أحمد بن محمد أبو العبّاس الملثّم، يقال إنّه كان من المشرق، ثمّ صار مقيما بالصّعيد، ودفن بقوص، وله رباط (^٤) بها، وقبره (^٥) بها يزار ظاهر.
حكى عنه الشّيخ عبد الغفّار (^٦) أشياء كثيرة وقال: صحبته وانتفعت به، ويحكى عنه عجائب، ويذكر عنه غرائب، وكان يدّعى عنه أنّه عاش سنين كثيرة، وحكى لى الخطيب منتصر (^٧) الأدفوىّ قال: قال لى الشّيخ عبد الغفّار: وذكر حكاية، ثمّ رأيت (^٨) الحكاية فى كتاب الشّيخ عبد الغفّار، ذكرها فى كرامات الملثّم، فقال:
كنت إذا أردت أن أسأله شيئا أو اشتقت إليه وكان غائبا، يحضر … !
_________________
(١) فى ز: «سجرت» بالسين المهملة، وفيها أيضا: «حربا» وهو خطأ ظاهر.
(٢) فى جميع أصول الطالع: «ضيارم» بالياء المثناة خطأ، و«ضبارم» بالباء الموحدة وضم الضاد المعجمة: الجريء على الأعداء، والأصل فيه للشديد الخلق من الأسود وعن ابن السكيت يقال للأسد: ضبارم وضبارك- بضم الضاد فيهما- وهما من الرجال: الشجاع، انظر: اللسان ١٢/ ٣٥٢، والقاموس ٤/ ١٤١.
(٣) فى ز: «ويقضى» بالقاف، وفى ط خطأ: «ويعصى» بالصاد المهملة. (¬*) انظر أيضا: طبقات السبكى ٥/ ١٥، وابن الفرات ٧/ ١١، وحسن المحاضرة ١/ ٢٤٠، وطبقات الشعرانى ١/ ١٨٣، وطبقات المناوى مخطوط خاص الورقة/ ٢٢٣ ظ.
(٤) فيما يتعلق بالرباط والربط، انظر الحاشية رقم ٢ ص ٤٢.
(٥) سقطت من ز وط: «وقبره بها يزار».
(٦) هو عبد الغفار بن أحمد بن عبد المجيد بن نوح، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٧) هو منتصر بن الحسن بن منتصر، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٨) فى ز: «فرأيت».
[ ١٣١ ]
وكان النّاس مختلفين/ فيه: منهم من زعم (^١) أنّه من قوم يونس … ! ومنهم من يقول:
صلّى خلف الشافعىّ، وأنّه رأى القاهرة أخصاصا … !، قال: فسألنى (^٢) بعض الصالحين أن أسأله، فجاءنى غلام العمّ وقال: الشّيخ أبو العبّاس فى البيت يطلبك (^٣)، وكنت غسلت ثوبى، ولا ثوب لى سواه، فقمت واشتملت بشئ ورحت إليه، فوجدته متوجّها فسلّمت عليه وجلست، وسألته عما جرى بمكّة، وكنت أعتقد أنّه يحجّ كلّ سنة، فإنّه كان زمان الحجّ يغيب أياما يسيرة، ويأتى ويخبر بأخبارها، فلمّا سألته أخبرنى بما جرى بمكّة، ثمّ افتكرت ما سأله ذلك الرجل الصالح، فحين حضرنى، التفت إلىّ وقال: يا فتى ما أنا من قوم يونس، [إنّما] أنا شريف حسينىّ، وأمّا الشافعىّ فمتى مات …؟ صلّيت خلفه، وكان جامع مصر سوقا (^٤) للدّواب، وكانت القاهرة أخصاصا … !! فأردت أن أحقّق عليه، وقلت: صلّيت خلف الإمام الشافعىّ محمد بن إدريس؟! فتبسّم وقال: فى النّوم يا فتى، وهو يضحك …
وكان يوم الجمعة فاشتغلنا بالحديث، وكان حديثه يلذّ السّامع، فبينما نحن فى الحديث، والغلام توضّأ، فقال له الشّيخ: إلى أين يا مبارك؟ فقال: الجامع، فقال: وحياتى صلّيت، فخرج الغلام وجاء، فوجد النّاس [قد] خرجوا من الجامع، فقال الشّيخ منتصر: فقال لى الشّيخ عبد الغفّار: فخرجت فقالوا: كان الشّيخ أبو العبّاس فى الجامع والنّاس تسلّم عليه … ! فرجعت إليه فسألته، فقال: أنا أعطيت التّبدّل … !
وهذه الحكاية ذكرتها لغرابتها، وكيف يعقل أنّ الشخص الواحد، يكون فى الزّمان الواحد فى مكانين، يتكلم فى هذا ويصلّى فى ذاك …؟! وهذا مفرّع على أنّ النّفس تدبّر جسدين!!
_________________
(١) فى س: «من يزعم».
(٢) الضمير يعود إلى الشيخ عبد الغفار.
(٣) فى ز وس: «وطلبك».
(٤) فى ز وس: «أخصاصا».
[ ١٣٢ ]
ولقد أحسن شيخنا العلّامة أثير الدّين أبو حيّان (^١) حين يقول فى قصيدة (^٢) له:
إنّ عقلى لفى عقال إذا ما … أنا صدّقت بافتراء عظيم
وقولى أنا فى مقامتى «اللبانية» من سياقة (^٣) كلام ذكرته فيها، منه قولى:
فقل لمن قد هام فى حبّه … وكاد من قول له يصرع
دع عنك قولا قاله واتئد … فالتّيس من صدّق ما يسمع
وحكى لى الشّيخ الثّقة أثير الدّين المذكور قال:
كان الشّيخ كريم الدّين شيخ الخانقاه، عند قاضى القضاة الشّيخ تقىّ الدّين (^٤) ابن دقيق العيد، وخرج من عنده وقال: هذا الكريم مجنون، كان الساعة يبحث ويقرّر أنّه يكون الشّخص فى مكان وجسده فى مكان آخر … ! ذا مجنون …
وفى الطّائفة الصّوفية جماعة تثبت ما تنكره بداهة العقول، وتوجد ما تنفيه العادات التى (^٥) يقضى باعتبار حكمها فى شرع الرّسول، والإيمان بها (^٦) عندى بدعة وضلالة،/ أفضى إليها فرط الجهالة، نعم لا ارتياب فى حصول الكرامات لمن خصّه الله بعنايته، ووفّقه لطاعته، لكنّ الكرامة جنس تحته أنواع، منها ما نثبته إذا ثبت لنا بمشاهدة أو نقل من يعتمد عليه، كإجابة دعوة وظهور بركة ونحوها، ومنها ما ننفيه كرؤية البارى فى الدّنيا، وإن ثبت ذلك للنبىّ ﷺ، وقد صرّح بتعزير من يدّعى ذلك الإمامان أبو محمد بن عبد السلام وأبو عمرو بن الصلاح، وسبقهما الإمام أبو الحسن
_________________
(١) فى ز «أبو حيان أمين الدين» وهو تحريف.
(٢) سقطت «فى قصيدة له» من ز وط.
(٣) فى ز: «من ساقة كلام».
(٤) هو محمد بن على بن وهب، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٥) فى ز وط: «الذى» وهو تحريف، وورد فى ز أيضا: «يقتضى» وهو تحريف كذلك.
(٦) الضمير هنا لهذه الطائفة الصوفية وما تؤمن به من عقيدة.
[ ١٣٣ ]
الواحدىّ إلى إنكار ذلك، وإن كان الأستاذ القشيرىّ حكى عن إمكانه أنّ فيه خلافا عن الأشعرىّ.
ومنها ما نتوقف فى إثباته، وفيه خلاف بين الأئمة كإحياء الموتى، كما وقع للسيّد المسيح، وما أشبه ذلك مما وقع معجزة لنبىّ، وممّن منع من وقوع ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني، والله أعلم.
وقد حكى [لى] الشّيخ منتصر (^١) عن الشّيخ أبى العبّاس نوعا من المكاشفة، وحكى الشّيخ عبد الغفّار (^٢) فى كتابه قال:
كنت عزمت على الحجاز، وحصل عندى قلق عظيم، فبينما أمشى بالليل فى زقاق مظلم وإذا يد على صدرى، فزال ما كان عندى من القلق، فنظرت فوجدته الشّيخ أبا العبّاس فقال: يا مبارك القافلة التى (^٣) طلبت الرّواح فيها تؤخذ، والمركب (^٤) الذى تسافر فيها الحجاز تغرق (^٥)، فكان كذلك … !
قال (^٦): وكان متمسكا بالشّرع، ولا يكاد يخلو [وقتا] من عبادة، يمشى وهو يتلو القرآن بالنّهار، وبالليل يصلّى، وإذا مشى تسلّم عليه النّاس فيسلّم ويدعو لهم ولآبائهم، ويسمّى الشخص وأباه وجدّه، وإن كانوا من (^٧) بلاد بعيدة غير معروفين، ويقول:
رحم الله أباك فلانا وجدّك فلانا، ويتعجب النّاس من ذلك.
وحكى أيضا أنّ قاضى عيذاب شرف الدّين (^٨) محمد بن مسلم، كان هو وجماعة عند
_________________
(١) هو منتصر بن الحسن، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٢) هو عبد الغفار بن أحمد، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٣) فى ز وط: «القافلة الذى» وهو تحريف.
(٤) فى ز وط: «والمراكب الذى».
(٥) حق العبارة أن تكون: «والمركب الذى تسافر فيه الجماعة يغرق».
(٦) سقطت «قال» من ز وط.
(٧) فى ز: «وإن كان من بلاد».
(٨) ستأتى ترجمته فى الطالع.
[ ١٣٤ ]
الشّيخ بهاء الدّين (^١) القفطىّ بمنزله بقوص، قال الشّيخ عبد الغفّار:- وأنا متردّد هل كنت حاضرا أم لا؟ لعبد المدّة- فذكر قاضى عيذاب كرامات الشّيخ أبى العبّاس أحمد، فقال له الشّيخ بهاء الدّين: إن كان رجلا صالحا فيجئ السّاعة، فلم نشعر إلّا وقائلا يقول: نعم، فقالوا: نعم!! فدخل الشّيخ أبو العبّاس فقال:
سلام عليكم، فحصل للجماعة وجمة عن ردّ (^٢) السلام، فقال: بحياتى كنتم تشتمونى، جعلكم الله فى حلّ وخرج، فقال الشّيخ بهاء الدّين: هذه مصادفة.
وحكاياته كثيرة، والله متولّى السّريرة، وتوفّى يوم الثلاثاء رابع عشرين رجب سنة اثنين وسبعين وستّمائة، ودفن برباطه بقوص، بعد أن دفن بالأقصر أوّلا، ثمّ حمل إلى قوص، وكان ملثّما دائما.