائِهَا شَيْئا وَلَا تتوضأوا مِنْهُ للصَّلَاة وَمَا كَانَ من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئا ثمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأرْسل اللَّه السَّحَاب فَأمْطر حَتَّى ارتوى النَّاس وتوضأوا ثمَّ أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ نزل فِي بعض الْمنَازل فضلت نَاقَته فَخرج أَصْحَابه فِي طلبَهَا فَقَالَ بعض الْمُنَافِقين أَلَيْسَ مُحَمَّد يزْعم أَنه نَبِي وَيُخْبِركُمْ بِخَبَر السَّمَاء وَهُوَ لَا يدْرِي أَيْن نَاقَته فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالله مَا أعلم
[ ٢ / ٩٣ ]
إِلَّا مَا عَلمنِي اللَّه وَقد عَلمنِي أَنَّهَا فِي الْوَادي بَين شعب كَذَا وَكَذَا قد حبستها شَجَرَة بزمامها قَالَ فَانْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا بهَا فَذَهَبُوا فجاؤوا بهَا ثمَّ سَار رَسُول اللَّهِ ﷺ فَجعل يتَخَلَّف عَنهُ الرجل فَيَقُولُونَ وَالله يَا رَسُول اللَّه تخلف فلَان فَيَقُول دَعوه فَإِن يكن فِيهِ خبر فسيلحقه اللَّه بكم حَتَّى قيل لَهُ يَا رَسُول اللَّه تخلف أَبُو ذَر وَأَبْطَأ بِهِ بعيره فَقَالَ دَعوه فَإِن يَك فِيهِ خير فسيلحقه اللَّه بكم فَلَمَّا أَبْطَأَ على أبي ذَر بعيره أَخذ مَتَاعه على ظَهره وَترك بعيره ثمَّ خرج يتبع أثر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاشِيا وَنزل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بعض مَنَازِله فَنظر نَاظر من الْمُسلمين فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه رجل على الطَّرِيق يمشى وَحده فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كن أَبَا ذَر فَلَمَّا تَأمله الْقَوْم قَالُوا يَا رَسُول اللَّه هَذَا وَالله أَبَا ذَر فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رحم اللَّه أَبَا ذَر يعِيش وَحده وَيَمُوت وَحده وَيبْعَث وَحده فَانْتهى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوك فَلَمَّا أَتَاهَا أَتَاهُ يحنة بْن رؤبة صَاحب أَيْلَة وَصَالح على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة وَأَتَاهُ جرباء وأذرح فأعطوا الْجِزْيَة وَكتب رَسُول اللَّهِ ﷺ كتابا وَهُوَ عِنْدهم فَكتب
[ ٢ / ٩٤ ]
ليحنة بن رؤبة بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِه أَمَنَة من الله وَمن مُحَمَّد النَّبِي ﷺ يحنة بن رؤبة وَأهل بَلَده وسيارته فِي الْبر وَالْبَحْر فهم فِي ذمَّة اللَّه وَذمَّة مُحَمَّد النَّبِي ﷺ وَمن كَانَ مَعَهم من أهل الشَّام وَأهل الْيمن وَأهل الْبَحْر فَمن أحدث مِنْهُم حَدثنَا فَإِنَّهُ لَا يحول مَاله دون نَفسه وَإنَّهُ طيب للنَّاس مِمَّن أَخذه وَإنَّهُ لَا يحل أَن يمنعوا مَاء يردونه وَلَا طَرِيقا يريدونه من بر وبحر وَكتب جهيم بْن الصَّلْت بِأَمْر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكتب لأهل جرباء وأذرح بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب من مُحَمَّد النَّبِي ﷺ لأهل أذرح أَنهم آمنون بِأَمَان الله وأمان مُحَمَّد وَأَن عَلَيْهِم مائَة دِينَار فِي كل رَجَب وافية طيبَة وَالله كَفِيل عَلَيْهِم بالنصح وَالْإِحْسَان وَمن لَجأ إِلَيْهِم من الْمُسلمين وَقد كَانَ أَبُو خَيْثَمَة أحد بني سَالم رَجَعَ بعد أَن خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْمَدِينَة إِلَى أَهله فِي يَوْم حَار فَوجدَ امْرَأتَيْنِ لَهُ فِي عريشين لَهما فِي حَائِط قد رَشَّتْ كل وَاحِدَة مِنْهُمَا عريشها وَبَردت لَهُ فِيهِ مَاء وَهَيَّأْت لَهُ فِيهِ طَعَاما فَلَمَّا دخل أَبُو خَيْثَمَة قَامَ على بَاب العريشين وَنظر إِلَى امرأتيه وَمَا صنعتا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي
[ ٢ / ٩٥ ]
الرّيح وَالْحر وَأَبُو خَيْثَمَة فِي ظلال بَارِدَة وَطَعَام مُهَيَّأ وَامْرَأَة حسناء فِي مَاله مُقيم مَا هَذَا بِالنِّصْفِ ثمَّ قَالَ وَالله لَا أَدخل عَرِيش وَاحِدَة مِنْكُمَا حَتَّى الْحق برَسُول اللَّهِ ﷺ فَهَيَّأَ لَهُ زادا ثمَّ قدم ناضحة فارتحله ثمَّ خرج فِي طلب رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبينا أَبُو خَيْثَمَة يسير إِذْ لحقه عُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي فِي الطَّرِيق يطْلب رَسُول اللَّهِ ﷺ فترافقا حَتَّى إِذا دنوا من تَبُوك قَالَ أَبُو خَيْثَمَة لعمير بْن وهب إِن لي ذَنبا فَلَا عَلَيْك أَن تخلف عني حَتَّى أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَفعل عُمَيْر ثمَّ سَار أَبُو خَيْثَمَة حَتَّى إِذا دنا من رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازل بتبوك قَالَ النَّاس هَذَا رَاكب على الطَّرِيق مقبل فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كن أَبَا خَيْثَمَة فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه هُوَ وَالله أَبُو خَيْثَمَة فَلَمَّا أَنَاخَ أقبل وَسلم على رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ أخبرهُ الْخَبَر فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خيرا ودعا لَهُ بِخَير ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد وَبَعثه
[ ٢ / ٩٦ ]
إِلَى أكيدر دومة وَهُوَ أكيدر بْن عَبْد الْملك رجل من كِنْدَة وَكَانَ ملكا عَلَيْهِم وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لخَالِد إِنَّك ستجده يصيد بقر الْوَحْش فَخرج خَالِد بْن الْوَلِيد حَتَّى إِذا كَانَ من حصنه بمنظر الْعين فِي لَيْلَة مُقْمِرَة صائفة وَهُوَ على سطح لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَته فباتت الْبَقر تحك قُرُونهَا بِبَاب الْقصر فَقَالَت لَهُ امْرَأَة هَل رَأَيْت مثل هَذَا قطّ قَالَ لَا وَالله فَمن يتْرك هَذَا قَالَ لَا أحد فَنزل أكيدر دومة وَأمر بفرسه فأسرج وَركب فِي نفر من أهل بَيته وَمَعَهُ أَخُوهُ حسان فَلَمَّا خَرجُوا بمطاردهم تلقتهم خيل رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَهم خَالِد بْن الْوَلِيد فَقتلُوا أَخَاهُ حسانا وَقد كَانَ عَلَيْهِ قبَاء من ديباج مخوص بِالذَّهَب فاستلبه خَالِد وَبعث بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قدم بِهِ على رَسُول اللَّهِ ﷺ جعل الْمُسلمُونَ يلمسونه بِأَيْدِيهِم ويعجبون مِنْهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أتعجبون من هَذَا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لمناديل سعد بْن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذَا ثمَّ إِن خَالِدا قدم بأكيدر على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فحقن لَهُ دَمه وَصَالَحَهُ على الْجِزْيَة ثمَّ خلى سَبيله وَرجع
[ ٢ / ٩٧ ]
إِلَى قريته وافتقد رَسُول اللَّهِ ﷺ كَعْب بْن مَالك فَقَالَ مِمَّا فعل كَعْب بْن مَالك فَقَالَ رجل من بني سَلمَة يَا رَسُول اللَّه حَبسه برْدَاهُ وَالنَّظَر فِي عطفيه فَقَالَ لَهُ معَاذ بْن جبل بئس وَالله مَا قلت وَالله يَا رَسُول اللَّه مَا علمنَا مِنْهُ إِلَّا خيرا فَسكت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأقَام رَسُول اللَّهِ ﷺ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة يقصر الصَّلَاة وَلم يجاوزها ثمَّ انْصَرف قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ فِي الطَّرِيق مَاء يخرج من وشل مَا يروي الرَّاكِب والراكبين وَالثَّلَاثَة بواد يُقَال لَهُ المشقق فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ من سبقنَا إِلَى ذَلِك المَاء فَلَا يستقين مِنْهُ شَيْئا حَتَّى أتيه فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وضع يَده فِيهَا ينصب فِي يَده مَا شَاءَ اللَّه أَن ينصب ثمَّ مجه فِيهِ ودعا اللَّه بِمَا شَاءَ اللَّه أَن يَدْعُو فانخرق من المَاء فَشرب النَّاس واستقوا حَاجتهم مِنْهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَئِن بَقِيتُمْ أَو بَقِي مِنْكُم لتسمهن بِهَذَا الْوَادي وَهُوَ أخصب مَا بَين يَدَيْهِ وَمَا خَلفه
[ ٢ / ٩٨ ]
وَذَاكَ المَاء فوارة تَبُوك الْيَوْم ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ نزل بعض النَّازِل وَمَات عَبْد اللَّه بْن البجادين فَحَفَرُوا لَهُ وَنزل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حفرته وأبز بكر وَعمر يدليانه إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول أدليا لي أخاكما فأدلوه إِلَيْهِ فَلَمَّا هيأه لِشقِّهِ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي قد أمسيت عَنهُ رَاضِيا فارض عَنهُ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَا لَيْتَني كنت صَاحب الحفرة وَكَانَ الْمُسلمُونَ يَقُولُونَ لَا جِهَاد بعد الْيَوْم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْقَطِع الْجِهَاد حَتَّى ينزل عِيسَى بْن مَرْيَم ﵇ وَجعل رَسُول اللَّهِ ﷺ من تَبُوك إِلَى الْمَدِينَة مَسَاجِد فِي مَنَازِله معروقة إِلَى الْيَوْم فأولها مَسْجِد بثينة مدران وَمَسْجِد بِذَات الزراب وَمَسْجِد بالأخضر وَمَسْجِد بِذَات الخطمي وَمَسْجِد بِذَات البتراء وَمَسْجِد بالشق وَمَسْجِد بِذِي الجيفة
[ ٢ / ٩٩ ]
وَمَسْجِد بالصدر وَمَسْجِد وَادي الْقرى وَمَسْجِد الرقعة وَمَسْجِد بِذِي مروة وَمَسْجِد بالفيفاء وَمَسْجِد بِذِي خشب ثمَّ قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة وَكَانَ إِذا قدم من سفر بَدَأَ فِي الْمَسْجِد فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس للنَّاس فَلَمَّا فعل ذَلِك جَاءَ الْمُخَلفُونَ فيهم كَعْب بْن مَالك ومراوة بْن الرّبيع وهلال بْن أُميَّة وَغَيرهم فَجعلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ويحلفون لَهُ وَكَانُوا بضعَة وَثَمَانِينَ رجلا فَكَانَ لاسول اللَّهِ ﷺ يقبل مِنْهُم على نيتهم ويكل سرائرهم إِلَى اللَّه حَتَّى جَاءَ كَعْب بْن مَالك فَسلم عَلَيْهِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَسم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ لَهُ تعال فجَاء كَعْب بْن مَالك يمشى حَتَّى جلس بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ مَا خَلفك ألم تكن ابتعت ظهرك قَالَ بلي يَا رَسُول اللَّه وَالله لَو جَلَست عِنْد غَيْرك من أهل الدُّنْيَا لرأيت أَنِّي سأخرج من سخطه بِعُذْر وَلَقَد أَعْطَيْت جدك وَإِن لي لِسَانا وَلَكِن وَالله لقد علمت لَئِن حدثتك الْيَوْم حَدِيثا كَاذِبًا لترضين بِهِ عني وليوشكن اللَّه أَن يسخطك عَليّ وَلَئِن حدثتك حَدِيثا صَادِقا تَجِد عَليّ فِيهِ وَإِنِّي لأرجو عُقبى اللَّه فِيهِ لَا وَالله مَا كَانَ لي عذر وَوَاللَّه مَا كنت قطّ
[ ٢ / ١٠٠ ]
أقوى وأيسر مني حِين تخلفت عَنْك فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أما هَذَا فقد صدقت قُم قُم حَتَّى يقْضِي اللَّه فِيك فَقَامَ وثار مَعَه رجال من بني سَلمَة واتبعوه وَقَالُوا مَا علمناك كنت أذنبت ذَنبا قبل هَذَا وَلَقَد عجزت أَن لَا تكون اعتذرت إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا أعْتَذر إِلَيْهِ الْمُخَلفُونَ وَقد كَانَ كافيك ذَنْبك اسْتِغْفَار رَسُول اللَّهِ ﷺ لَك وَجعلُوا ينوبونه حَتَّى أَرَادَ أَن يرجع إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ويكذب نَفسه ثمَّ قَالَ لَهُم هَل لقى هَذَا أحد غيرى قَالُوا نعم رجلَانِ قَالَا مثل مَا قلت وَقَالَ لَهما مثل مَا قَالَ لَك قَالَ وَمن هما قَالُوا مرَارَة بْن الرّبيع وهلال بْن أُميَّة الوَاقِفِي ثمَّ نهى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَن كَلَام هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَأَما مرَارَة وهلال فقعدا فِي بيوتهما وَأما كَعْب بْن مَالك فَكَانَ أشب الْقَوْم وأجلدهم وَكَانَ يخرج وَيشْهد الصَّلَاة مَعَ الْمُسلمين وَيَطوف فِي الْأَسْوَاق وَلَا يكلمهُ أحد وبأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيسلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسه بعد الصَّلَاة وَيَقُول فِي نَفسه هَل حرك شَفَتَيْه يرد السَّلَام على أم لَا ثمَّ يُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ ويسارقه النّظر فَإِذا أقبل كَعْب على صلَاته
[ ٢ / ١٠١ ]
نظر إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِذا الْتفت نَحوه أعرض عَنهُ حَتَّى طَال ذَلِك عَلَيْهِ من جفوة الْمُسلمين ثمَّ مر كَعْب تسور جِدَار أَبى قَتَادَة وَهُوَ بن عَمه وَأحب النَّاس إِلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرد ﵇ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا قَتَادَة أنْشدك اللَّه هَل تعلم أَنِّي أحب اللَّه وَرَسُوله فَسكت فَعَاد ينشده فَسكت فَعَاد ينشده فَقَالَ اللَّه وَرَسُوله أعلم فَفَاضَتْ عينا كَعْب ووثب قنسور الْجِدَار ثمَّ غَدا إِلَى السُّوق فَبينا هُوَ يمشى وَإِذا نبطى من نبط الشَّام يسْأَل عَنهُ مِمَّن قدم بِالطَّعَامِ يَبِيعهُ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقُول من يدل على كَعْب بْن مَالك فَجعل النَّاس يشيرون إِلَيْهِ جَاءَ كَعْبًا فَدفع إِلَيْهِ كتابا من مَالك غَسَّان فِي سَرقَة حَرِير فِيهِ أما بعد فَإِنَّهُ بلغنَا أَن صَاحبك قد جفاك وَلم يجعلك اللَّه بدار هوان وَلَا مضيعة فَالْحق بِنَا نواسك فَلَمَّا قَرَأَ كَعْب الْكتاب قَالَ وَهَذَا من الْبلَاء أَيْضا قد بلغ بِي مَا وَقعت فِيهِ أَن طمع فِي رجل من أهل الشّرك ثمَّ عمد بِالْكتاب إِلَى تنور فسجره بِهِ ثمَّ أَقَامَ عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى إِذا مضى أَرْبَعُونَ لَيْلَة أَتَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرك أَن تَعْتَزِل امْرَأَتك فَقَالَ كَعْب أطلقها أم مَاذَا قَالَ بل أعتزلها وَلَا تَقربهَا وَأرْسل
[ ٢ / ١٠٢ ]
إِلَى مرَارَة وهلال بِمثل ذَلِك فَقَالَ كَعْب لامْرَأَته الحقي بأهلك فكوني عِنْدهم حَتَّى يقْضِي اللَّه فِي هَذَا الْأَمر مَا هُوَ قَاض وَجَاءَت امْرَأَة هِلَال بْن أُميَّة فَقَالَت يَا رَسُول اللَّه إِن هِلَال بْن أُميَّة شيخ كَبِير ضائع لَا خَادِم لَهُ أفتكره أَن أخدمه قَالَ لَا وَلَكِن لَا يقربنك قَالَت وَالله يَا رَسُول اللَّه مَا بِهِ من حَرَكَة وَالله مَا زَالَ يبكى مُنْذُ كَانَ من أمره مَا كَانَ إِلَى يَوْمه هَذَا وَالله لقد تخوفت على بَصَره فلبثوا بعد ذَلِك عشر لَيَال حَتَّى كمل خَمْسُونَ لَيْلَة من حِين نهى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُسلمين عَن كَلَامهم فصلى كَعْب بْن مَالك الصُّبْح على ظهر بَيت من بيوته على الْحَال الَّتِي ذكر اللَّه مِنْهُ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض برحبها وَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفسه إِذْ سمع صَوت صارخ أوفى على سلعه يَقُول بِأَعْلَى صَوته يَا كَعْب بن مَالك فخركعب لله سَاجِدا وَعرف أَنه قد جَاءَ الْفرج وَأخْبر رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّاس بتوبة اللَّه عَلَيْهِم حِين صلى الصُّبْح ثمَّ جَاءَ كَعْبًا الصَّارِخ بالبشرى فَنزع ثوبيه فكساهما إِيَّاه ببشارته واستعار ثَوْبَيْنِ فلبسهما ثمَّ انْطلق يؤم رَسُول اللَّهِ ﷺ وتلقاه النَّاس يتهنأونه بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِيَهنك تَوْبَة اللَّه عَلَيْك حَتَّى دخل الْمَسْجِد
[ ٢ / ١٠٣ ]
ورَسُول اللَّهِ ﷺ جَالس حوله النَّاس فَقَامَ إِلَيْهِ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فحياه وهنأه فَلَمَّا سلم كَعْب على رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَوَجهه يَبْرق بالسرور أبشر بِخَير يَوْم مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك فَقَالَ كَعْب أَمن عنْدك يَا رَسُول اللَّه أم من عِنْد اللَّه قَالَ بل من عِنْد اللَّه ثمَّ جلس بَين يَدَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِن من توبى أَن أَنْخَلِع من مَالِي صَدَقَة إِلَى اللَّه وَرَسُوله فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أمسك عَلَيْك مَالك فَهُوَ خبر لَك فَقَالَ إِنِّي مُمْسك سهمي الَّذِي بِخَيْبَر ثمَّ قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِن اللَّه قد نجاني بِالصّدقِ فَإِن تَوْبَتِي إِلَى اللَّه أَن لَا أحدث إِلَّا صدقا مَا بقيت فَتلا عَلَيْهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار إِلَى قَوْله إِنَّ اللَّهَ هُوَ التواب الرَّحِيم ثمَّ لَاعن رَسُول اللَّهِ ﷺ بَين عُوَيْمِر بْن الْحَارِث بْن عجلَان وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ عَاصِم وَبَين امْرَأَته بعد الْعَصْر فِي الْمَسْجِد
[ ٢ / ١٠٤ ]
فِي شعْبَان وَذَلِكَ أَنه أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه لَو أَن أَحَدنَا رأى امْرَأَته على فَاحِشَة كَيفَ يصنع إِن تكلم تكلم بِأَمْر عَظِيم وَإِن سكت سكت على مثل ذَلِك فَلم يجيه رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول إِن الَّذِي قد سَأَلتك عَنهُ قد ابْتليت بِهِ فَأنْزل اللَّه هَذِه الْآيَات وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ازواجهم حَتَّى ختم الْآيَات فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَاصِمًا فَتلا عَلَيْهِ ووعظه وَذكره وَأخْبرهُ أَن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة فَقَالَ عَاصِم لَا وَالَّذِي بَعثك مَا كذبت عَلَيْهَا ثمَّ دَعَا بامرأته فوعظها وَذكرهَا أَن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة قَالَت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ فَبَدَأَ بعاصم فَشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الصَّادِقين وَالْخَامِسَة أَن لعنة اللَّه عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين وَأمر اللَّه رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوضع يَده على فِيهِ عِنْد الْخَامِسَة وَقَالَ احذر فَإِنَّهَا مُوجبَة ثمَّ ثنى بامرأته فَشَهِدت أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين وَالْخَامِسَة أَن غضب اللَّه عَلَيْهَا إِن كَانَت من الصَّادِقين ثمَّ فرق بَينهمَا وَألْحق الْوَلَد بِالْأُمِّ وَمَاتَتْ أم كُلْثُوم بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شعْبَان وغسلتها صَفِيَّة بنت عَبْد الْمطلب وَنزل فِي حفرتها على وَالْفضل وَأُسَامَة
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَورد على رَسُول اللَّهِ ﷺ كتاب مُلُوك حمير فِي رَمَضَان مقرين بِالْإِسْلَامِ فَكتب إِلَيْهِم رَسُول اللَّهِ ﷺ كتاب جوابهم وَبَعثه مَعَ عَمْرو بْن حزم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى شُرَحْبِيل بْن عَبْد كلال والْحَارث بْن عَبْد كلال قيل ذِي رعين ومعافر وهمدان أما بعد فقد رفع رَسُولكُم وأعطيتم من الْمَغَانِم خمس اللَّه وَمَا كتب اللَّه على الْمُؤمنِينَ من الْعشْر فِي الْعقار وَمَا سقت السَّمَاء إِذا كَانَ سيحا أَو بعلا فَفِيهِ الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أَو سُقْ وَمَا سقى بالرشاء والدالية فَفِيهِ نصف الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أَو سُقْ وَفِي كل خمس من الْإِبِل سَائِمَة شَاة إِلَى أَن تبلغ أَرْبعا وَعشْرين فَإِذا زَادَت وَاحِدَة على أَربع وَعشْرين فَفِيهَا ابْنة مَخَاض فَإِن لم تُوجد بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ فَإِن زَادَت وَاحِدَة على خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنة لبون إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَأَرْبَعين فَإِن زَادَت وَاحِدَة على خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا حَقه طروقة الْجمل إِلَى أَن
[ ٢ / ١٠٦ ]
تبلغ سِتِّينَ فَإِن زَادَت على السِّتين وَاحِدَة فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَسبعين فَإِن زَادَت وَاحِدَة على خمس وَسَبْعُونَ فَفِيهَا ابنتا لبون إِلَى أَن تبلغ تسعين فَإِن زَادَت وَاحِدَة على التسعين فَفِيهَا حقتان طروقتا الْجمل إِلَى أَن تبلغ عشْرين وَمِائَة فَمَا زَاد على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ بَين لبون وَفِي كل خمسين حقة طروقة الْجمل وَفِي كل ثَلَاثِينَ باقورة تبيع جذع أَو جَذَعَة وَفِي كل أَرْبَعِينَ باقورة بقرة وَفِي كل أَرْبَعِينَ شَاة سَائِمَة شَاة إِلَى أَن تبلغ عشْرين وَمِائَة فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِيهَا شَاتَان إِلَى أَن تبلغ مِائَتَيْنِ فَإِن زَادَت وَاحِدَة فَثَلَاث إِلَى أَن تبلغ ثَلَاثمِائَة فَإِن زَادَت فَفِي كل مائَة شَاة شَاة وَلَا تُؤْخَذ بِالصَّدَقَةِ بهرمة وَلَا عجفاء وَلَا ذَات عوار وَلَا تَيْس الْغنم وَلَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة وَمَا أَخذ من الخليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَفِي كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ شَيْء وَفِي كل أَرْبَعِينَ دِينَارا دِينَارا وَإِن الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لأهل بَيته إِنَّمَا
[ ٢ / ١٠٧ ]
هِيَ الزَّكَاة يزكّى بهَا أنفعهم فِي فُقَرَاء الْمُؤمنِينَ وَفِي سَبِيل اللَّه وَلَيْسَ فِي رَقِيق وَلَا مزرعة وَلَا عمالها شَيْء إِذا كَانَت تُؤَدّى صدقتها من الْعشْر وَلَيْسَ فِي عَبْد الْمُسلم وَلَا فرسه شَيْء وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة الْإِشْرَاك بِاللَّه وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر حق والفرار فِي سَبِيل اللَّه يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمى المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم وَإِن الْعمرَة هى الْحَج الصغر وَلَا يمس الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر وَلَا طَلَاق قبل إملاك وَلَا عتاق يبْتَاع وَلَا يصلين أحد مِنْكُم فِي ثوب وَاحِد لَيْسَ على منكبية شَيْء وَلَا يحتبين فِي ثوب وَاحِد لَيْسَ بَين فرجه وَبَين السَّمَاء شَيْء وَلَا يصلين أحدكُم فِي ثوب وَاحِد وشقة باد وَلَا يصلين أحد مِنْكُم عاقصا شعره وَإِن من أعتبط مُؤمنا قتلا عَن بَيِّنَة فَهُوَ قَود إِلَّا أَن يرضى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول وَإِن فِي النَّفس الدِّيَة مائَة من الْإِبِل وَفِي الْأنف إِذا أوعب جدعه الدِّيَة وَفِي اللِّسَان الدِّيَة وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة وَفِي البيضتين الدِّيَة وَفِي الذّكر الدِّيَة وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة وَفِي الْجَائِفَة ثلث الدِّيَة
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَفِي الرجل الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة وَفِي الصلب الدِّيَة وَفِي الْعَينَيْنِ الدِّيَة وَفِي المنقلة خَمْسَة عشر من الْإِبِل وَفِي السن خمس من الْإِبِل وَفِي الْمُوَضّحَة خمس من الْإِبِل وَإِن الرجل يقل بِالْمَرْأَةِ وعَلى أهل الذَّهَب ألف دِينَار فقرىء الْكتاب على أهل الْيمن ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ معَاذ بْن جبل إِلَى الْيمن وَذكر أَنه ﷺ صلى الْغَدَاة ثمَّ أقبل على النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَيّكُم ينتدب إِلَى الْيمن فَقَامَ عمر بْن الْخطاب فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللَّه فَسكت عَنهُ ثمَّ قَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَيّكُم ينتدب إِلَى الْيمن فَقَامَ معَاذ بْن جبل فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ يَا معَاذ أَنْت لَهَا يَا بِلَال ائْتِنِي بعمامتي فَأَتَاهُ بعمامته فعمم بهَا رَأسه ثمَّ خرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمهاجرين وَالْأَنْصَار يشيعون معَاذًا وَهُوَ رَاكب ورَسُول اللَّهِ ﷺ يمشى إِلَى جَانب رَاحِلَته ثمَّ قَالَ يَا معَاذ أوصيك بتقوى اللَّه وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَترك الْخِيَانَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وخفض الْجنَاح وَحفظ
[ ٢ / ١٠٩ ]
الْجَار ولين الْكَلَام ورد السَّلَام والتفقه فِي الْقُرْآن والجزع من الْحساب وَحب الْآخِرَة على الدُّنْيَا يَا معَاذ لَا تفْسد أَرضًا وَلَا تَشْتُم مُسلما وَلَا تصدق كَاذِبًا وَلَا تكذب صَادِقا وَلَا تعص إِمَامًا وَإنَّك تقدم على قوم من أهل الْكتاب فَلْيَكُن أول مَا تدعوهم إِلَيْهِ عبَادَة اللَّه فَإِذا عرفُوا اللَّه فَأخْبرهُم أَن اللَّه قد فرض عَلَيْهِم خمس صلوت فِي يومهم وليلتهم فَإِذا فعلوا ذَلِك فَأخْبرهُم أَن اللَّه تَعَالَى فرض عَلَيْهِم زَكَاة تُؤْخَذ من أَمْوَالهم فَترد على فقرائهم فَإِذا أطاعوا بهَا فَخذ مِنْهُم وتوق كرائم أَمْوَال النَّاس يَا معَاذ إِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي وأكره لَك مَا أكره لَهَا يَا معَاذ إِذا أحدثت ذَنبا فأحدث لَهُ تَوْبَة السِّرّ بالسر وَالْعَلَانِيَة بالعلانية يَا معَاذ يسر وَلَا تعسر وَاذْكُر اللَّه عِنْد كل حجر ومدر يشْهد لَك يَوْم الْقِيَامَة يَا نعاذ عد الْمَرِيض وأسرع فِي حوائج الأرامل والضعفاء وجالس الْمَسَاكِين والفقراء وأنصف النَّاس من نَفسك وَقل الْحق حَيْثُ كَانَ وَلَا يأخذك فِي اللَّه لومة لائم والقني على الْحَال الَّتِي فارقتني عَلَيْهَا فَقَالَ معَاذ بِأبي وَأمي أَنْت يَا رَسُول اللَّه لقد حَملتنِي أمرا عَظِيما فَادع اللَّه لي على مَا قلدتني عَلَيْهِ فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ ودعه وَانْصَرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَأَصْحَابه ثمَّ أردفه
[ ٢ / ١١٠ ]
بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَلَمَّا قدم صنعاء منبرها فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِم عهد ثمَّ نزل فَأَتَاهُ صَنَادِيد صنعاء فَقَالُوا يَا معَاذ هَذَا نزل تقد هيأناه لَك وَهَذَا منزل قد فرغناه لَك قَالَ بِهَذَا أَوْصَانِي حَبِيبِي أَوْصَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن لَا تأخذني بِاللَّه لومة لائم وخلع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ معَاذ بْن جبل من مَاله لغلرمائه حَيْثُ اشتدوا عَلَيْهِ وَبَعثه إِلَى الْيمن وَقَالَ لَعَلَّ الله يجيرك وَقدم وَفد كلاب على رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَة عشر نفر فيهم لبيد بْن ربيعَة ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ سَرِيَّة مَعَ جمَاعَة من الْعَرَب لَيْسَ فيهم من الْمُهَاجِرين أحد وَلَا من الْأَنْصَار إِلَى بني تَمِيم فَأَغَارَ عَلَيْهِم وسبى مِنْهُم النِّسَاء والولدان وَأخذ مِنْهُم عشْرين رجلا فَقدم بهم الْمَدِينَة
[ ٢ / ١١١ ]
فَوضع رَسُول اللَّهِ ﷺ لحسان منبرا فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيّد حسانا بِروح الْقُدس فَقَالَ الْقَوْم شَاعِرهمْ أشعر من شَاعِرنَا وخطيبهم أَخطب من خَطِيبنَا وَقدم وَفد الطَّائِف ونزلوا دَار الْمُغيرَة بْن شُعْبَة وطلبوا الصُّلْح فَأمر النَّبِيَّ ﷺ خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ أَن يكْتب لَهُم كتاب الصُّلْح وَمرض عَبْد اللَّه بْن أبي سلول فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال وَمَات فِي ذِي الْقعدَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ يعودهُ فَلَمَّا مَاتَ جَاءَ ابْنه إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَعْطِنِي قَمِيصك أكَفنهُ فِيهِ فَأعْطَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَمِيصه وأتى قَبره فصلى عَلَيْهِ فَنزلت الْآيَة وَلا تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ على قَبره وَقدم وَفد بني فَزَارَة وهم بضعَة عشر رجلا فيهم خَارِجَة بن حصن
[ ٢ / ١١٢ ]
وَقدم وَفد بني عذرة ثَلَاثَة عشر رجلا ونزلوا على الْمِقْدَاد بْن عَمْرو وَفرض اللَّه تَعَالَى الْحَج على من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَا بكر يحجّ بِالنَّاسِ من الْمَدِينَة فِي ثَلَاثمِائَة نفس وَبعث مَعَه عشْرين بَدَنَة مفتولة قلائدها ففتلها عَائِشَة بِيَدِهَا وقلدها وأشعرها وسَاق أَبُو بكر لنَفسِهِ خمس بدنات وَحج مَعَه عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَلَمَّا بلغ العرج وثوب بالصبح سمع أَبُو بكر خَلفه رغوة وَأَرَادَ أَن يكبر الصَّلَاة فَوقف عَن التَّكْبِير وَقَالَ هَذِه رغوة نَاقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ الجدعاء لقد بدا لرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحَج فَلَعَلَّهُ أَن يكون رَسُول اللَّهِ ﷺ فنصلي فَإِذا على عَلَيْهَا فَقَالَ أَبُو بكر أَمِير أم رَسُول فَقَالَ لَا بل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ببرأة أقرأها على النَّاس فِي مَوَاقِف الْحَج فقدموا مَكَّة فَقَرَأَ على النَّاس سُورَة بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْم عَرَفَة قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس وعرفهم مناسكهم حَتَّى إِذا فرغ قَامَ على فقرأها على النَّاس حَتَّى خَتمهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّحْر خطب أَبُو بكر النَّاس وَحَدَّثَهُمْ عَن إفاضتهم
[ ٢ / ١١٣ ]
ونحرهم ومناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا لينبذ إِلَى كل حق حَقه وَذي عهد عَهده وَأَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّفر الأول قَامَ أَبُو بكر وخطب النَّاس وَحَدَّثَهُمْ كَيفَ ينفرون وَكَيف يرْمونَ فعلمهم مناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا ثمَّ رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة السّنة الْعَاشِرَة لِلْهِجْرَةِ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن خُزَيْمَةَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ ثَنَا قُرَّةُ بن خَالِد عَن أَبى جَمْرَة الضُّبَعِيِّ قَالَ قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ إِن لي جرة ينيذ لي فِيهَا أَطَلْتُ الْجُلُوسَ مَعَ الْقَوْمِ خَشِيتُ أَن
[ ٢ / ١١٤ ]
أُفْتَضَحَ مِنْ حَلاوَتِهِ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ على رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكِ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ فحدثنا جمل مِنَ الأَمْرِ إِذَا أَخَذْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَن أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَأَنَّ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ وَأَنْهَاكُمْ عَن النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ قَالَ فِي أول هَذِه السّنة قدم وَفد عَبْدِ الْقَيْسِ على رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا دنو من الْمَدِينَة تركُوا رواحلهم وَبَادرُوا إِلَى النَّبِي ﷺ وَنزل عَبْد اللَّه بْن الأشبح الْعَبْدي فعقل رَاحِلَته وَنزع ثِيَابه فلبسها ثمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن فِيك لخصلتين يحبهما اللَّه وَرَسُوله الْحلم والأناة سَأَلُوهُ عَمَّا ذكرنَا
[ ٢ / ١١٥ ]
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن بيالوليد إِلَى بني عَبْد المدان فِي شهر ربيع الأول وهم بَنو تالحارث بْن كَعْب وَأَسْلمُوا وَأخذ الصَّدَقَة من أغنيائهم وردهَا على فقرائهم ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عَمْرو بْن حزم عَاملا على نَجْرَان فَخرج وَأقَام عِنْدهم يعلمهُمْ السّنة ومعالم الْإِسْلَام إِلَى أَن توفّي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ على نَجْرَان وَقدم عدي بْن حَاتِم الطَّائِي وَمَعَهُ صَلِيب من ذهب فَقَالَ النَّبِي ﷺ اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون اللَّه وَقدم بعده وَفد طَيء فيهم زيد الْخَيل وَهُوَ رَأْسهمْ ثمَّ قدم جرير بْن عَبْد الْملك البَجلِيّ فَبَعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى هدم ذِي الخلصة فَهَدمهَا
[ ٢ / ١١٦ ]
ثمَّ قدم وَفد الأزد رَأْسهمْ صرد بْن عَبْد اللَّه فِي بضعَة عشر رجلا وَبَعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى جرش فافتتحها وَكَانَ عَاملا للنَّبِي ﷺ وَولد مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم بِنَجْرَان فَكتب عَمْرو إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بذلك وَأخْبرهُ أَنه سَمَّاهُ مُحَمَّد وكناه أَبَا سُلَيْمَان وَقدم وَفد سلامان وهم سَبْعَة نفر رَأْسهمْ حبيب السلاماني وَقدم وَفد بني حنيفَة فيهم مُسَيْلمَة فَقَالَ مُحَمَّد إِن جعلت لي الْأَمر بعْدك آمَنت بك وصدقتك وَفِي بدر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَرِيدَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَو سَأَلتنِي هَذِه الجريدة مَا أعطيتكها وَلنْ تعدو أَمر اللَّه فِيك وَلَئِن أَدْبَرت ليَعْقِرنك الله إِنِّي لأرااك الَّذِي أريت وَذَلِكَ أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ بَينا أَنا نَائِم رَأَيْت فِي يَدي سِوَارَيْنِ من ذهب فَأَهَمَّنِي شَأْنهمَا فَأوحى إِلَى فِي الْمَنَام أَن انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتهمَا فطَارَا فَأَوَّلْتهمَا الْكَذَّابين أَحدهمَا الْعَنسِي وَلآخر
[ ٢ / ١١٧ ]
مُسَيْلمَة صَاحب الْيَمَامَة وَقدم وَفد غَسَّان ووفد عبس ووفد كِنْدَة ووفد محَارب ووفد خولان وَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ إِذا قدم عَلَيْهِ الْوُفُود لبس أحسن ثِيَابه وَأمر أحبابه بذلك وَقدم وَفد مُرَاد رَأْسهمْ فَرْوَة بْن مسيك الْمرَادِي وَاسْتَعْملهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ على مُرَاد ومذحج وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد على الصَّدقَات إِلَيْهِم وَكتب لَهُم كتابا بذلك وَدخل أَبُو ذَر على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالس وَحده فَقَالَ يَا أَبَا ذَر إِن لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّة قَالَ وَمَا تحيته يَا رَسُول اللَّه قَالَ رَكْعَتَانِ فَقَامَ فركعهما ثمَّ قَالَ إِنَّك أَمرتنِي بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاة قَالَ خير مَوْضُوع فَمن شَاءَ أقل وَمن شَاءَ أَكثر فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى اللَّه قَالَ إِيمَان بِاللَّه وَجِهَاد فِي سَبيله قَالَ
[ ٢ / ١١٨ ]
فَأَي الْمُؤمنِينَ أكملهم ايمانا قَالَ أحْسنهم خلقا قَالَ فَأَي الْمُسلمُونَ أفضل قَالَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده قَالَ فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ من هجر السوء قَالَ فَأَي اللَّيْل أفضل قَالَ جَوف اللَّيْل الغاير قَالَ فَأَي الصَّلَاة أفضل قَالَ طول الْقُنُوت قَالَ فَأَي الرّقاب أفضل قَالَ أغلاها ثمنا وأنفسها عِنْد أَهلهَا قَالَ فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من عقر جَوَاده وَأُهْرِيقَ دَمه قَالَ فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد من مقل إِلَى فَقير فِي سر قَالَ فَمَا الصَّوْم أفضل قَالَ فرض مجزى قَالَ آيَة الْكُرْسِيّ قَالَ يَا رَسُول اللَّه كم النَّبِيُّونَ قَالَ مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف نَبِي قَالَ كم المُرْسَلُونَ مِنْهُم قَالَ ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر جما غفيرا قَالَ من كَانَ أول الْأَنْبِيَاء قَالَ آدم قَالَ وَكَانَ من الْأَنْبِيَاء مُرْسلا قَالَ نعم خلق اللَّه آدم بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه ثمَّ سواهُ وَكله قبلا قَالَ يَا أَبَا ذَر أَرْبَعَة من الْأَنْبِيَاء سريانيون آدم وشيث وخنوخ وَهُوَ إِدْرِيس وَهُوَ أول من خطّ بالقلم ونوح وَأَرْبَعَة من الْعَرَب هود وَصَالح وَشُعَيْب وَنَبِيك مُحَمَّد وَأول الْأَنْبِيَاء آدم وَآخرهمْ مُحَمَّد ﷺ وَأول نَبِي من الْأَنْبِيَاء بني إِسْرَائِيل مُوسَى وَآخرهمْ عِيسَى وَبَينهمَا ألف نَبِي
[ ٢ / ١١٩ ]
قَالَ يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ كم أنزل اللَّه من كتاب قَالَ مائَة كتاب وَأَرْبَعَة كتب أنزل على شِيث خمسين صحيفَة وعَلى إِدْرِيس ثَلَاثِينَ صحيفَة وَأنزل على إِبْرَاهِيم عشر صَحَائِف وَأنزل على مُوسَى قبل التَّوْرَاة عشر صَحَائِف وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان قَالَ يَا رَسُول اللَّه فَمَا كَانَت صحف إِبْرَاهِيم قَالَ كَانَت أَمْثَالًا كلهَا أَيهَا الْملك الْمُسَلط الْمُبْتَلى الْمَغْرُور إِنِّي لم أَبْعَثك لِتجمع الدُّنْيَا بَعْضهَا على بعض وَلَكِن بَعَثْتُك لِترد عني دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنِّي لَا أَرَاهَا وَلَو كَانَت من كَافِر وعَلى الْعَاقِل مَا لم يكن مَغْلُوبًا على عقله أَن يكون لَهُ سَاعَات سَاعَة يُنَاجِي فِيهَا ربه وَسَاعَة سحاسب فِيهَا نَفسه وَسَاعَة يتفكر فِيهَا فِي صنع اللَّه ﷿ وَسَاعَة يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ من الْحَلَال فَإِن هَذِه السَّاعَة عون لتِلْك السَّاعَات واستجمام للقلوب وعَلى الْعَاقِل أَن يكون بَصيرًا بِزَمَانِهِ مُقبلا على شَأْنه حَافِظًا لِلِسَانِهِ فَإِنَّهُ من حسب كَلَامه من عمله قل كَلَامه إِلَّا فِيمَا يعنيه وعَلى الْعَاقِل أَن يكون طَالبا لثلاث مرمة لِمَعَاش وتزود لِمَعَاد وتلذذ فِي غير محرم وَقَالَ
[ ٢ / ١٢٠ ]
يَا رَسُول اللَّه فَمَا كَانَت صحف مُوسَى قَالَ كَانَت عبرا كلهَا عجبت لمن أَيقَن بِالْمَوْتِ ثمَّ يفرح وَعَجِبت لمن أَيقَن بِالْقدرِ ثمَّ ينصب وَعَجِبت لمن أَيقَن بالحسان غَدا ثمَّ لَا يعْمل قَالَ هَل أنزل اللَّه عَلَيْك شَيْئا مِمَّا كَانَ فِي صحف إِبْرَاهِيم ومويى قَالَ يَا ظأبا ذَر تقْرَأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قَالَ يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ أوصيك بتقوى اللَّه فَإِنَّهُ زين لأمرك قَالَ زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بطول الصمت فَإِنَّهُ مطردَة للشَّيْطَان عَنْك وَعون لَك على أَمر دينك وَإِيَّاك والضحك فَإِنَّهُ يُمِيت الْقُلُوب وَيذْهب نور الْوَجْه قَالَ زِدْنِي قَالَ أحب الْمَسَاكِين ومجالستهم قَالَ زِدْنِي قَالَ قل الْحق وَلَو كَانَ مرا قَالَ زِدْنِي قَالَ لَا تخف فِي اللَّه لومة لائم قَالَ زِدْنِي قَالَ ليحجزنك عَن النَّاس مَا تعلم من نَفسك وَلَا تَجِد عَلَيْهِم فِيمَا تَأتي ثمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَر كفي للمرء غيا أَن يكون فِيهِ خِصَال يعرف من النَّاس مَا يجهل من نَفسه ويتجسس لَهُم مَا هُوَ فِيهِ ويؤذى جليسه فِيمَا لَا يعنيعه يَا أَبَا ذَر لَا عقل كالتدبير وَلَا ورع كَالْكَفِّ وَلَا حسب كحسن الْخلق
[ ٢ / ١٢١ ]
ثمَّ بعث على ﵁ سَرِيَّة إِلَى الْيمن فِي شهر رَمَضَان قَالَ يَا رَسُول اللَّه كَيفَ أصنع قَالَ إِذا نزلت بِسَاحَتِهِمْ فَلَا تقَاتلهمْ حَتَّى يقاتلونك فَإِن قاتلوك فَلَا تقَاتلهمْ حَتَّى يقتلُوا مِنْكُم قَتِيلا فَلَا تقاتلوهم حَتَّى تروهم أَنَاة فَإِذا أتيتهم فَقل لَهُم هَل لكم إِلَى أَن تخْرجُوا من أَمْوَالكُم صَدَقَة فتردونها على فقرائكم فَإِن قَالُوا نعم فَلَا تَبْغِ مِنْهُم غير ذَلِك وَلِأَن يهدي الله اللَّه على يَديك رجلا وَاحِدًا خير لَك مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَنزلت على رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يَسْتَوِي القعدون من الْمُؤمنِينَ والمجهدون فجَاء عَبْد اللَّه بْن أم مَكْتُوم فَقَالَ يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنِّي أحب الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَلَكِن بِي مَا ترى قد ذهب بصرى قَالَ زيد بْن ثَابت فَثقلَتْ فَخذه على فَخذي حَتَّى خشيت أَن تَرضهَا ثمَّ قَالَ غير أولى الضَّرَر وَقدم العاقب وَالسَّيِّد من نَجْرَان فَكتب لَهُم رَسُول الله
[ ٢ / ١٢٢ ]
ﷺ كتابا صَالحهمْ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي أَيْديهم إِلَى الْيَوْم وَقَالا يَا رَسُول اللَّه أبْعث علينا رجلا أَمينا نعطه مَا سألتنا فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَأَبْعَثَن لكم رجلا أَمينا حق أَمِين فاستشرف لَهَا النَّاس فَبعث أَبَا عُبَيْدَة عَامر بْن الْجراح وَمَات أَبُو عَامر الراهب عِنْد هِرقل فَاخْتلف كنَانَة بْن عَبْد ياليل وعلقمة بْن علانة فِي مِيرَاثه فَقضى برَسُول اللَّهِ ﷺ لكنانة بْن عَبْد ياليل وَقدم الْأَشْعَث بْن قيس وافدا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قومه فَبعث مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زِيَاد بْن لبيد البياضي إِلَى الْبَحْرين ليَأْخُذ مِنْهُم الصَّدقَات وبنما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدا مَعَ أَصْحَابه إِذْ طلع عَلَيْهِم رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ مِنْهُم أحد حَتَّى جلس إِلَى نَبِي اللَّه ﷺ فَوضع
[ ٢ / ١٢٣ ]
ركبته إِلَى ركبته وَوضع كَفه على فَخذه ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام قَالَ أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه وتقيم الصَّلَاة وتؤتى الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ صدقت فَعجب الْمُسلمُونَ مِنْهُ يسْأَله ويصدقه ثمَّ قَالَ أَخْبرنِي عَن الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْقدر خَيره وشره قَالَ صدقت قَالَ أَخْبرنِي عَن الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد اللَّه كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة قَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم بهَا من السَّائِل قَالَ فاخبرني عَن أمارتها قَالَ أَن تَلد الْأمة ربتها وَأَن ترى الحفاة العراة يتطاولون فِي الْبُنيان قَالَ ثمَّ انْطلق فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن يحجّ حجَّة الْوَدَاع فَأذن فِي النَّاس أَنه خَارج فَقدم الْمَدِينَة بشر كثير كلهم يلْتَمس أَن يأتم برَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى ذَا الحليفة فَولدت أَسمَاء بنت
[ ٢ / ١٢٤ ]
عُمَيْس مُحَمَّد بْن أبي بكر فَأرْسلت إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ كَيفَ أصنع قَالَ اغْتَسِلِي واستثفري بِثَوْب أُخْرَى ثمَّ صلى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِد وَأمر ببدنة أَن تشعر وسلت عَنْهَا الدَّم ثمَّ ركب الْقَصْوَاء فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته على الْبَيْدَاء أهل وَإِن بَين يَدَيْهِ وَخَلفه وَعَن يَمِينه ويساره من النَّاس مَا بَين رَاكب وماش ورَسُول اللَّهِ ﷺ بَين أظهرهم فَأهل لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لَا شريك لَك لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك وَأهل النَّاس مَعَه فَمنهمْ من أهل مُفْردَة وَمِنْهُم من أهل قَارنا حَتَّى قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّة من الثَّنية فَلَمَّا دخل مَكَّة تَوَضَّأ إِلَى الصَّلَاة ثمَّ دخل من بَاب بني شيبَة فَلَمَّا أَتَى الْحجر استلمه وَرمل ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا ثمَّ تقدم إِلَى مقَام إِبْرَاهِيم فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيم مصلى وَجعل الْمقَام بَينه وَبَين الْبَيْت وَصلى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فيهمَا قُلْ هُوَ الله أحد وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْن فاستلمه ثمَّ خرج من البا إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَقَالَ أبدأ بِمَا بَدَأَ اللَّه فَلَمَّا رقى عَلَيْهَا ة رأى الْبَيْت اسْتقْبل الْقبْلَة قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحده أنْجز وعده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا نزل إِلَى الْمَرْوَة حَتَّى انصبت قدماه فِي بطن الْوَادي
[ ٢ / ١٢٥ ]
خب حَتَّى إِذا صعد مَشى فَلَمَّا أَتَى الْمَرْوَة صعد عَلَيْهَا وَفعل عَلَيْهَا كَمَا فعل على الصَّفَا حَتَّى إِذا كَانَ آخر طواف على الْمَرْوَة فَقَالَ لَو اسْتقْبلت مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهدى ولجعلتها عمْرَة فَمن كَانَ مِنْكُم لَيْسَ مَعَه هدى فليحل وليجعلها عمْرَة فَقَالَ سراقَة بْن مَالك بْن جعْشم يَا رَسُول اللَّه لِعَامِنَا هَذَا أَو لِلْأَبَد فشبك رَسُول اللَّهِ ﷺ بَين أَصَابِعه وَقَالَ دخلت الْعمرَة فِي الْحَج مرَّتَيْنِ لَا بل لِلْأَبَد وَقدم على من الْيمن فَوجدَ فَاطِمَة قد لبست ثِيَاب صبع واكتحلت فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهَا فَقَالَت أبي أَمرنِي بِهَذَا ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ لعَلي بِمَ فرضت الْحَج قَالَ قلت اللَّهُمَّ إِنِّي أهل بِمَا أهل بِهِ رَسُولك فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِن معي الْهدى فَلَا تحل فَكَانَ الْهدى الَّذِي قدم بِهِ عَليّ بْن أبي طَالب من الْيمن وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ مَائه فَحل النَّاس وَقصرُوا إِلَّا النَّبِي ﷺ وَمن كَانَ مَعَه هدى واعتل سعد بْن أبي وَقاص فَدخل عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبكى سعد فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ مَا يبكيك فَقَالَ خشيت أَن أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا كَمَا مَاتَ سعد بن
[ ٢ / ١٢٦ ]
خَوْلَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ للهم اشف سَعْدا ثَلَاثًا فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِن لي مَالا كثيرا وأنعما ومورثتى بنت للا وَاحِدَة أفأوصي بِمَالي كُله قَالَ لَا قَالَ فالنصف قَالَ لَا قَالَ الثُّلُث قَالَ الثل وَالثلث كثير إِنَّك إِن صدقت مَالك صَدَقَة وَإِن نَفَقَتك على عِيَالك صَدَقَة وَمَا تَأْكُل امْرَأَتك من طَعَامك صَدَقَة وَأَن تدع أهلك بِخَير خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس اللَّهُمَّ أمض لِأَصْحَابِي هجرتهم وَلَا تردهم على أَعْقَابهم لَكِن البائس سعد بْن خَوْلَة يرثى لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن مَاتَ بِمَكَّة فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرويَة توجهوا إِلَى منى وَأهل النَّاس بِالْحَجِّ فصلى بهم الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَالصُّبْح بمنى ثمَّ مكث قَلِيلا حَتَّى طلعت الشَّمْس وَأمر بقبة لَهُ فَضربت لَهُ بنمرة ثمَّ سَار رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تشك قُرَيْش إِلَّا أَنه وَاقِف عِنْد الْمشعر الْحَرَام كَمَا كَانَت قُرَيْش تصنع فِي الْجَاهِلِيَّة فَجَاز رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ عَرَفَة فَوجدَ الْقبَّة قد ضربت لَهُ بنمرة فَنزل بهَا حَتَّى إِذا زاغت الشَّمْس أَمر بالقصواء فرحلت لَهُ فَلَمَّا أَتَى بطن الْوَادي خطب النَّاس وَقَالَ فِي خطبَته إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ لكم حرَام كَحُرْمَةِ
[ ٢ / ١٢٧ ]
يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بلدكم هَذَا أَلا كل شَيْء من أَمر الْجَاهِلِيَّة تَحت قدمي مَوْضُوع وَدِمَاء الْجَاهِلِيَّة مَوْضُوعَة فَاتَّقُوا اللَّه فِي النِّسَاء فانكم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَان اللَّه واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة اللَّه وَلكم عَلَيْهِنَّ أَن لَا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فَإِن فعلن ذَلِك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عَلَيْكُم رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ وَقد تركت فِيكُم مَا لن تضلوا بعده إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب اللَّه وَأَنْتُم تسْأَلُون عني فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك قد بلغت وَأديت وَنَصَحْت فَقَالَ بإصبعه السبابَة يرفعها إِلَى السَّمَاء اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثمَّ أذن وَأقَام فصلى الظّهْر ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعَصْر وَلم صل بَينهمَا شَيْئا ثمَّ ركب حَتَّى أَتَى الْموقف فَجعل بطن الْقَصْوَاء إِلَى الصَّخْرَة وَجعل جبل الشَّاة بَين يَدَيْهِ واستقبل الْقبْلَة فَلم يزل وَاقِفًا والمسلمون مَعَه حَتَّى غربت الشَّمْس وَذَهَبت الصُّفْرَة قَلِيلا ثمَّ أرْدف أُسَامَة بْن زيد خَلفه وَدفع رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقد شفق للقصواء الزِّمَام وَيَقُول بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيهَا النَّاس السكينَة كلما أَتَى جبلا من الْجبَال أرْخى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تصعد فَلَمَّا أَتَى الْمزْدَلِفَة صلى بهَا الْمغرب وَالْعشَاء بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ وَلم يسبح بَينهمَا شَيْئا ثمَّ اضْطجع حَتَّى طلع الْفجْر وَصلى الْفجْر حِين تبين لَهُ الصُّبْح بِأَذَان وَإِقَامَة ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل
[ ٢ / ١٢٨ ]
الْقبْلَة ودعا وَكبر وَهَلل ثمَّ لم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا ثمَّ دفع قبل أَن تطلع الشَّمْس وَأَرْدَفَ الْفضل بْن عَبَّاس حَتَّى أَتَى محسر فسلك الطَّرِيق الْوُسْطَى الَّتِي تخرج إِلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى فَلَمَّا أَتَى الْجَمْرَة رَمَاهَا بِسبع حَصَيَات يكبر مَعَ كل حَصَاة رَمَاهَا من بطن الْوَادي بِمثل حَصى الْخذف ثمَّ انْصَرف إِلَى المنحر فَنحر ثَلَاثًا وستن بَدَنَة بِيَدِهِ ثمَّ أعْطى فَنحر مَا غبر مِنْهَا وأشركه فِي هَدْيه وَأمر من كل بَدَنَة ببضعة فَجعلت فِي قدر فطبخت فأكلا من لَحمهَا وشربا من مرقها ثمَّ ركب رَسُول اللَّه صلى اللَّه عله وَسلم الْقَصْوَاء فَأتى الْبَيْت فَطَافَ طواف الزِّيَارَة ثمَّ قَالَ يَا بني عَبْد الْمطلب انزعوا فلولا أَن يغلبكم النَّاس لنزعت مِنْكُم فناولوه دلوا من زَمْزَم فَشرب مِنْهُ ثمَّ رَجَعَ ﷺ إِلَى منى وَصلى الظّهْر بهَا ثمَّ أَقَامَ بهَا أَيَّام منى ثمَّ ودع الْبَيْت وَخرج إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى دَخلهَا والمسلمون مَعَه فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وَبَعض صفر