جلس على تخت الْملك بقلعة الْجَبَل يَوْم الْأَحَد سَابِع ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة، وجد الْعَسْكَر لَهُ الْحلف فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثامنه. وَطلب السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف من القَاضِي فتح الدّين بن عبد الظَّاهِر تَقْلِيده بِولَايَة الْعَهْد، فَأخْرجهُ إِلَيْهِ مَكْتُوبًا بِغَيْر عَلامَة الْملك الْمَنْصُور. وَكَانَ ابْن عبد الظَّاهِر قد قدمه إِلَيْهِ ليعلم عَلَيْهِ فَلم يرض، وتكرر طلب الْأَشْرَف لَهُ، وَابْن عبد الظَّاهِر يقدمهُ والمنصور يمْتَنع إِلَى أَن قَالَه لَهُ: «يَا فتح الدّين إِن السُّلْطَان امْتنع أَن يعطيني، وَقد أَعْطَانِي الله»، وَرمى إِلَيْهِ التَّقْلِيد، فَمَا زَالَ عِنْد ابْن عبد الظَّاهِر. ثمَّ إِن الْأَشْرَف خلع على سَائِر أَرْبَاب الدولة، وَركب بشعار السلطنة فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشرَة بعد الصَّلَاة، وسير إِلَى الميدان الْأسود تَحت القلعة بِالْقربِ من سوق الْخَيل والأمراء والعساكر فِي خدمته. وَعَاد إِلَى القلعة قبل الْعَصْر مسرعا، فَإِنَّهُ بلغه أَن الْأَمِير حسام الدّين طرنطاي يُرِيد الفتك بِهِ إِذا قرب من بَاب الإصطبل. فَلَمَّا سير أَرْبَعَة ميادين، وَقد وقف طرنطاي وَمن وَافقه عِنْد بَاب سَارِيَة، وحاذى السُّلْطَان بَاب الإسطبل، وَفِي الظَّن أَنه يعْطف إِلَى نَحْو بَاب سَارِيَة ليكمل التَّيْسِير على الْعَادة، حرك فرسه يُرِيد القلعة وَعبر من بَاب الإسطبل، فساق طرنطاي بِمن مَعَه سوقا حثيثا ليدركه ففاته. وبادر الْأَشْرَف بِطَلَب طرناي، فَمَنعه الْأَمِير زين الدّين كتبغا أَن يدْخل إِلَيْهِ وحذره مِنْهُ، فَقَالَ: «وَالله لَو كنت نَائِما مَا جسر خَلِيل ينبهني»، وغره إعجابه بِنَفسِهِ وَكَثْرَة أَيَّام سَلَامَته، وَدخل وَمَعَهُ الْأَمِير زين الدّين كتبغا. فعندما وصل إِلَى حَضْرَة الْأَشْرَف قبض عَلَيْهِ وعَلى كتبغا وسجنا، وَقتل طرنطاى فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس عشرَة
[ ٢ / ٢١٨ ]
وَقيل يَوْم الْخَمِيس ثامن عشرَة بعد عُقُوبَة شَدِيدَة، وَترك بعد قَتله فِي قَتله فِي مَجْلِسه ثَمَانِيَة أَيَّام، ثمَّ أخرج لَيْلَة الْجُمُعَة سادس عشريه فِي حَصِير على جنوبة إِلَى الفراقة، فَغسل بزاوية أبي السُّعُود وكفنه شَيخنَا صَدَقَة عَنهُ، وَدَفنه بِظَاهِر الزاوية لَيْلًا. فَلَمَّا تسلطن كتبغا نَقله إِلَى مدرسته بِالْقَاهِرَةِ وَدَفنه بهَا، وَهُوَ إِلَى الْيَوْم هُنَاكَ. وَكَانَ سَبَب قَتله كَرَاهَة الْأَشْرَف لَهُ من أَيَّام أَبِيه، فَإِن طرنطاي كَانَ يطْرَح الشّرف، ويهين نوابه وَمن ينْسب غليه، ويرجح أَخَاهُ الْملك الصَّالح عَلَيْهِ. وَلم يتلاف ذَلِك بعد موت الصَّالح، بل جرى على عَادَته فِي إهانة من ينْسب غليه، وأغرى الْملك الْمَنْصُور بشمس الدّين السلعوس نَاظر ديوَان الْملك الْأَشْرَف حَتَّى ضربه وَصَرفه. ثمَّ وشى بِهِ إِلَى الْأَشْرَف أَنه يُرِيد الْقَبْض عَلَيْهِ عِنْد ركُوبه إِلَى الميدان، وَيُقَال إِنَّه لما دخل عَلَيْهِ وجد لابسًا عدَّة الْحَرْب، وعندما قبض على طرنطاي نزل الشجاعي - وَكَانَ عدوه - إِلَى دَاره، وأوقع الحوطة على مَوْجُودَة، فَوجدَ لَهُ من الذَّهَب الْعين ألف ألف وسِتمِائَة ألف دِينَار مصرية، وَمن الْفضة سَبْعَة عشر ألف رَطْل وَمِائَة رَطْل بالمصري، وَمن الْعدَد والقماش والخيول والمماليك وَالْبِغَال وَالْجمال والغلال، والآلات والأملاك والنحاس المكفت والمطعم والزردخاناه والسروج واللجم، وقماتش الطشتخاناه والركاب خاناه والفراش خاناه، والحوائص والبضائع والمقاوضات والودائع، والقنود والأعسال مَا لَا يحضر. وَلما حملت أَمْوَال طرنطاي إِلَى الْأَشْرَف قَالَ: «من عَاشَ بعد عدوه يَوْمًا فقد بلغ المنى»، وَبعد أَيَّام من مقتل طرنطاي سُئِلَ وَلَده الْحُضُور، فَلَمَّا وَقع بَين يَدي الْأَشْرَف إِذْ هُوَ أعمي، فَبكى وَمد يَده كَهَيئَةِ السُّؤَال وَقَالَ: «شَيْء» وَذكر أَن لأَهله أَيَّامًا مَا عِنْدهم مَا يَأْكُلُون، فرق لَهُ السُّلْطَان، وَأَفْرج عَن أَمْلَاك طرنطاي، وَقَالَ: «تبلغوا بريعها» . وَفِيه ولي وَشرف الدّين الْحُسَيْن بن قدامَة فِي قَضَاء الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق، بعد موت نجم الدّين أَحْمد بن قدامَة، وتحدث الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي فِي النِّيَابَة بعد طرنطاي، من غير أَن يخلع عَلَيْهِ، وَلَا كتب لَهُ تَقْلِيد النِّيَابَة، ثمَّ اسْتَقر فِي نِيَابَة السلطنة الْأَمِير بدر الدّين بيدرا، وخلع عَلَيْهِ. وَفِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة: طلب الْأَمِير سنقر الأعسر شاد الدواوينك بِالشَّام، فَحَضَرَ فِي ذِي الْحجَّة، فَأمر الْأَشْرَف بضربه فَعُوقِبَ مرَارًا. وَاسْتقر عوضه سيف الدّين طوغان المنصوري، وأعيد تَقِيّ الدّين تَوْبَة إِلَى وزارة الشَّام، فأوقع الحوطة على مَوْجُود سنقر الأعسر.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَفِيه أحضر الْأَمِير بدر الدّين بكتوت العلائي من حمص إِلَى الْقَاهِرَة، وَتوجه الْأَمِير حسام الدّين سنقر الحسامي بتقليد الْأَمِير حسام الدّين لاجين نَائِب الشَّام واستمراره على عَادَته، فوصل فِي ثامن عشرَة. وَفِي هَذِه السّنة: أَكثر السُّلْطَان من تَفْرِقَة الْأَمْوَال، وأبطل عدَّة حوادث، وَمِنْهَا مَا كَانَ قد تجدّد على الْغلَّة بِبِلَاد الشَّام، وسامح مَا تَأَخّر من الْبَوَاقِي بِأَرْض مصر وَالشَّام.