وَمِنْهُم الشَّيْخ الامام الْعَلامَة الْحَافِظ الْبركَة الْقدْوَة ذُو الْفُنُون البديعة والمصنفات النافعة جمال الدّين عُمْدَة الْمُحَقِّقين أَبُو المظفر يُوسُف بن مُحَمَّد ابْن مَسْعُود بن مُحَمَّد بن عَليّ بن ابراهيم الْعَبَّادِيّ ثمَّ الْعقيلِيّ السرمري نزيل دمشق الْحَنْبَلِيّ مولده فِيمَا وجدته بِخَطِّهِ فِي سَابِع عشر رَجَب من سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة بسر من رأى وَتُوفِّي يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الاولى سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَدفن بمقبرة الصُّوفِيَّة
[ ١٣٠ ]
جوَار تربة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية رحمهمَا الله وَكَانَ إِمَامًا ثِقَة عمده زاهدا عابدا محسنا جهده صنف فِي أَنْوَاع كَثِيرَة نثرا ونظما وَخرج وَأفَاد وأملى رِوَايَة وعلما [وَمن مؤلفاته النظامية كتاب الحمية الاسلامية فِي الِانْتِصَار لمَذْهَب ابْن تَيْمِية مُعَارضا فرقة قد قَالَ أمثلهم إِن الروافض قوم لَا خلاق لَهُم
وَقد احسن فِي هَذَا الرَّد المقبول وَهدم تِلْكَ الابيات بنظام الْمَنْقُول وجلال الْمَعْقُول] وَكَانَ عُمْدَة فِي نقد رجال الحَدِيث وَضَبطه
وَترْجم الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بشيخ الْإِسْلَام فِيمَا كتبه بِخَطِّهِ [وَجمع فِي شمائله اللطيفة تَرْجَمَة مونقة منيفة إعلاما بِقَدرِهِ وتنبيها] قَالَ فِيمَا وجدته بِخَطِّهِ فِيهَا حَدثنِي غير وَاحِد من الْعلمَاء الْفُضَلَاء وَالْأَئِمَّة النبلاء الممعنين فِي الْخَوْض فِي أقاويل الْمُتَكَلِّمين لإصابة الصَّوَاب وتمييز القشر من اللّبَاب أَن كلا مِنْهُم لم يزل حائرا فِي تجاذب أَقْوَال الْأُصُولِيِّينَ ومعقولاتهم وانه لم يسْتَقرّ فِي قلبه مِنْهَا قَول وَلم يبن لَهُ من مضمونها حق بل رَآهَا كلهَا موقعة فِي الْحيرَة والتضليل وجلها [ممعن يتَكَلَّف] الادلة وَالتَّعْلِيل وَأَنه كَانَ خَائفًا على نَفسه من الْوُقُوع بِسَبَبِهَا فِي التشكيك والتعطيل حَتَّى من الله ﷾ عَلَيْهِ بمطالعة مؤلفات هَذَا الامام ابْن تَيْمِية شيخ الاسلام مِمَّا أوردهُ من النقليات والعقليات فِي هَذَا النظام فَمَا هُوَ الا ان وقف عَلَيْهَا وفهمها فرآها مُوَافقَة لِلْعَقْلِ السَّلِيم وَعلمهَا حَتَّى انجلى مَا كَانَ قد غشيه فِي أَقْوَال الْمُتَكَلِّمين من الظلام وَزَالَ عَنهُ مَا خَافَ أَن يَقع فِيهِ من الشَّك وظفر بالمرام
وَمن أَرَادَ اختبار صِحَة مَا قلته فليقف بِعَين الانصاف الْعرية عَن
[ ١٣١ ]
الْحَسَد والانحراف ان شَاءَ على مختصراته فِي هَذَا الشَّأْن كشرح العقيدة الاصبهانية وَنَحْوهَا وان شَاءَ على مطولاته كتخليص التلبيس من تأسيس التَّقْدِيس والموافقة بَين الْعقل وَالنَّقْل ومنهاج الاسْتقَامَة والاعتدال فَإِنَّهُ وَالله يظفر بِالْحَقِّ وَالْبَيَان ويستمسك بأوضح برهَان ويزن حِينَئِذٍ فِي ذَلِك بأصح ميزَان
وجدت بِخَطِّهِ فِي بعض تعاليقه على غاشيته فِيهِ سِتَّة منامات رؤيت لشيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَوجدت فِي الاصل بِخَط الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور مَا صورته الْحَمد لله حق حَمده
قَالَ الْفَقِير يُوسُف بن مُحَمَّد بن مَسْعُود بن مُحَمَّد السرمري وجدت بِخَط الْمُحدث الْفَاضِل الْعَالم نجم الدّين إِسْحَاق ابْن أبي بكر بن ألمي التركي قَالَ أخبرنَا فَقير يعرف بِعَبْد الله وَذهب عني اسْم وَالِده وَرَأَيْت جمَاعَة من أَصْحَابنَا يثنون على دينه ويذكرونه بالصلاح وَالْخَيْر قَالَ رَأَيْت بِدِمَشْق فِي النّوم لَيْلَة الْجُمُعَة فِي رَجَب سنة خمس وَسَبْعمائة وكأنني خرجت [من بَيْتِي] لبَعض حَاجَة وَكَأن قَائِلا يَقُول لي إِن رَسُول الله ﷺ فِي الْمَدِينَة فَأتيت اليه فرأيته جَالِسا على دكان خباز فَسلمت عَلَيْهِ وَذَهَبت لأتكلم فَلم أطق الْكَلَام فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ يَا عبد الله قل مَا عنْدك فَقلت يَا رَسُول الله مَا تنظر مَا النَّاس فِيهِ من الِاخْتِلَاف وَكَثْرَة الاهواء والفتن قَالَ فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لي يَا عبد الله الْحق مَعَ أَحْمد ابْن تَيْمِية وَهُوَ سالك على طريقي وعَلى قدمي وَمَا جِئْت الا لأفصل بَينهم ثمَّ إِن
[ ١٣٢ ]
رَسُول الله ﷺ غضب وَتكلم بِكَلَام لم أفهمهُ الا أنني فهمت فِي آخِره وَهُوَ يَقُول أيقدرون أَن ينكروا معراجي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لقد أسرِي بِي من سَمَاء إِلَى سَمَاء وَمن سَمَاء إِلَى سَمَاء وَرَأَيْت رَبِّي وَوضع ﷺ أُصْبُعه الْيُمْنَى تَحت عينه الْيُمْنَى أَو كَمَا قَالَ
[وَقَالَ الامام ابو المظفر السرمري فِي الْمجْلس السَّابِع وَالسِّتِّينَ من أَمَالِيهِ فِي الذّكر وَالْحِفْظ وَمن عجائب مَا وَقع فِي الْحِفْظ فِي أهل زَمَاننَا شيخ الاسلام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية فَإِنَّهُ كَانَ يمر بِالْكتاب فيطالعه مرّة فينتقش فِي ذهنه فيذاكر بِهِ وينقله فِي مصنفاته بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَمن أعجب مَا سمعته عَنهُ مَا حَدثنِي بِهِ بعض أَصْحَابه أَنه لما كَانَ صَبيا فِي بداية أمره أَرَادَ وَالِده أَن يخرج بأولاده يَوْمًا الى الْبُسْتَان على سَبِيل التَّنَزُّه فَقَالَ لَهُ يَا أَحْمد تخرج مَعَ إخْوَتك تستريح فاعتل عَلَيْهِ فألح عَلَيْهِ وَالِده فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع
فَقَالَ اشتهي أَن تعفيني من الْخُرُوج فَتَركه وَخرج بإخوته فظلوا يومهم فِي الْبُسْتَان وَرَجَعُوا آخر النَّهَار فَقَالَ يَا أَحْمد أوحشت إخْوَتك الْيَوْم وتكدر عَلَيْهِم بِسَبَب غَيْبَتِك عَنْهُم فَمَا هَذَا فَقَالَ يَا سَيِّدي إِنَّنِي الْيَوْم حفظت هَذَا الْكتاب لكتاب مَعَه فَقَالَ حفظته كالمنكر المتعجب من قَوْله فَقَالَ لَهُ استعرضه عَليّ فاستعرضه فاذا بِهِ قد حفظه جَمِيعه فَأَخذه وَقَبله بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا بني لَا تخبر أحدا بِمَا قد فعلت خوفًا عَلَيْهِ من الْعين أَو كَمَا قَالَ]
[ ١٣٣ ]