للشيخ شهاب الدِّين أحمد ابن الأذرعي الشافعي (ت ٧٨٣)
سؤال ورد من حلب الشهباء في شيخ الإسلام تقي الدِّين أحمد ابن تيمية - ﵁ -، وهو:
ما تقول السادة العلماء أئمة الدِّين ﵃ أجمعين في شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله تعالى، هل هو من أهل العلم والدين الذين يُقتدى بهم أم لا؟
فإذا قلتم: إنه من أهل العلم والدين، هل يجوز لمغرور أن يأخذ الأشياء تقليدًا ويقدح في علمه وديانته؟ وهل يحرم عليه الطعن في مثل هذا الإمام من غير فهمٍ لكلامه؟ وهل يُثاب الإمام على زَجْر هذا المغرور أم لا؟ أفتونا مأجورين رضي الله عنكم أجمعين.
فأجاب الشيخ الإمام العالم العلامة فريد العصر ووحيد الدهر مفتي المسلمين مظهر آثار المرسلين شيخ الدنيا والدين: شهاب الدِّين أحمد ابن الأذرعي الشافعي بحلب المحروسة رحمه الله تعالى فقال بعد الحمد لله:
الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله تعالى أحد أئمة الإسلام الأعلام، كان رحمه الله تعالى بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلاف ذلك فهو جاهل أو معاند مقلدٌ لمثله،
_________________
(١) نسخة تركيا ضمن مجموع (٢ ق)، وقد تفضل بإرسالها إليَّ الصديق الأستاذ أبو الفضل القونوي محمد بن عبد الله أحمد.
[ ٥٧٦ ]
وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى.
والوقيعة في أهل العلم ــ ولا سيّما أكابرهم ــ من كبائر الذنوب. وقد روى الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع في آداب الراوي والسامع» (^١) بإسناده عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «من آذى فقيهًا واحدًا فقد آذى رسول الله - ﷺ -، ومن آذى رسول الله - ﷺ - فقد آذى الله تعالى».
وقد قال بعض العلماء الماضين (^٢): «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هَتْك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيه (^٣) بالثَّلْب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم».
ويُثاب وليُّ أمور المسلمين ــ أيده الله تعالى ــ على زَجْر هذا المعتدي الظالم لنفسه ولغيره. وكأنَّ المسكين المفتون لم يبلغه قول سيدنا رسول الله - ﷺ -: «لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفْضَوا إلى ما قدّموا» (^٤). وغير ذلك مما جاء من التحذير من الوقيعة في أعراض آحاد الناس فكيف في أكابر العلماء؟ وكأنه لم يبلغه قول بعضهم للرَّبيع بن خُثَيم: ما نراك تَعِيب أحدًا! (^٥) فقال:
_________________
(١) كذا في الأصل، وليس الحديث فيه، وإنما هو في كتابه الآخر «الفقيه والمتفقه» رقم (١٢٤).
(٢) العبارة بنحوها في سياق أطول لأبي القاسم ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري»: (ص/٢٩ - ٣٠).
(٣) كذا في الأصل.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٥) الأصل: «أحد».
[ ٥٧٧ ]
لستُ عن نفسي براضٍ فأتفرّغ من عيبها إلى عيب غيرها (^١).
وقد قال بعض الأئمة: لي في عيوب نفسي شُغْل عن عيوب الناس.
والله ﷾ أعلم.
* * * *
_________________
(١) أخرجه بنحوه أبو نعيم في «الحلية»: (٢/ ١١٠).
[ ٥٧٨ ]