[ق ١٩١] رسالة أرسلها الشيخ قِوام الدِّين عبد الله بن حامد الشافعي من العراق إلى القاضي زين الدِّين ابن سعد الدِّين سعد الله ابن بُخَيْخٍ (^١) الحراني الحنبلي بالشام المحروس
رحمهم الله تعالى (^٢)
هذه نسخةُ رسالةٍ أرسلها الشيخ قوام الدِّين عبد الله بن حامد الشافعي من العراق إلى القاضي زين الدِّين ابن سعد الدِّين سعدِ الله بن بُخَيْخ الحراني الحنبلي بالشام المحروس. فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قل الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، وأدام الله تعالى تمكين الحضرة العليّة المولوية العالمية الفاضلية الكامليّة الحاكمية العادلية الأورعيّة الأنزهيّة الربّانية، وأعلى جدّها وأدام ظِلَّها وحَرَس مجدَها، ولا زال جنابها المنيعُ ومجلسُها الرفيعُ قرارَةَ الإيثار والإفضال، ومعدنَ الفضائل، ودارةَ أقمار (^٣) الآمال، ومستقرَّ النّائل، وموطنَ حطّ الرحال المُمَدّ باليُمن والإقبال لرفادة الآمل وإفادة السائل.
ولا برحَ الإسلام وأهل الإسلام راقيًا أعلى ذروة الارتقاء بإمداد العزة
_________________
(١) في الأصل: «نجيحٍ» وهو خطأ، وانظر ضبطه في «توضيح المشتبه»: (٢/ ٣٦٩).
(٢) ولعبد الله بن حامد رسالة أخرى أرسلها لابن رشيق في الثناء على شيخ الإسلام انظرها في كتابنا هذا (ص ٢٨٥).
(٣) رسمها في الأصل: «اقتمار».
[ ٣٣٨ ]
القعساء والحضرة العلياء من دوام الشّرف والبقاء، ومزيدٌ للرفعة (^١) والعلاء والبهجة والضياء، ففي ذلك رفعُ المُعاضد وقمع المُعاند، وكيد الأعداء الملحدين، وشدّ اعتلاءِ دعائم الدين، فهو سبحانه سميعُ النداء مُجيب الدعاء.
أما الأشواق إلى مكارم تلك الأخلاق، التي ملأ نشرُها الآفاق، فضلًا عن قُطر العراق؛ فتضيق عن وصف أيسرها العبارةُ، فكيف تُطيق التعبيرَ عن أكثرها الإشارةُ!
والصادرون عن مورد الحضرة [ق ١٩٢] العلية الطاهرة الزكية وإن أطنبوا في الوصف فمقصّرون، أو أسهبوا في النعت فمختصرون، ومن الذي يُحصي رمالَ الدهناء أو يعدُّ نجومَ السماء؟ !
وإنما الصادرُ مع عجزه عن العدّ والإحصاء، فغايةُ جهد المقلّ أنه لا يزال رَطْب اللسان بتوفير الثناء، ريّان الجنان بتكثير الولاء، لَهِجًا بنشر المحاسن والإحسان، بهِجًا بمُعاينة عيون الفوائد الملتقطة من تيَّار الفصاحة والبيان، المزرية بعيون فرائد الدُّرر والعِقْيان، المتنافس في أمثالها لِنفاسة القيم والأثمان، فمُلازم المجلس الشريف بفنون (^٢) الفوائد يُتْحَف فيُسْعَد، والمُقْصى عن المستقرّ المنيف مغبون متباعِد كالمُخلَّف المُقْعَد، فياليت السعادة ألمَّت بهذا المتمني المشتاق، فغسلت درن الفراق، وزحزحت شقاء الأشواق بجلسة ساعات التلاق.
_________________
(١) كذا في الأصل، والأنسب: «ومزيدِ الرفعةِ».
(٢) الأصل: «الفنون» ولعلها ما أثبت.
[ ٣٣٩ ]
فإن قيَّض الله سبحانه ذلك على العواقب المحمودة السارَّة والاختيارات المقصودة القارّة، ليلتقط من تلك الفوائد التي هي أنفسُ الفرائد قدرًا وثمنًا، وتَحْتَقِب من تلك الفوائد التي ما بمستفيدٍ عنها غِنى، كان ذلك غاية الغِنى ونهاية المُنى هنا، والله سبحانه على ذلك قدير، ولم يزل بالإجابة جديرًا قَمِنًا.
ثم إنّ الحبَّ في الله من أوثق عُرى الإيمان، ومن أقرب ما يتقرَّب به المتقرِّبون إلى الرحمن، كما قد ثبت ذلك عن أشرف الخلق وصفوة الحق. وهذا النمط وإن كان قد عزَّ في هذه الأعصار، وخَلَت من أهله أكثر القيعان والديار، لكن في الأمة بحمد الله تعالى بقايا، وكما يقال: وفي الزوايا خبايا.
والمحبَّةُ قد تحصل بالخَبَر والسّماع، وليس من شرطها الرؤية والاجتماع، بل معظمها لا يوجد إلا بواسطة التسامع والأخبار، ويتأكَّد بتواتر حُسْن المآثر ومُعاينة الآثار، وليست الأعين تعاين جميع الأعيان المحبوبة، وكيف وهي عن الملك الديّان الآن محجوبة، ثم الملائكة والرسل الكرام على الكلِّ منهم أفضل الصلاة والسلام، وأتباع الرسل من لدن آدم وهلمّ جرًّا إلى هذه الأيام، لهم في القلوب الحبّ الشديد ما لا يحتاج معه إلى شرح أو تعديد.
وإذا كانت المحبَّة ليست الرؤية فيها شرطًا، ولا ينتقصُ عدمها منها قسطًا، فلا غَرْو إذا ادّعى مدّعٍ محبةً في الله
_________________
(١) إن شاء الله لبعض أولياء الله، وإن لم تَجْمع بينهما المزاورة، ولا انتظمتهما الأيام في سلك المحاورة. لكن مُوجبها نقل المكارم التي تقل في هذا العصر إلا في الأفراد، ولا تكاد توجد فيه إلا في الآحاد.
[ ٣٤٠ ]
وإذا أحسّت الأسماعُ ببعض الأفذاذ في بعض البقاع هشَّت النفوسُ إلى لقائه، وتَبشْبَشت القلوبُ طمعًا في ودِّه وإخائه.
ولم تزل مآثر الحضرة العلية ومفاخر السُّدّة (^١) الأوحديّة يضوع عَرْفُها في الآفاق، وتَفِدُ بها الوفود (^٢) إلى العراق، حتى استجاب القلب لداعي تلك المآثر، وعَقَد عليها الخناصر [ق ١٩٣]، وصار في إنهاء ذلك الودِّ الراسخ إلى الحضرة العُلْيا متردِّدًا كالمقدّم فيه رِجْلًا والمؤخّر أخرى، إلى أن استخار الله سبحانه في هذا الإنهاء مجتهدًا، حتى ترجَّح له أن إحاطة العلوم المولوية بهذا المعنى أولى وأحرى، واستقرَّ في النفس أن تأخير هذا الأمر بعد تعرُّف القلوب ضربٌ من الجفاء أو إضراب عما جاء في السنة الغرَّاء: «إذا أحبّ أحدُكم أخاه فليُعْلِمه» (^٣)، كما من السنة: أن من له جارٌ فليكرمه (^٤).
وأما ما يُحاذَرُ في هذا من النسبة إلى سوء الأدب، لِمَ تهَجَّمَ ببداءة المكاتبة قبل الملاقاة والمصاحبة؟ فهذا مع كونه لا أصل له فهو يُفضي إلى المقاطعات وسدِّ باب المؤاخاة، بل كما أن إفشاء السلام مشروع عند الملاقاة، فقد يُعْتاض عن ذلك بالمكاتبات في الغيبات، وهذا هو عين الواقع،
_________________
(١) الأصل: «الشذه».
(٢) الأصل: «الفود».
(٣) أخرجه أحمد (١٧١٧)، والترمذي (٢٣٩٢)، وابن حبان (٥٧٠) وغيرهم من حديث المقدام بن معدي كرب - ﵁ -. قال الترمذي: «حسن صحيح غريب»، وصححه ابن حبان والحاكم. وله شواهد.
(٤) يعني حديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره » أخرجه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨) من حديث أبي شريح - ﵁ -.
[ ٣٤١ ]
وما في هذا من منازع.
ثم إن المشتاق إلى لقاء من لا يتمكّن من لقائه ليبدأه بالزيارة والسلام= مضطرٌّ إلى أن يستسعي قِمَم الأقلام (^١) إذا أعْوَزه سَعْي الأقدام. ومتى قيل: إن في البداءة بالكتاب تكليفَ المكتوب إليه ردًّا للجواب، وليس ذلك كردِّ السلام على المُسَلِّم، إذ تلك كلمة خفيفة لا تَثْقُل على المتكلِّم، وأما المكاتبات فتقتضي أجوبةً قد يكون فيها كُلْفَة ومعاناة.
فيقال: إذا كانت المودّات صحيحات والأفئدة فسيحات ارتفعت التكليفات المستثقلات، فمن تيسّر له ردّ الجواب أنْعمَ ورَدَّ، ولا يُحْمَلُ عدم الردِّ على الإعراض والصدّ، بل أول درجات الإخاء الإعفاء عن تحمُّل الأعباء التي لا ييسرها القضاء، وحَمْل الأفعال والتروك على أحسن المحامل، والعاقل فلا يُخرِج الكمالَ عن فعل الكامل.
وأما المقدمات الرديَّة (^٢) فلازمة للأفئدة الصديّة حاشى الحضرة العليّة! ولو فُرِض أن في هذا الابتداء نوعًا من سوء الأدب، فما خلا عن شوق غَلَب، وقضاء حقٍّ قد وجب، حتى إن الغاصب لا يُلام إذا بادر مبتدئًا بردِّ المغتصَب وإن كان مسيئًا لما اغتصب، فأيّ ملامٍ على مشتاقٍ إلى أهل الحقّ والقائمين به بحسب الإمكان في هذا الزمان، إذا أرسل إلى حضرتهم سلامًا، وابتدأ كلامًا بلا استئذان؟
_________________
(١) الأصل: «الإقدام» تحريف.
(٢) الأصل: «الرذية».
[ ٣٤٢ ]
غير (^١) أنّ أهل الحقّ قد قلّوا، والطالبُ لهم قلّ بقلَّتهم، ومن وُجِد منهم يُغْتَنَم لقاؤه ويُطْلب إخاؤه، فإن عزّ اللقاء فالدعاء في ظهر الغيب، وانطواء الباطن على موالاتهم ومصافاتهم، ليعلم الله تعالى الإخلاص في موالاة أوليائه المعاصرين، أُسوةً بموالاة السلف الماضين الغابرين.
والمسؤول من الله تعالى أن يُكْثر عِداد الأولياء الأمجاد أهل الجدِّ والاجتهاد، وأصحاب المكافحة والجهاد، المحبين للحق، الناصحين للخلق، الصابرين على أذى الناس، المنتظمين في سلك الحازمين الأكياس.
ولقد منّ الله ــ سبحانه ــ على أهل هذا [ق ١٩٤] العصر بنعمةٍ عظيمة ما قَدَر أكثرُهم قَدْرَها، ولا قاموا لله بشكرها، أقامَ لهم عالمًا على رأس هذه المائة وأيّ عالم (^٢)! غالبُ الظنّ أنّ أهل العلم ما عرفوه وحاش لله أن يعرفوه حقيقةَ المعرفة ويَقْلوه.
وهذا المسكين كاتب هذه الأسطر لم يقف على كلامه، ولم يعرف حاله إلّا قُرْبَ اعتقاله، وليت كان قبل ذلك بمدَّة طويلة، وأيّ حيلةٍ بعد فوتِ الحيلة، ولكن في الله الخَلَف، وفي بقائكم السلوان عمن سَلف.
ولما وصل إلى هنا بعضُ مصنّفاته، ووقف على أصول مقالاته، واعتبر قواعدَ تأسيساته في بحوثه ومُناظراته= رأى والله شيئًا بَهَره، وشاهد أمرًا حيّره! ولا كان يعتقد أنَّ مثل هذا البحث والبيان يكون في قوة إنسان! وما
_________________
(١) الأصل: «عن».
(٢) يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وانظر رسالته إلى أبي عبد الله بن رُشيّق في كتابنا هذا (ص ٢٤١).
[ ٣٤٣ ]
أشبهه برجل موتور (^١) يطلبُ الثأر من جميع الفِرَق المخالفة لدين الإسلام، لا يُبالي بكثرة عددهم، ولا يتزعزع أن يتابع مددهم، ولا تهوله كثرة جموعهم، ولا يُتَعْتعه تهديدهم أو تهويلهم مِن تابِعِهم أو متبوعِهم.
إن ناظر المتفلسفين قَمَعهم، وإن عارض (^٢) المتكلمين قطعَهم، وإن جارى المبتدعين بدَّدَهم، وإن كافح المُلْحدين شرّدهم، يجول في ميادين المناظرة والجدال جَوَلان الفرسان الأجلاد الأبطال، ويجري عند المقارعة والنزال فلا يُجارَى في مسابقة ولا نِضال، فهو الفارس الثائر والشجاع الفائر (^٣)، يثأر لدين الله ممن خالفه، وينتصر لكلام الله ممن أحال معناه أو حرّفه. يؤسِّس التأسيسات القويمات، ويمهّد القواعد المستقيمات، لا تُدْحَض له حجة إذا شرع في إقامة الحُجج والبراهين، ولا يعتاصُ عليه حلّ شُبهة إذا سلك المحجَّة في نصر الدين.
يسُلُّ بِدَع المبتدعين من دين المسلمين سلّ الشعرة من العجين، ويستخرج شُبَه الملحدين التي تدِقُّ في أعين الناظرين، وتعضل المناظرين، استخراجَ من جَعلَ حديدَ المغلق من أقفالها، والمقفل من إشكالها، في بنانِه وبيانِه ألينَ من الطين.
قد تقلَّد صماصمَ الأدلة العقلية، واعتقل لهاذمَ البراهين النقليّة، وامتطى (^٤)
_________________
(١) الأصل: «موثور» بالثاء.
(٢) الأصل: «أعرض».
(٣) مطموس آخر الكلمة. فلعلها ما أثبت.
(٤) الأصل: «وامتطاء».
[ ٣٤٤ ]
جوادَ السنن النبوية، واحتمل على عاتقه الألوية المحمدية، واعتزل الألوية الغوية التي تحامي حمية وتقاتل عصبية، يُنادي بأعلى صوته: يا أهل الملة الإسلامية وأصحاب الشِّرْعة المصطفوية، وطلاب السّنة البيضاء النقيّة، من أحْرَقتْ كبدَه منكم الشبهاتُ، وأزاغتْ قلبَه التشكيكاتُ، وأزلَّت قدَمَه الفِرقُ المضلّات، وأضلَّت به في الطُرُق المُهْلكات، فإليّ إليّ، ألا هلمّوا هلمّوا، فإن عندي حلّ ما أشْكَل، وعلاج الدّاء الذي أعْضَل.
هذا دين الله الذي ما عليه غبار، فضلًا عن قتارٍ أو قَتَام. هذا دين الإسلام الممدوح بالتكملة والتمام. هذا هو الدِّين الذي دَرَج عليه السلف الكرام وأئمة الأمصار الأعلام. فإن شككتم في كلامي أو اعتقدتم (^١) [ق ١٩٥] الفَلَّ في حسامي، فهذه الشواهد من عدول المنقول والمعقول، لا مِرية ولا فرية، ولا عَتَمة ولا قَتَمة ولا ظلام، قلِّدوا القرآنَ ولا تقلدوني، واتبعوا نَظَر العِيان إذا اتبعتموني.
ومع ذلك فالناس كحائرين أو جائرين جاحدين إلا ما شاء الله من القليل، كالواحد الواحد من الجيل.
فما لبث إلا أن ناداه داعي الله فلبّاه، فرضي الله عنه وأرضاه، ولكنه خلَّف في القلب مِنْ أسَفِ فُرْقته جمراتٍ وأيّ جمرات، وحسَرات تتبعها حسرات.
وهذا المسكين المحروم من حضرته، المفاجأ فيه بمصيبته، على قلة
_________________
(١) مطموس بعضها.
[ ٣٤٥ ]
عدد أيام معرفته، ما مثله إلا كما يقال: ما سَلّم حتى ودّع (^١). فهو لا يزالُ يجد الرَّوح والراحة إذا هبّت النسمات الشامية، ومرّت النفحات الدمشقية، ويتسلّى بوجود الأعيان من المصاحبين له والمعاصرين، ويشتاق الإخوان الآخذين عنه المُقلِّين والمُكثرين.
والحضرة العلية ــ ولله الحمد ــ بحرٌ خِضَمّ لا يُدْرك قرارُه، ولا ينتهي إلى ساحله من ظهر له شعاره، قد خُصَّ بالمواهب الجليلة من فنون العلوم والأعطيات الجزيلة التي يعترف بها الخصوم، وله اختصاصٌ عظيم بإمام الدنيا ــ ﵀ ــ، ومكارمه على المستفيدين والطلبة وإحسانه إليهم يُغني شهرتُه عن الشرح، مع ما سَبَق من الإنعام وتعديد الفضائل والتفضُّلات الموجبة لرسوخ الوداد، مما لا يتسع له كتاب. فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، وجزاؤه لا يعادله شيءٌ من الأشياء.
وأما ما ذكره (^٢) من حال إمام الدنيا ــ ﵀ وفسح في مُدَّتكم ــ فما هي إلا قطرة من بحرٍ ينطوي عليه الباطن، والدلائل (^٣) المعرِّفة بحاله كما ينبغي شهادةُ الفطرة قبل الوقوف على بحوثه الأصول التي أصّلها، ونفورُ الباطن جدًّا عن تحريفات النصوص التي توجد في أيدي النُظار، واحتراقُ الباطن على ما جرى في دين الإسلام من التبديل، وشدَّةُ الاعتناء بالوقوف
_________________
(١) ومنه قول علي بن جبلة: كابد الأهوال في زورته ثم ما سلَّم حتى ودّعا انظر «زهر الآداب»: (٣/ ٨٠٠).
(٢) كذا، ولعلها: «ما ذكرته».
(٣) الأصل: «والداء» ولا معنى لها.
[ ٣٤٦ ]
على كلام الفرق، ومعاينةُ الاضطراب العظيم في لوازم القواعد التي أسّسوها في أمهات المسائل.
وكانت النفس لا تسمح بالمخالفة لظواهر النصوص، ثم كبار النظَّار المتأخرين من المشاهير يميلون إلى تأويلها، والجمعُ بين تعظيمهم وتعظيم ظواهر النصوص يوقع في العناء العظيم والكرب المقيم.
وفسادُ الطرق الكلامية كانت تشهد الفطرةُ به من حيث الإجمال، والقوَّةُ وحدَها فما كانت تنهض إلى تبيين ذلك من حيث التفصيل، وكانت الفطرة لمعرفتها بصحة قواعد دين الإسلام ورسوخ أساسه، تتيقن أن وراء قواعد المتكلمين أساسات مرضية غير هذه التأسيسات الاصطلاحية، وتفتش الكتب فلا تجد شيئًا مما يقوِّيه على تغيير تلك القواعد المصطلح عليها.
ويدأب هذا المسكين ليلَه ونهارَه ليؤسِّس تأسيسات لا تنخرم (^١) [ق ١٩٦] إذا طُبِّقت على النقليات يجد قوته لا تنهض بذلك تعبيرًا لعدم المسلك الموقف (^٢)، فما كان هناك حيلةٌ إلا الالتجاء إلى الله تعالى، والوقوف مع النصوص ظاهرًا وباطنًا، والقول بقيام الأفعال الاختيارية بصانع العالم ــ جلَّت عظمتُه ــ من حيث الإجمال، ولا كان يجد في فطرته غير هذا.
وأقوال المتكلِّمين في ذلك فمشهورة وطرقهم معروفة، ولم يزل في تعبٍ عظيم من التردّد بين تعظيم المشهورين من رؤساء أرباب النظر، وبين تعظيم
_________________
(١) طمس بعضها.
(٢) كذا العبارة في الأصل. ولعلها: «الموفّق».
[ ٣٤٧ ]
النصوص والفِطَر، والجمعُ بين الضدَّين محالٌ. غير أن من ألطاف الله سبحانه ومواهبه العظيمة: أن الفكر ما كان يفتر عن تدبّر النصوص، وإمعان النظر في معنى الألفاظ، بحيث لا يفوت حرفٌ واحدٌ عند التلاوة من التدبّر لمعناه وطلب الهدى منه.
وكان الصدر يضيق جدًّا عن التأويل، لبعده عن الفِطر والمعروف من اللغة المتداولة بين البشر، وكان القلبُ كالموعود بقواعد صحيحة مستقيمة منقولة ومعقولة غير هذه القواعد التي وقع عليها الاصطلاح، وثِقًا بصحة دين الله، وصحة ما جاءت به الرسل عن الله، وهذا كان في الباطن كالمحقق الذي لا بدَّ من الوقوف عليه وقتًا مّا.
فلما قدّر الله تعالى ما هو شبيهٌ بالفرج بعد الشدة، من مطالعة بعض بحوث إمام الدنيا
_________________
(١) ﵀ كان ذلك كضالةٍ لا تخفى على مُنشدها إذا وجدها، وعلى الخصوص إذا كانت من أعزّ ما يطلب، فوالله الذي لا إله غيره ساعةَ الوقوف على ذلك كادَ العقلُ أن يدهَش سرورًا وفرحًا. ومن يطيق أن يُعبِّر عن هذا الحال قلمٌ أو لسان؟ ! وهذا من الأمور التي لا تُعْرف إلّا بالذوق والوجدان، وإلا فلو قيل في هذا المعنى مهما قيل نُسِبَ قائله إلى التقصير أو التكثير. ومنشد الضالة التي صاحبها خبير بها لا يحتاج واجدها إلى طول تأمل وكثرة تعب في معرفتها بعد الوجدان، فلا يُلام من أحبّ أهل بلدٍ خرج منه هذا الإمام العظيم، فضلًا عن الخصِيصِين به المُنعَّمين. ولا ينبغي أن يُتعجَّب من إطالة هذا الكتاب وهذا الإطناب، فوالله إن هذا قليل من كثير!
[ ٣٤٨ ]
وقلّ أن وقع ذِكْرُ هذا الإمام إلا والعبرات تتقاطر، والدمعات تتحادر، وهذا صار كالمَلَكة الذي لا يستطيع ردّ ما يَرِدُ منه، ولولا الوثوق بالله العظيم، والتسلِّي بمن فُقِد من الرسل وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمَّ جرًّا، لتقطعت النفسُ على فَقْد مثل هذا في العصر البعيد عن النبوات حسراتٍ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والحمد لله رب العالمين.
والله تعالى يمتِّع الإسلامَ وأهل الإسلام بالحضرة العالية ومحبّيها، ويطيل بقاءها، ويُحْسِن العاقبة، ويختم بالخير أعمالها، فهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل.
جميع الإخوان واللائذين بالجناب الكريم يتقدمون إلى من يُبلغهم السلام التام والدعاء الوافر وشدة الأشواق. والجناب الشريف في عناية الله تعالى ورعايته (^١).
* * * *
_________________
(١) في (ق ١٩٧) عقب الرسالة ما نصه: «عفا الله عنه وأسكنه الجنة برحمته إن شاء الله تعالى إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، وصلواته على نبيه البشير النذير محمد وآله وصحبه أجمعين. وفرغ منه يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. غفر الله لمن نظر فيه أو سمعه ودعا لكاتبه بالمغفرة والرحمة آمين».
[ ٣٤٩ ]