لشمس الدِّين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الجزري القرشي (٧٣٩)
في يوم الاثنين السادس من شعبان (سنة ٧٢٦) قدم البريد من مصر إلى دمشق وعلى يده مرسوم سلطاني أن يعتقل الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، فلما كان بعد صلاة العصر حضر ناصر الدِّين مشد الأوقاف، والأمير بدر الدِّين (أمير مسعود) (^٢) ابن الخطير الحاجب إلى عند الشيخ وعرَّفوه صورة الحال، فأظهر أن في هذا خير كثير (^٣)، وأحضروا له مركوبًا، فركب معهم إلى قلعة دمشق، فأخليت له دار يجري إليها الماء، وكان في جملة المرسوم أن يكون معه ولد أو أخ وخادم يخدمه، وأن يُجرى عليهم كفايتهم، فاختار أخوه زين الدِّين عبد الرحمن المقام معه لخدمته. وكان السبب في ذلك أنه قد أفتى فتيا وذكر فيها (أنه) (^٤) لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث (^٥) مساجد. الحديث المشهور. وأن زيارة قبور الأنبياء ﵈ لايشد إليها الرحال كقبر أبونا (^٦) إبراهيم الخليل والنبي ﵇ وغيرهما من الأنبياء
_________________
(١) . ٢/ ١١١ - ١١٤، ١٢٣، ٢٦٣ - ٢٦٤، ٢٧٣، ٣٠٦ - ٣١٠، نشر المكتبة العصرية ــ بيروت ١٤١٩، ط. الأولى، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري. والحواشي المثبتة من المحقق.
(٢) . عن الهامش.
(٣) . كذا، والصواب: «خيرًا كثيرًا».
(٤) . عن الهامش.
(٥) . كذا، والصواب: «ثلاثة».
(٦) . كذا، والصواب: «أبينا».
[ ٢٣٥ ]
والصالحين صلى الله عليهم أجمعين.
واتفق أن الشمس محمد إمام الجوزية (^١) سافر إلى القدس الشريف ورَقَا في الحرم على منبر ووعظ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسألة، وقال: ها أنا هاهنا أرجع ولا أزور الخليل إساءة أدب عليه - ﷺ -. وجاء إلى نابلس وعُمِل له مجلس وعظ وذكر المسألة بعينها حتى أنه قال: ولا يزار قبر النبي - ﷺ - إلا مسجده، فقاموا (^٢) عليه الناس، فحماه منهم والي نابلس سيف الدِّين بهادر، وكتبوا أهل القدس ونابلس إلى دمشق يعرفوهم (^٣) صورة ما وقع منه، فطلبه القاضي المالكي، فتودد منه وطلع إلى الصالحية إلى القاضي الحنبلي وتاب على يديه وأسلم، فقبل توبته وحكم بإسلامه وحَقْن دمه ولم يعزره لأجل الشيخ. فحينئذ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية وكتبوا فتيا في الشيخ تقي الدِّين بن تيمية لكون أنه هو أول من تكلم بهذه المسألة وغيرها، فكتب عليها الشيخ الإمام برهان الدِّين (أبي (^٤) إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدِّين عبد الرحمن الفزاري الشافعي) (^٥) نحو أربعين سطرًا بأشياء كثيرة أنه يقولها ويفتي بها، وآخر الكلام أفتى بتكفيره، ووافقه شهاب الدِّين بن جهبل الشافعي وكتب تحت خطه، وكذلك الصدر المالكي، وغيرهم، وحملت الفتيا إلى نائب السلطنة، فأراد أن يُعقد لهم مجلس ويُجمع القضاة
_________________
(١) . انظر عن المدرسة الجوزية: الدارس ٢/ ٢٣، ومنادمة الأطلال ٢٢٧.
(٢) . كذا، والصواب: «فقام».
(٣) . الصواب: «يعرفونهم».
(٤) . كذا، والصواب: «أبو».
(٥) . ما بين القوسين عن الهامش.
[ ٢٣٦ ]
والعلماء في ذلك، فرأى أن الأمر يتسع الكلام فيه، ولابد من إعلام السلطان، فأخذ الفتوى وجعلها في المطالعة، وسيرها إلى السلطان، عز نصره، فجمع لها القضاة، ولم يحضر المالكي فإنه كان مريضًا، فلما قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدِّين بن جماعة وكتب على ظهرها: القائل بهذه المقالة صال مُضِلّ (^١)
مبتدع، ووافق الحنفي والحنبلي، فقال الأمير بهادر لقاضي القضاة بدر الدين: ما ترى في أمره؟ فقال: يُحبس، فإنه من العلماء وقد أفتى، فقال مولانا الناصر، عز نصره: وكذا كان في نفسي أن أفعل به، فكتب إلى نائب السلطنة بما اعتمده من حبسه، وفي (يوم) (^٢) الجمعة عاشر شعبان بعد (صلاة) (^٣) الجمعة قرئ كتاب السلطان على السُّدَّة في حديثه.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من شعبان قعد قاضي القضاة جلال الدِّين بعد الصلاة بالمدرسة العادلية (^٤)، وأحضروا جماعة من جماعة تقي الدِّين بن تيمية كانوا معتقلين في حبس الشرع، فادُّعي على العماد إسماعيل صهر جمال الدِّين المزي أنه قال: إن التوراة والإنجيل ما بدلت وإنها بحالها كما أنزلت، وشهدوا عليه، وثبت ذلك في وجهه، فعُزِّر بالمجلس بالدرة، وأخرج طيف به، ونادوا: هذا جزاء من قال إن التوراة والإنجيل ما بدلت، وبعد ذلك سيبوه.
_________________
(١) . في الأصل: «طال مطل» ..
(٢) . عن الهامش.
(٣) . عن الهامش.
(٤) . هي العادلية الكبرى بدمشق. انظر عنها: الدارس ١/ ٢٧١، ومنادمة الأطلال (١٢٣).
[ ٢٣٧ ]
وأحضر عبد الله الإسكندري وادُّعي عليه أنه قال عن مؤذني الجامع: هؤلاء كفرة، أو أنهم كفار بسبب أنهم يقولوا (^١) في المنارة: ألا يا رسول الله أنت وسيلتي، وشيء (^٢) آخر من هذا الجنس. فذكر أنه اعترف بذلك وبغيره عند قاضي القضاة شمس الدِّين الحنبلي، وأنه أسلم على يده وقبل توبته وحقن دمه، وأبقى على جهاته وزوجتيه، فسيروا إلى الحنبلي يسألوه (^٣) عن ذلك.
وأحضر بعده الصلاح الكتبي (^٤) وادُّعي عليه أنه قال: لا فرق بين حجارة سقاية جيرون (^٥) وحجارة صخرة بيت المقدس، فأنكر فقامت عليه البينة بذلك.
وأحضر بعدهم إمام الجوزية الشمس محمد بن أبي بكر الذي عمل الفتنة من أصلها وادُّعي عليه في المجلسين الذين (^٦) عملهما بالقدس الشريف ونابلس فأنكر، وكان من قطوعه أنه قد سافر جماعة من أهل دمشق كلهم فقهاء وعدول، من جملتهم مدرس الطرخانية الحنفية (^٧) وغيره، فحضروا مجلسه بنابلس، فأنكر، فشهدوا عليه بما قال، وثبت ذلك.
_________________
(١) . كذا، والصواب: «يقولون».
(٢) . كذا، والصواب: «وشيئًا».
(٣) . كذا، والصواب: «يسألونه».
(٤) . هو المؤرخ محمد بن شاكر بن أحمد المتوفى سنة ٧٦٤ هـ. صاحب: عيون التواريخ، وفوات الوفيات.
(٥) . جيرون، قربة من غوطة دمشق.
(٦) . كذا، والصواب: «اللذين».
(٧) . انظر عن المدرسة الطرخانية: الدارس ١/ ٤١٥، ومنادمة الأطلال ١٧٩.
[ ٢٣٨ ]
وجاء الحنبلي إلى عند ملك الأمراء وقال: أنا حكمت بإسلامهم وهو مظلومين (^١) بحبسهم فنازعوه (^٢) القضاة، وجرى أمور يطول شرحها. وأخذوا (^٣) المالكية إمام الجوزية إلى حبسهم، فعاد الحنبلي سيرًا إلى قاضي القضاة جلال الدِّين يسأله أن يتم المسلّم عنده ولا يؤديهم إلى المالكي، فعاد جلال الدِّين عزَّر عبد الله الإسكندري على حمار غير مقلوب، والصلاح الكتبي، وآخر أساء الأدب، وقال: كل من قال عن ابن تيمية شيء (^٤) فهو كاذب وأضربه بمداس، وضربوهم جميعهم بالدرة في قُفِيِّهم على الحمير وردوا إلى الحبس، وأحضر بعدهم إمام الجوزية وعزَّره عنده بالعادلية بالدرة، ثم أركبه حمار وطاوفه (^٥) البلد، وراحوا به إلى الصالحية، وآخر النهار رد إلى الحبس، وأعلموا نائب (^٦) السلطنة بما فعلوه. وبعد ذلك حضر (ناصر الدين) (^٧) مشد الأوقاف تسلَّم إمام الجوزية وودّاه إلى القلعة فحبس المذكور مقيدًا، وسيَّبوا الباقي، وسكنت القضية.
وفي تاسع ذي القعدة قدم نائب السلطنة إلى دمشق من الصيد والقنص، وسير الحاجب بدر الدِّين الخطير إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الحبس مرتين، ولم يعلم ما جرى.
_________________
(١) . كذا، والصواب: «وهم مظلومون».
(٢) . كذا، والصواب: «فنازعه».
(٣) . في الأصل: «وأخذ».
(٤) . كذا، والصواب: «شيئًا».
(٥) . كذا، والصواب: «حمارًا وطوّفه».
(٦) . كُتبت في آخر الصفحة السابقة ثم شطب فوقها.
(٧) . فوق السطر.
[ ٢٣٩ ]
وفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة سير نائب السلطنة للقاضي جمال الدِّين (يوسف) (^١) بن جملة الشافعي نائب الحكم العزيز، وناصر الدِّين مشد الأوقاف (للشيخ تقي الدِّين بن تيمية) (^٢) وسألوه عما أفتا وما يعتقده فكتب بخطه ثمانين سطرًا بصورة ما أفتى وما يعتقده وغير ذلك، فسيرها ملك الأمراء طي مطالعته للسلطان، عز نصره.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة (٧٢٨) ورد المرسوم السلطاني بمنع الشيخ تقي الدِّين بن تيمية أن يصنف أو يكتب، فحضر إليه من أخذ جميع ما كان عنده من كتاب وورق ومن دواة وأقلام، وتركت عند والي القلعة إلى مستهل رجب سيرها متولي القلعة إلى عند قاضي القضاة علاء الدِّين (القونوي) (^٣) الشافعي، فجعل الكتب في خزانة العادلية لأن أكثرها كانت عند الشيخ عارِية، والرزم التي بخطه وتصنيفه طالعوها حتى يردوا عليه ما قاله خلاف الإجماع.
وكان سبب ذلك أنه رد على قاضي القضاة (تقي الدِّين الإخنائي) (^٤) المالكي بالديار المصرية في كتاب كان قد صنفه في الزيارة، وجرى حديث يطول شرحه وتفصيله، وكان له في ذلك خيرة كبيرة لأنه اشتغل بالصلاة وتلاوة القرآن الكريم إلى حيث مات، رحمه الله تعالى وإيانا (^٥).
_________________
(١) . عن الهامش.
(٢) . عن الهامش.
(٣) . عن الهامش.
(٤) . عن الهامش.
(٥) . الخبر في: البداية والنهاية ١٤/ ١٣٤.
[ ٢٤٠ ]
وفي يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة (٧٢٨) أفرج عن الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن أخو (^١) الشيخ تقي الدِّين بن تيمية، وكان من بعد موت أخيه كل ليلة يروح يبات في القلعة بسبب غيبة نائب السلطنة في الصيد، لما حضر أفرج عنه.
وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة (سنة ٧٢٨) تُوفّي الشيخ الإمام، العالم، العامل، العلامة، الزاهد، العابد، الورع، الخاشع، الناسك، القدوة، العارف، المحقق، شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم المفتي شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبو (^٢) البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي بقلعة دمشق، في القاعة التي كان محبوسًا فيها الثلث الأخير من الليل، وكان له مدة سبع (^٣) عشر يومًا بالحمى. كذا أخبرني أخوه الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن، وذكر لي أن من حيث منع من الكتابة والتصنيف (في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة) (^٤) قرأ إحدى وثمانين ختمة، وكان قد بقي من الختمة الأخيرة من سورة الرحمن إلى الحمد، فقرأ أصحابه الذين دخلوا إليه ليبصروه قبل تغسيله وإلى حيث فرغ من غسله وتكفينه تمام الختمة المباركة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) . الصواب: «أخي».
(٢) . الصواب: «أبي».
(٣) . الصواب: «سبعة».
(٤) . عن الهامش.
[ ٢٤١ ]
والذي تولى غسله مع المغسل الشيخ الصالح تاج الدِّين (محمود) (^١) الفارقي، والشيخ شمس الدِّين ابن الرزير خطيب جامع كريم الدين، فغسلوه، وكفنوه، وتقدم في الصلاة عليه الشيخ الصالح محمد بن تمام الصالحي الحنبلي، وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصراني (^٢)، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة.
وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه (قاضي القضاة الشيخ علاء الدِّين القونوي الشافعي) (^٣) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا (^٤) الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه (^٥) الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركًا به، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من
_________________
(١) . عن الهامش.
(٢) . الصواب: «نصرانيًّا».
(٣) . عن الهامش.
(٤) . الصواب: «حضر».
(٥) . الصواب: «حمله».
[ ٢٤٢ ]
كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرحمن، ثم حمل من سوق الخيل فمُرَّ به تحت القلعة المحروسة. والله العظيم، لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينًا وشمالًا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج. فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية رأيتها وقد امتلت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين. وحضر أخوه زين الدِّين وحوله نُقباءُ يحموه (^١) من الناس، حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه، وبعد ذلك انصرف الناس أولًا بأول متأسفين عليه.
وكنت من حيث حضرت إلى الجامع المعمور شرعت في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقريت (^٢) إلى حيث دفن وانصرفت من عند قبره ألف مرة ومائة مرة وأحد عشر (^٣) مرة، قل هو الله أحد، والمعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وأهديت ثواب ذلك جميعه إليه، وطلبت له من الله تعالى المغفرة والمفاداة والرضوان، ووصلت إلى بيتي أذان العصر. وبعد انصرافي ذكروا أن بعض الأمراء أحضر خيمة كبيرة نصبت على قبره، وحضر جماعة من القراء
_________________
(١) . الصواب: «يحمونه».
(٢) . الصواب: «فقرأت».
(٣) . الصواب: «إحدى عشرة».
[ ٢٤٣ ]
وختموا على قبره. وأنه أحضر لهم مأكول كثيرًا (^١) من الطعام وغيره، وحضروا بكرة النهار وتُليت ختمات كثيرة عند قبره، وفي الصالحية، وفي بيوت أصحابه، وإهدي ثوابها له، وتردد الناس إلى قبره أيام (^٢) كثيرة. ورأوا له منامات صالحة كثيرة لم أضبطها.
مولده يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق صغيرًا، واشتغل عليه، وسمع منه، ومن الشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، ومن شمس الدِّين ابن عطاء، ومن شمس الدِّين بن علان، وابن أبي اليسر، وابن عبد، وابن عبد الدائم، وابن البخاري، وابن الواسطي، وابن الصيرفي، وابن المقداد، والهروي، وابن عساكر، وجماعة كثيرة. وأجاز له جماعة، وقرأ بنفسه الكثير، وطلب الحديث، وكتب الطباق، ولازم السماع مدة سنين، واشتغل بالعلوم على والده وغيره، وحصّل في أول وقت ما لا حصّله غيره في سنين كثيرة. وكان عنده ذكاء مفرط، وبديهة حسنة، وعنده طرف جيد من التفسير، والفقه، والأصول، والنحو، واللغة، والخلاف، فكان فيه إمامًا ماهرًا، وأما علوم الحديث فكان يعرف الحديث الصحيح من السقيم، ويذكر رجاله، العدل فيهم والضعيف، وهو في ذلك إمامًا مبرزًا (^٣). وكان في أكثر العلوم له فيها اليد الطولى. وصنف تصانيف كثيرة في علوم شتَّى. وكان علمه أكثر من عقله (^٤).
_________________
(١) . الصواب: «كثير».
(٢) . الصواب: «أيامًا».
(٣) . الصواب: «إمام مبرز».
(٤) . سبق التعليق على هذه العبارة (ص ٢٢١).
[ ٢٤٤ ]
وكان كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، ومن ذكره كان دائمًا يقول: ياحي ياقيوم، برحمتك أستغيث، لا إله إلا أنت ياذا الجلال والإكرام، ثم يشخص إلى السماء حتى يغيب بكليته. وكان من غرائب الزمان وعجائبه.
عاش سبع وستون (^١) سنة وثمانية أشهر وتسعة أيام، وخرج من بطن أمه يوم الاثنين وحبس الآن يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة، فيكون مدة اعتقاله سنتين وثلاث (^٢) شهور وخمس عشرة (^٣) يومًا، وبينه وبين أخيه الشيخ شرف الدِّين عبد الله سنة وستة أشهر وأربعة أيام، لأنه توفي في الرابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة، رحمهم الله تعالى وإيانا والمسلمين أجمعين.
(شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، حافظ وقته، ومحدث زمنه، له اليد العالية في العلوم، صالحًا زاهدًا ورعًا متقشفًا متقيًا (^٤)، قائم بالحق آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. [له] الفتاوى المشهورة والتصانيف المذكورة. لم يكن في وقته أحفظ منه، ولا لنقل في التفسير وأقوال العلماء فيه، ولا في الحديث واختلاف الصحابة منه، ولا في الفقه واختلاف الفقهاء منه) (^٥).
* * * *
_________________
(١) . الصواب: «سبعًا وستين».
(٢) . الصواب: «وثلاثة».
(٣) . الصواب: «وخمسة عشر».
(٤) . الصواب: «صالح زاهد ورع متقشف متق».
(٥) . ما بين القوسين كُتب على هامش الصفحة ١٢٨ من المخطوط.
[ ٢٤٥ ]