له، وكيف كان أولئك المؤرخون والعلماء ينظرون إليه وإلى آرائه؛ على اختلاف مذاهبهم، ومشاربهم، وعصورهم، وثقافاتهم، ولماذا كان الاهتمام به وبأفكاره وبكتبه قويًّا أو ضعيفًا في حقبة ما أو مكان ما؟
* أن هذا المجموع يمكّننا من دراسة كتبه وآثاره (^١)، وتوثيق نسبتها إليه، وحصرها بدقة.
* أنه يُصحِّح كثيرًا من الأخطاء والتصحيفات الواقعة في كثير من الكتب لتكرر المعلومات وتشابهها.
* تصحيح نسبة كتاب «مؤلفات شيخ الإسلام» المنسوب لابن القيم.
كما أن هذا «الجامع» يُصوِّبُ خطأً قديمًا تتابع الباحثون عليه، فمنذ أن نشر الدكتور صلاح الدِّين المنجد «أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيميَّة» منسوبًا لابن قيم الجوزية (٧٥١) - ﵀ - في «مجلة المَجْمع العلمي العربي» بدمشق (٢٨/ ١٩٥٣/ ٣٧١ - ٣٩٥) (^٢) = لم يشكّ أحدٌ من الباحثين في صحة هذه النِّسبة إلى ابن القيم، بل اعتمدوه في دراساتهم عن شيخ الإسلام، أو عن تلميذه ابن القيم، وذلك على مدار نحو نصف قرنٍ من الزَّمان!!
وقد اعتمد المنجد في نشرته تلك على نسخةٍ خطِّيةٍ موجودة في دار الكتب الظاهرية برقم (٤٦٧٥ - عام)، وهي بخط الشيخ جميل العَظْم (^٣)
_________________
(١) انظر «فهرس الكتب»: (ص ٩٢٠ - ٩٤٨).
(٢) ثم أُفرد في رسالة.
(٣) وقد جَزَم العظمُ بنسبتها إلى ابن القيم، وعليه اعتمد المنجد!
[ ٦٠ ]
صاحب كتاب: «عقود الجوهر في تراجم من له خمسون مصنَّفًا فمئة فأكثر»، نسخها سنة (١٣١٥).
وهذه النسخة لا تعدو أن تكون تهذيبًا وترتيبًا للكتاب الأصل في «مؤلفات شيخ الإسلام»، ويترجَّح لنا أن الشيخ جميلًا العظم قد هذبها لتكون مادة يقتبس منها في كتابه السالف الذكر.
وتحققنا أنها تهذيب بعد وقوفنا على نسخة أُخرى من الكتاب، في دار الكتب الظاهرية ــ أيضًا ــ برقم (١١٤٧٩)، وهي عبارة عن «دفتر منوعات» بخط الشيخ العلَّامة طاهر الجزائري - ﵀ - كتبه سنة (١٣١٨)، أوله: «أسماء مؤلفات شيخ الإسلام» (ق/ ١ - ٨)، وكتب الشيخ طاهر بعد البسملة: «الظاهر أن هذه الرسالة لتلميذه ابن القيِّم» (^١).
فقمنا بالمقابلة بين هذه النسخة، وبين نسخة العَظْم ــ التي اعتمدها المنجد ــ فوجدنا في نسخة الجزائري زياداتٍ كثيرة، في المقدمة، وفي ذكر بعض الكتب، وفي معلومات عن كثير من الكتب، فعلمنا أن نُسْخة العظم ما هي إلا تهذيب للكتاب الأصل (^٢).
هذا أمرٌ.
_________________
(١) تحرَّفت «ابن القيم» إلى «إبراهيم» في فهرس مخطوطات الظاهرية (قسم التاريخ): (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٦)، وهكذا نسَبَ المفهرِس هذه الرسالة إلى شخصية وهمية لا وجود لها! !
(٢) انظر نموذجًا من الفروق بين النسختين في مقدمة «قاعدة في الاستحسان» لشيخ الإسلام ابن تيمية: (ص ١٠ - ١١) (ط. دار عالم الفوائد ١٤١٩) تحقيق: محمد عُزَير شمس.
[ ٦١ ]
والأمر الثاني: أنا وجدنا الإمام ابن عبد الهادي (٧٤٤) في كتابه «العقود الدرية» (^١) قد اقتبس نصوصًا من هذه الرسالة، ونسبها إلى أبي عبد الله بن رُشَيِّق، فقال: «قال الشيخ أبو عبد الله بن رُشيق ــ وكان من أخصِّ أصحاب شيخنا وأكثرهم كتابةً لكلامه وحرصًا على جمعه ــ: كتب الشيخ - ﵀ - نقول السلف مجردة عن الاستدلال على جميع القرآن، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال. ورأيتُ له سورًا وآياتٍ يُفسِّرها، ويقول في بعضها: كتبته للتذكُّر، ونحو ذلك.
ثم لما حُبس في آخر عمره؛ كتبتُ له أن يكتب على جميع القرآن مرتبًا على السور، فكتب يقول: إن القرآن فيه ما هو بيِّن بنفسه، وفيه ما قد بيَّنه المفسرون في غير كتاب؛ ولكن بعض الآيات أشكلَ تفسيرُها على جماعةٍ من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها، وربما كتب المصنِّف الواحد في آيةٍ تفسيرًا، ويفسِّر نظيرها بغيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهم من غيره، وإذا تبين معنى آية تبيَّن معاني نظائرها.
وقال: قد فتح الله عليَّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء مات كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا. وأرسل إلينا شيئًا يسيرًا مما كتبه من هذا الجنس، وبقي شيءٌ كثير في سلة الحكم عند الحكام لمَّا أخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهي عندهم إلى هذا الوقت نحو أربعَ عشرة رِزْمة.
_________________
(١) (ص ٣٩ - ٤٢) ط. دار عالم الفوائد.
[ ٦٢ ]
ثم ذكر الشيخ أبو عبد الله ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ» اهـ.
نقول: هذا النصُّ برمَّته في «مؤلفات ابن تيمية» المنسوب لابن القيم! فتبيَّن من هذا أنه لابن رُشيق لا لابن القيم.
وابنُ رُشَيِّق هذا هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد سِبْط ابن رُشَيِّق المالكي (^١)، المتوفى سنة (٧٤٩).
وكان ابن رُشَيِّق ــ كما يقول ابن كثير (^٢) ــ: «أبْصر بخط شيخ الإسلام منه، إذا عَزَب شيءٌ منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا، وكان سريعَ الكتابة، لا بأس به، ديِّنًا عابدًا كثير التلاوة حسن الصلاة، له عيال وعليه ديون، ﵀ وغفر له آمين» اهـ.
ولا تسعفنا المصادر التي ذكرت ابن رشيق (^٣) بمعلومات كافية عنه،
_________________
(١) واسمه هذا منقول من خطه في آخر رسالة «الاجتماع والافتراق» لشيخ الإسلام. انظر «الأعلام»: (١/ ١٤٤) للزركلي، وكذا في آخر «رسالة في العقل والروح» بخطِّه كما في مجموعة الرسائل المنيرية: (٢/ ٤٩)، (وقد تحرَّف فيها «ابن رشيق» إلى «مرشق»).
(٢) «البداية والنهاية»: (١٤/ ٢٤١) ط. الريان، ووقع فيه: «عبد الله بن رُشَيِّق» وهو خطأ مطبعي لا ريب، والصواب: أبو عبد الله، كما جاء في السطر الذي يليه، وعلى هذا الوهم ترجم له الزركلي في «الأعلام»: (٤/ ٨٦) في من اسمه: عبد الله، وحتى يستقيم له هذا حَذَف: «أبو» التي جاءت على الصواب في السطر الثاني من كلام ابن كثير! !
(٣) . انظر لترجمته: «العقود الدرية»: (ص ٢٧)، و«المشتبه»: (ص ٣١٧) للذهبي ونعته بـ: «صاحبنا الفقيه»، و«البداية والنهاية»: (١٤/ ٢٤١)، و«ذيل مشتبه النسبة»: (ص ٢٧) لابن رافع، و«توضيح المشتبه»: (٤/ ١٩٥) لابن ناصر الدين، وحاشيته، و«تبصير المنتبه»: (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦) لابن حجر، و«تاريخ ابن قاضي شُهْبة»: (٢: ١/ ٦٥٥ - ٦٥٦)، و«رسالة ابن مُرِّي إلى تلاميذ شيخ الإسلام»: (ص ١٩٤، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧) في مجموعتنا هذه.
[ ٦٣ ]
أكثر مما لخَّصه ابن كثير، إلا أن المصادر تُجمع على أن ابن رُشَيِّق هذا كان ملازمًا لشيخ الإسلام، عارفًا بخطه، بل أعرف من الشيخ نفسه، مكثرًا من كتابة كلامه، لا يختلف عليه أصحاب الشيخ أنفُسُهم في هذه الأمور، وقد تقدم كلام ابن عبد الهادي وابن كثير، ثم وجدنا كلامًا غايةً في الأهمية للشيخ شهاب الدِّين ابن مُرِّي الحنبلي في رسالته التي وجهها إلى تلاميذ الشيخ ــ بعد وفاته ــ وفيها حثهم على الاهتمام بكتب الشيخ والاعتناء بها ونسخها، والاستعانة بالشيخ أبي عبد الله (^١)
ابن رشيق فإنه أعلم الجماعة بهذا الأمر على الإطلاق، قال: «فاحتفظوا بالشيخ أبي عبد الله ــ أيَّده الله ــ وبما عنده من الذخائر والنفائس، وأقيموا لهذا المهم الجليل بأكثر ما تقدرون عليه، ولو
_________________
(١) . ذكره ابن مري في رسالته أكثر من مرة بالكنية، ولم يصرِّح باسمه، فظن الباحثون أن المقصود به: ابن القيم، وهو خطأ، والمقصود به: ابن رشيق بدلائل كثيرة في النص، أهمها:
(٢) أنه وصفه بالمعرفة التامة بخط الشيخ، وأنه أبرز الجماعة في الاضطلاع بهذه المهمة الشاقة، وهذا أمر تفرّد به ابن رُشَيِّق باتفاق أصحاب الشيخ ــ كما سبق ــ.
(٣) أنه ذكر أن أبا عبد الله هذا قليل ذات اليد، يجب مساعدته من الجماعة ليتفرغ للقيام بهذه المهمة، وهذا موافق لما ذكره ابن كثير من كثرة عياله وأنه مات مَدِينًا.
(٤) أنه قد ذكر في رسالته هذه ابن القيم بقوله: «ورُوْجع الشيخان الصالحان، الفاضلان المحققان: شرف الدين، وشمس الدِّين بن أبي بكر؛ فإنهما أحذق الجماعة على الإطلاق في المناهج العقلية وغيرها، وأذكرهم للمباحث الأصولية» اهـ ــ وأبعد النُّجْعة المعلِّق على رسالة ابن مُرِّي في المراد بشمس الدِّين بن أبي بكر ــ! ! فهذه دلائل واضحة، وبالله التوفيق والاستعانة.
[ ٦٤ ]
تألمتم أحيانًا من مطالبته؛ لأنه قد بقي في فنِّه فريدًا، ولا يقوم مقامه غيره من سائر الجماعة على الإطلاق».
وقال: «وإذا جُمِعت هذه المؤلفات العزيزة الكثيرة، ونقل من المسوَّدات ما لم يُنْقَل، وقُبِل رأيُ أبي عبد الله في ذلك كله؛ لأنه على بصيرة من أمره، وهو أخبر الجماعة بمظانّ المصالح المفردة التي قد انقطعت مادتها».
وقال: «والشيخ أبو عبد الله
_________________
(١) سلَّمه الله فهو بلا تردد واسطة نظام هذا الأمر العظيم، فأعدوه وأزيلوا ضرورته » إلى آخر ما قال وكله شاهد لما ذكرنا. فثبت بما تقدّم جميعه أن «مؤلفات ابن تيمية» لأبي عبد الله بن رُشَيِّق لا لابن القيم، فيجب على الباحثين تصويب هذا الخطأ، ونسبة الكتاب في بحوثهم وتحقيقاتهم عن ابن القيم أو شيخه إلى مؤلفه الحقيقي. لكن مما يؤسف له: أن النسخة الثانية من هذا الكتاب وهي التي بخط الشيخ طاهر الجزائري، لا تُمثِّل إلا النصف الأول من هذه الرسالة المهمة، وليس فيه سوى ما يتعلق بالقرآن فقط، وقد كتب الشيخ طاهر الجزائري في آخر هذه النسخة: «انتهى ما يتعلق بالكتاب العزيز، وهذا الذي أردنا نقله الآن لغرضٍ. حُرِّر في ليلة ٢٦ رمضان سنة ١٣١٨». وليتَه لم يقتصر على هذا القدر، ونرجو أنه لم يضع الأصل المنسوخ منه، الذي كان ضمن مجموع ذكره الشيخ طاهر الجزائري نفسه في هذا «الدفتر» وقال عنه (ق ٣٠ ب): «في المجاميع عند بعض إخواننا». ثم ذكر محتويات بعض المجاميع، منها: «المجموع الثالث»، وسرد محتوياته، وهي
[ ٦٥ ]
كما يلي (٣١ أـ ب):
١ - المناقلة بالأوقاف، لأحمد بن قدامة الحنبلي (كراس ٢).
٢ - رسالة في الوقف، للتقي [ابن تيمية]، أولها: «فصل في إبدال الوقف حتى المساجد بمثلها أو خيرٍ منها». آخرها: «وقد قرَّب ابنا آدم قربانًا». كتبت سنة ٨٦٦ بخط أبي بكر بن زيد الجراعي.
٣ - رسالة الاحتجاج في بيان الوقف للتقي [ابن تيمية] أيضًا، أولها: «مسألة: واقف وقفَ وقفًا على أولاده ثم على » (كراس ٢).
٤ - سئل عن قوله
_________________
(١) ﵇ -: «إن [الله] ينادي يوم القيامة بصوتٍ يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب؛ أنا الملك، أنا الديان» ونحو ذلك من الأحاديث، فإن بعض الناس قال: لا يثبت لله صفة بحديث واحد». أجاب بعد الحمد: «الأصل في هذا الباب أن لا يتكلم الإنسان إلَّا بعلم » (ورقة ١٢).
(٢) رسالة في أسماء كتبه. وكنّا نقلناها، كراس ناقص قليلًا.
(٣) العقيدة الواسطية.
(٤) عقيدة الشيخ موفق الدِّين [ابن قدامة] (ورقة ٧).
(٥) الرسالة القبرصية، أرسلها في تاريخ سنة تسع عشرة وسبع مئة، وكُتبتْ سنة ٧٨٨.
(٦) رسالة في زيارة بيت المقدس. (ورقة ٦).
(٧) مسألة: روى البخاري عن أبي هريرة «ما ترددتُ عن شيء أنا فاعلُه تردُّدِي ». وبعده حديث الدجال. (ورقة ٦).
[ ٦٦ ]
١١ - في إشهار الحجاج السلاحَ عند مجيئهم إلى تبوك وغير ذلك. (ورقة ٤).
١٢ - فصل في تقبيل الجامدات واستلامها. (ورقة ٢).
١٣ - كتاب فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على حديث عمران بن حصين، وهي الرسالة العرشية.
١٤ - رسالة في العمل بالخطوط، لعلاء الدِّين ابن مفلح.
١٥ - كتاب أحكام أطفال المشركين، لمحمد المنبجي بخطه.
١٦ - كتاب صفة المفتي والمستفتي، لنجم الدِّين ابن حمدان الحراني الحنبلي.
وقد بحثنا كثيرًا عن هذه المجموعة النفيسة في فهارس المخطوطات، فلم نجد لها ذكرًا، ولعلَّ الله يوفق أحد الباحثين للعثور عليها، وأحببنا أن نذكر جميع محتوياتها هنا؛ لِيُستَعان بها في البحث والتنقيب.
وحتى يظهر هذا الأصل
_________________
(١) الذي نسخ عنه كل من الشيخ طاهر الجزائري والشيخ جميل العظم اعتمدنا في نشرتنا على نسخة الشيخ طاهر حتى تنتهي، ثم كان الاعتماد في الباقي على نسخة الشيخ جميل العظم. ولم نقم بإثبات الفروق بين النسختين في الجزء المشترك بينهما، فإن الشيخ جميل العظم تصرَّف في إثبات العناوين تصرُّفًا كبيرًا، حيث اختصرَ وهذَّبَ، ورتَّبَ، وحذفَ كما تقدم . أما نشرة الدكتور صلاح الدِّين المنجد فقد سقطت منها عناوينُ خمسة كتب، وأسطر عديدة من مواضع مختلفة في وصف الكتب والرسائل. وفيها تحريفات كثيرة لا مجال لذكرها هنا، ومن أراد ذلك فليقابل بينها وبين
[ ٦٧ ]
أصلها الذي بخط الشيخ جميل العظم أو نشرتنا الجديدة لهذه الرسالة ضمن هذا المجموع.