رَوَى عن أبي الحَسَن بن محمدِ بن خروفٍ النَّحْوي، وأبي حَفْص بن عُمر واختَصَّ به؛ رَوى عنه أبو بكر بنُ محمد بن عبد العزيز ابن أختِ أبي القاسم بن صافٍ، ورحَلَ إلى المشرق في حدودِ الخمس والتسعينَ وخمس مئة مرافقًا الشهيدَ
_________________
(١) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (١٧٣)، والضبي في بغية الملتمس (٣٨٢)، وابن فرحون في الديباج ٢/ ١٩٨، وقال الضبي: "قيدتُ فهرسته بخط يدي وقرأتها بمرسية على ابنه الفقيه الأديب أبي جعفر، قدمها علينا".
(٢) ويقال فيه: الباذش، والبيذش، وهي لفظة لاتينية تعني: القدمين، وستأتي ترجمته في السفر الخامس من هذا الكتاب.
(٣) ترجمه ابن فرحون في الديباج ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٢٢١ ]
أبا بكرٍ ابنَ أحمدَ الكِنانيَّ الآتي ذكْرُه في موضِعه من المحمَّدِينَ في هذا الكتاب، فأدَّيا فريضةَ الحجّ ولقِيا هنالك بقايا الشّيوخ فأخَذا عن طائفةٍ منهم، وقَفَلا إلى الأندَلُس واستَصحَبا فوائدَ جمّةً وغرائبَ كتُب لا عهدَ لأهل الأندَلُس بها انتَسخاها هنالك، وتوافَقا على أن يَنسَخَ أو يقابِلَ أحدُهما غيرَ ما يَنسَخُه رفيقُه أو يُقابلُه استعجالًا لتحصيلِ الفائدة، حتّى إذا ألقيا عصا التَّسْيار بمقَرِّهما إشبيليةَ انتسَخَ كلُّ واحد منهما من قِبَل صاحبِه ما فاتَه نَسْخُه بتلك البلاد. فكان ممّا جَلَباه: "الكشّاف عن حقائقِ التنزيل" صَنعةُ جارِ الله العلّامة الأوحَد أبي القاسم محمودِ بن عُمرَ بن محمد الخُوارِزْميِّ الزَّمخشَري، وكان مما تولّى نَسْخَه أبو العبّاس هذا من الأصل المُحَبِّسُ بمدرسة القاضي الفاضل أبي عليٍّ عبد الرّحيم بن عليّ بن الحَسَن بن الحَسَن بن أحمدَ البَيْسانيِّ (١)، ﵀، بالقاهرة، وهو مسموعٌ على مصنِّفِه، و"مقاماتُ الزّمخشَريِّ الخمسون" (٢)، و"شرحُ السُّنة" تأليفُ الإمام أبي محمد الحُسَين بن مسعود البَغَويُّ (٣) ﵀، و"تاجُ اللُّغة وصِحاحُ العربية" تصنيفُ أبي نصرِ إسماعيلَ بن حمّاد الفارابي نزيلِ نَيْسابورَ المعروفِ بالجَوْهريِّ ﵀، وهو مما قابَلَه أبو العبّاس هذا، وكانت النُّسخةُ التي جَلَباها من هذا الكتابِ في ثمانية أسفار بخطٍّ مشرِقي (٤)، و"إكمالُ الأفعال" تأليف أبي بكر محمد بن عُمر بن
_________________
(١) ترجمته في تاريخ الإسلام ١٢/ ١٠٧٣.
(٢) هي مقامات في الوعظ، وقد شرحها مؤلفها وتكرر طبعها وعارضها من الأندلسيين بعد دخولها إلى الأندلس على يد المترجم أحمد بن علي بن حريق المخزومي البلنسي الذي ستأتي ترجمته في هذا السفر.
(٣) انظر ترجمة البغوي في تاريخ الإسلام ١١/ ٢٥٠.
(٤) يستفاد من كلام المؤلف أن الصحاح لم يدخل الأندلس إلا بعد سنة ٥٩٥ هـ أي بعد قرنين من ظهوره في المشرق، ويذكر الصفدي في ترجمة ابن القطاع الصقلي (ت ٥١٥ هـ) أنه لما قَدِمَ مصر سألوه عن الصحاح فذكر أنه لم يصل إليهم. وبعد دخول الصحاح الأندلس بزمن على يد المترجم عُني بعض الأندلسيين بكتابة حواش عليه منهم: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البسطي مكمل التنبيه والإيضاح عما وقع من الوهم في كتاب الصحاح (بغية الوعاة ٢/ ٣٤)، وأبو عبد الله =
[ ١ / ٢٢٢ ]
عبد العزيز بن إبراهيمَ بن عيسى الداخِل إلى الأندَلُس ابن مُزاحِم مَوْلى عُمرَ بن عبد العزيز المعروفِ بان القُوطِيّة (١) تكميلُ الشّيخ أبي القاسم عليِّ بن جعفرٍ السَّعديِّ ابن القَطّاع الآتي ذكْرُه في الغُرباءِ من هذا الكتاب إن شاء الله (٢)، إلى غير ذلك من التصانيف.
وكان أبو العبّاس نبيلَ الخطِّ نقِيَّ الوِراقة حسَنَ الطريقة، كتَبَ بخطِّه الكثيرَ من دواوين العلم عمومًا ومن هذه المُسمّاة خصوصًا، باقتراح رؤساءِ عصرِه من الأُمراءِ والقضاة واغتنامِهم ما يكونُ بخطِّه عندَهم وإجزالِهم له المَثُوبةَ عليه، وكذلك كانوا يَرغَبونَ في مقابلتِه الكُتبَ ومعاناة تصحيحِها ثقةً منهم بإتقانِه وجَوْدةِ ضبطِه. وكان الفقيهُ أبو الحُسَين محمدُ بن محمد بن زَزقُونَ ﵀وسيأتي ذكْرُه في موضعِه إن شاء الله (٣) - ينعَى على أبي العبّاس هذا جَلْبَه "الكشّافَ" هذا، لما تضمَّنَه من المذهبِ الاعتزالي، ويقول: قد كانتِ الأندَلُس مُنَزَّهةً عن هذا
_________________
(١) = محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي، وله حواش على الصحاح (البغية ١/ ١٩٤)، وأبو العباس أحمد بن محمد المعروف بابن الحاج الإشبيلي، له نقود على الصحاح (البغية ١/ ٣٥٩)، وإبراهيم بن قاسم البطليوسي الذي جمع بين الصحاح والغريب المصنف (البغية ١/ ٤٢٢).
(٢) ترجمة ابن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧ هـ في تاريخ العلماء لابن الفرضي (١٣١٦)، وجذوة المقتبس (١١١)، وبغية الملتمس (٢٢٣)، وإنباه الرواة ٣/ ١٧٨، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٦٨، وغيرها. وكتابه في الأفعال طبع في ليدن سنة ١٨٩٤ م وأُعيد طبعه في مصر سنة ١٩٥٢ م.
(٣) الموضع الذي يحيل عليه المؤلف في سفر مفقود، وترجمة ابن القطاع (ت ٥١٥ هـ) في تاريخ الإسلام ١١/ ٢٤١، وكتابه إكمال الأفعال طبع في حيدر أباد سنة ١٣٦٠ - ١٣٦١ هـ، في (٣) أجزاء.
(٤) لم يصل إلينا السفر الذي فيه ترجمته من هذا الكتاب وهو مترجم في التكملة (١٦٣٧)، وبرنامج الرعيني (١١)، وغاية النهاية ٢/ ٢٤٠، ووالده مترجم في التكملة (١٤٩٤)، والسفر السادس من هذا الكتاب، والتكملة المنذرية ١/الترجمة ١١٨، وفيها مصادر ترجمته الأخرى، وجده مترجم في السفر الرابع من هذا الكتاب. قال الرعيني: "وكان من مفاخر إشبيلية هو وأبوه وجده أبو الطيب سعيد".
[ ١ / ٢٢٣ ]
وأشباهِه (١) ولم يزَلْ أهلُها على مرورِ الأيام أغنياءَ عن النظرِ في مثلِه وإنّ في غيرِه
_________________
(١) عرف المذهب الاعتزالي في الأندلس قبل دخول "الكشاف" إليها بزمن بعيد ولم تكن منزهة عنه كما يقول شيخ المالكية في وقته أبو الحسين ابن زرقون؛ وممن تذكر كتب الطبقات أنهم عرفوا بالاعتزال في الأندلس في القرنين الثالث والرابع الهجريين: عبد الأعلى بن وهب (ت ٢٦١ هـ) وفرج بن سلام الذي أخذ عن الجاحظ وأدخل كتبه إلى الأندلس، وعبد الله بن مسرة والد ابن مسرة (ت ٢٨٦ هـ)، ويحيى بن يحيى القرطبي المعروف بابن السمينة (ت ٣١٥ هـ)، وأبو عبد الله بن مسرة (ت ٣١٩ هـ) وقد أفرده المستشرق الإسباني أسين بلاثيوس بدراسة قيمة، وخليل بن عبد الملك المعروف بالغَفْلة، ومنذر بن سعيد قاضي القضاة، وبنوه: حكم الذي كان كما يقول ابن حزم في طرق الحمامة: ٤٥ "رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم وناسكهم" وأخواه عبد الملك وسعيد؛ وممن شهر بالاعتزال أيضًا: موسى بن حُدير الحاجب وأخوه، وقد عرض ابن حزم في مواضع من كتابه "الفصل" لبعض آراء معتزلة الأندلس (انظر في هذا الموضوع رسالة الدكتور محمود مكي الجامعية: ٢٠٨ - ٢٢٨، وتاريخ الفكر الأندلسي لبالنثيا: ٣٢٤ وما بعدها، وتاريخ الأدب الأندلسي للدكتور إحسان عباس ١/ ٥٢ وما بعدها). هذا وقد نتج عن دخول "الكشاف" إلى الأندلس على يد المترجم أن اشتغل طائفة من الأندلسيين والمغاربة في القرن السابع وما بعده بالرد عليه أو اختصاره أو مقارنته بتفسير ابن عطية أشهر تفسير عند الأندلسيين؛ فممن رد عليه أو نبه على ما فيه من اعتزال: أبو بكر يحيى بن أحمد السكوني المتوفى سنة ٦٢٦ هـ وذلك في كتابه "الحسنات والسيئات" الذي انتقى فيه مستطرف غرائبه البيانية وأبدى أيضًا ما تضمنه من سوء انتحاله في ركيك اعتزاله كما يقول ابن الزبير في صلة الصلة ٥/الترجمة ٥٣٦، وانظر أيضًا التكملة (ترجمة ٣٤١٧) ويوجد مخطوطًا بالخزانة العامة بالرباط (حرف ق) والخزانة الملكية بالرباط أيضًا، ومنهم أبو علي عمر بن محمد السكوني قريب السابق ذكره، وأسمى كتابه: "التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في الكتاب العزيز" (نيل الابتهاج: ١٩٥) ويوجد مخطوطًا كذلك، وممن اختصر "الكشاف" وأزال عنه الاعتزال: أبو عبد الله محمد بن علي بن العابد الفاسي "بغية الوعاة ١/ ١٨٢). وممن جمع بينه وبين تفسير ابن عطية: أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن الكماد الإشبيلي (التكملة، الترجمة ٢١٥٥) وأبو محمد عبد الكبير بن بقي الغافقي (برنامج الرعيني، الترجمة ١٢)، وأبو الحسن علي بن محمد الجياني (كما سيأتي في السفر الخامس). وانظر ما قيل من شعر في الرد على الزمخشري في أزهار الرياض ٣/ ٢٩٨ وما بعدها وص ٣٢٣ وما بعدها.=
[ ١ / ٢٢٤ ]
من تصانيفِ أهلِ السُّنةِ في التفسير غُنيةً عنه، ولكلِّ ذي عقل اختيارُه، والله ينفَعُ أبا الحُسَين وأبا العبّاس بمقصدِهما، فكلاهما نَصَحَ، أعظَمَ اللهُ أجرَه. وفي الكتاب المذكور (١) جملةٌ كبيرةٌ جَلِيّة وخَفِيّة ممّا أشار إليه أبو الحُسَين ﵀، ولكنّه على ذلك مُترَعٌ فوائد، ومشحونٌ غرائبَ عِلميّةً لا توجَدُ مجموعةً في كتابِ غيرِه ألبتّةَ سوى ما اختَصَّ به من كثيرِ ما احتوى عليه من التنبيه على حُسنِ نظم القرآنِ العظيم والإرشاد إلى بديع رَصْفِه والكشفِ عن وجوهِ إعجازِه، واللهُ يسمَحُ للجميع ويتقبَّلُ عنهم أحسَنَ ما عمِلوا ويتجاوزُ عن سيّئاتِهم، إنه جوادٌ كريم غفورٌ رحيم (٢).
وكان أبو العبّاس هذا شديدَ الشَّغَف بالعلم فطَمِعَ دهرَه في صُحبةِ أهلِه، ولازَمَ أبا حَفْص بنَ عُمرَ طويلًا، وكان مَلِيًّا بأخبارِه ذاكرًا لأشعارِه حسَنَ المحاضرة، يَحضُرُ مجالسَ أهل العلم أقرانُه ومن هو أصغرُ منه، وقد كان يَحضُرُ مجلسَ الأستاذ أبي الحَسَن الدّبّاج وغيره من طبقتِه ومَن هو دونَه. وتوفّي ﵀ بإشبيليةَ في حدودِ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئة.