بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسبحانَ الله وبحمده، وتقدَّس في علوِّه وجلالِه، وتعالى في صفاتِ كماله، وتعالى (^٣) في سُبُحات فَرْدانيته وجماله، وتكرَّم في إفضاله ونواله (^٤)، جلَّ أن يُمَثَّل بشيءٍ من مخلوقاته، أو يحاط (^٥) به، بل هو المحيط بمبتدعاته، لا تصوره الأوهام، ولا تُقِلُّه الأجرام، ولا تَعقل كُنْهَ ذاته
_________________
(١) (ف، ك): «طريقته».
(٢) هذه التسمية لمؤلف الرسالة كما نص عليه في آخرها. انظر (ص ٣٨٩). وقد طبعت مرارًا مفردة، وطبعت ضمن «الجامع لسيرة شيخ الإسلام»: (ص ١٠٩ - ١٣١).
(٣) كذا في الأصل، وبقية النسخ: «وتعاظم».
(٤) (ك): «وجماله ونواله».
(٥) الأصل: «يخاطب»، وكتب الناسخ في الهامش: «أظنه: يحاط» وهو الصواب.
[ ٣٥٦ ]
البصائر ولا الأفهام.
الحمد لله مؤيّد (^١) الحقِّ وناصره، ودافعِ (^٢) الباطل وكاسره، ومُعِزِّ الطائع [ق ١٠٤] وجابره، ومُذِلِّ الباغي وداثره، الذي سعد بحضرة (^٣) الاقتراب من قدسه من قام بأعباء الاتباع في بنائه وأُسِّه، وفاز بمحبوبيّته في ميادين أُنسه مَن بَذَلَ ما يهواه في طلبه من قلبه وحِسِّه، وتَثَبَّت في مَهامِهِ (^٤) الشكوك منتظرًا زوالَ لَبْسِه، سبحانه وبحمده، وله (^٥) المثل الأعلى، والنور الأتمّ الأجلى، والبرهان الظاهر في الشريعة المُثلى.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شَهِدَت بوحدانيته الفِطَر، وأَسْلم لربوبيّتهِ ذوو العقل والنظر، وظهرت أحكامُه في الآي والسُّوَر، وتمَّ اقتدارُه في تنزُّل القدر.
وأشهدُ أنَّ محمدًا - ﷺ - عبدُه ورسولُه، الذي شهدت بنبوَّته الهواتف والأحبار، فكان قبل ظهوره يُنْتَظر (^٦)، وتلاحقت عند مبعثه معجزاته من حَنِيْن الجِذْع وانقياد الشَّجَر، صلواتُ الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الخشية والحَذَر، والعلم المنوَّر، فهم قُدْوَة التابع للأثر.
_________________
(١) الأصل: «مريد» والمثبت من بقية النسخ.
(٢) (ف، ك): «ودامغ».
(٣) (ف): «بخطوة».وأصلحها في (ط): «بحظوة».
(٤) (ب): «ويثبت». (ف): «وثبتت في مهابة».
(٥) (ف، ك): «له».
(٦) (ب): «وكان تنتظر». و«ينتظر» سقط من (ف).
[ ٣٥٧ ]
وبعد؛ فهذه رسالةٌ سطرها العبدُ الضعيف الراجي رحمةَ ربِّه وغفرانه، وكرمه وامتنانه: أحمد بن إبراهيم الواسطي ــ عامله الله بما هو أهله، فإنه أهل التقوى والمغفرة (^١) ــ إلى إخوانه في الله، السادةِ العلماءِ، والأئمةِ الأتقياء، ذوي العلم النافع، والقلب الخاشع، والنور الساطع، الذين كساهم الله كسوة الاتّباع، وأرجو من كرمه أن يحقِّقهم بحقائق الانتفاع:
السيّد الأجلّ العالم الفاضل، فخر المحدِّثين ومصباح المتعبِّدين المتوجِّه إلى ربِّ العالمين؛ تقي الدين أبي حفص عُمر بن عبد الله (^٢) بن عبد الأحد بن شُقَيْر (^٣).
والشيخ الأجلّ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك ذي العلم والعمل، المكتسي من الصفات الحميدة أجملَ (^٤) الحُلل، الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الأحد الآمِدي (^٥).
والسيّد الأخ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك، التقيّ الصالح، الذي سيماء نور قلبه لائح على صفحات وجهه؛ شرف الدين محمد بن المنجَّى (^٦).
والسيّد الأخ، الفقيه العالم، النبيل الفاضل، فخر المحدِّثين (^٧)؛
_________________
(١) (ف، ك): «وأهل المغفرة».
(٢) «بن عبد الله» سقط من (ب).
(٣) ترجمته في «أعيان العصر»: (٣/ ٦٣٢)، و«المنهج الأحمد»: (٥/ ٨٠).
(٤) (ف): «الجميلة وأجمل».
(٥) ترجمته في «معجم الشيوخ»: (٢/ ١٩٠) للذهبي، و«الدرر الكامنة»: (٤/ ١٥٤).
(٦) ترجمته في «الذيل على طبقات الحنابلة»: (٤/ ٤٥٦).
(٧) (ف، ك): «المخلصين»، وأصلحها في (ط): «المحصلين».
[ ٣٥٨ ]
زين الدين عبد الرحمن (^١) بن محمود بن عُبيدان البعلبكّي (^٢).
والسيّد الأخ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك، ذي اللبِّ الراجح، والعمل الصالح، والسكينة الوافرة، والفضيلة الغامرة؛ نور الدين محمد بن محمد بن محمد بن الصَّائغ (^٣).
وأخيه السيد الأخ، العالم التقي الصالح، الخيِّر الدَّيِّن، العامل الثقة، الأمين الراجح، ذي السَّمْت الحسن، والدِّين المتين في الاتباع للسنن (^٤)؛ فخر الدين محمد (^٥).
والأخ العزيز الصالح، الطالب لطريق ربِّه، والراغب في مرضاته وحبِّه، العالم الفاضل، الولد شرف الدين محمد بن سعدِ الدين سعدِ الله ابن بُخَيْخٍ (^٦).
_________________
(١) (ب): «بن عبد الرحمن».
(٢) ترجمته في «الذيل على طبقات الحنابلة»: (٥/ ٥٠).
(٣) ترجمته في «أعيان العصر»: (٥/ ١٩٧ ــ ١٩٩)، و«الدرر الكامنة»: (٤/ ٢٢٦). و«البداية والنهاية»: (١٨/ ٥١١ - ٥١٢) ولقبه في المصادر: «بدر الدين»، وعند ابن كثير «ناصر الدين». توفي سنة (٧٣٩).
(٤) (ك): «اتباع السنن».
(٥) لم أجد ترجمته.
(٦) في الأصول: «نجيح» خطأ، وصوابه (بُخَيخ) بموحدة ثم خاء معجمة، ثم ياء مثناة من تحت، آخره خاء معجمة. انظر «توضيح المشتبه»: (١/ ٣٦٩) لابن ناصر الدين الدمشقي. و«سعدالله» سقطت من (ب). توفي سنة (٧٤٩). وترجمته في «ذيل طبقات الحنابلة»: (٥/ ١٤٢ - ١٤٤).
[ ٣٥٩ ]
وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم وشيخنا السيد الإمام، الأُمَّة (^١) الهمام، محيي السنة وقامع البدعة، ناصر الحديث ومفتي الفرق، الفاتق (^٢) عن الحقائق، ومُؤصِّلها بالأصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحقِّ ظاهرًا وقلبه في العُلى قاطن. أنموذج الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين غابت عن القلوب سِيَرهم [ق ١٠٥]، ونَسِيَت الأمَّة حَذْوَهم وسُبُلهم، فذكَّرَهم بها الشيخ، فكان في دارس نهجهم سالكًا، ولمَوات حَذْوِهم محييًا، ولأعِنَّة قواعدهم مالكًا: الشيخُ الإمام تقيُّ الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة، أعاد الله علينا (^٣) بركته، ورفعَ إلى مدارجِ العُلى درجتَه، وأدام توفيق السادة المبدوِّ بذكرهم وتسديدهم، وأجزل لهم حظَّهَم ومزيدَهم.
السلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته، جَعَلنا الله وإياكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأْشُه، واحتسبَ لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه، وما احتوشه من ذلك وحاشه (^٤)، واحتذى حَذْو السُّبَّق الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين لم تأخذهم في الله لومةُ لائم، فما ضَرَّهم مَنْ خذلَهم ولا من خالفهم، مع قِلَّة عددهم في أوَّل الأمر، فكانوا مع ذلك كلٌّ منهم مجاهدٌ بدين الله قائم. ونرجو من كرم الله أن يوفِّقنا لأعمالهم، ويرزقَ
_________________
(١) (ف): «إمام الأئمة».
(٢) (ف، ك): «مفتي ».و(ك): «الفايق».
(٣) «علينا» ليست في (ف، ك).
(٤) (ف، ك): «احتوشته». و(ف): «وجاشه».
[ ٣٦٠ ]
قلوبنا قِسْطًا من أحوالهم، ويَنْظِمنا في سِلْكهم، تحت سَنْجقهم (^١) ولوائهم، مع قائدهم وإمامهم سيِّد المرسلين، وإمام المتّقين، محمد صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أذكِّركم ــ رحمكم الله ــ ما (^٢) أنتم به عالمون، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].
وأبدأُ من ذلك بأنْ أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله، وهي وصية الله تعالى إلينا وإلى الأمم من قبلنا، كما بيَّن ﷾ قائلًا وموصِّيًا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وقد علمتم تفاصيلَ التقوى على الجوارح والقلوب، بحسب الأوقات والأحوال؛ من الأقوال والأعمال، والإرادات والنيات.
وينبغي لنا جميعًا أن لا نقنع من الأعمال بصُوَرِها، حتى نطالب قلوبنا بين يدي الله تعالى بحقائقها. ومع ذلك فلتكن لنا هِمَّةٌ عُلْوِيَّةٌ تترامى إلى أوطان القُرْب، [ونفحات] (^٣) المحبوْبِيَّة والحبّ. فالسعيدُ من حَظي من ذلك بنصيب، وكان مولاه (^٤) منه على سائر الأحوال قريبًا بخصوصِ التقريب، فيكتسي العبدُ من ذلك ثمرةَ الخشية والتعظيم للعزيز العظيم.
فالحبُّ والخشيةُ ثابتان في الكتاب العزيز والسنة المأثورة. قال تعالى:
_________________
(١) (ك): «سجعتهم».وغيرها في (ط): «سجفتهم». والسنجق هو اللواء.
(٢) (ف، ك): «بما».
(٣) زيادة من بقية النسخ.
(٤) (ب): «وكان منه مولى».
[ ٣٦١ ]
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وفي الحديث: «أسألك حُبَّكَ وحبَّ من أحَبَّك وحبَّ عملٍ يقرِّبني إلى حُبِّك» (^١). وفي الحديث: «لو تعلمون ما أعْلَم لضحِكْتُم قليلًا ولَبَكَيتُم كثيرًا، ولخرجتم إلى الصُّعُدَاتِ تجأرُوْنَ إلى الله» (^٢).
ومعلومٌ أنُّ الناسَ يتفاوتون في مقامات الحبِّ والخشية؛ في مقامٍ أعلى من مقام، ونصيبٍ أرفعَ من نصيب، فلتكن همةُ أحدِنا من مقامات الحبِّ والخشية أعلاه، ولا يقنع إلا بِذرْوَته (^٣) وذُرَاه. فالهممُ القصيرة تقنع بأيسر نصيب، والهمم العليَّة تعلو مع الأنفاس إلى قُرْب (^٤) الحبيب، لا يشغلها عن ذلك ما هو دونه من الفضائل، والعاقلُ لا يقنعُ بأمرٍ مفضول عن حالٍ فاضل.
[ق ١٠٦] ولتكن الهمَّة مقسمةً على نيل المراتب الظاهرة، وتحصيل المقامات الباطنة، فليس من الإنصاف الانصبابُ إلى الظواهر، والتشاغل عن المطالب العلويَّة ذوات الأنوار البواهر.
وليكن لنا جميعًا (^٥) من الليل والنهار ساعةٌ، نخلو فيها بربِّنا جلَّ اسمه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥)، والحاكم: (١/ ٥٢١)، من حديث معاذ. قال البخاري والترمذي: حسن صحيح.
(٢) بهذا اللفظ أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠)، وأحمد (٢١٥١٦) وغيرهم من حديث أبي ذر. قال الترمذي حسن غريب. وبدون قوله «لخرجتم » أخرجه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) (ب): «أعلاه ولا بذروته».
(٤) (ك): «قريب».
(٥) (ك): «جمعًا».
[ ٣٦٢ ]
وتعالى قدسُه، نجمعُ بين يديه في تلك الساعة همومَنا، ونطرحُ أشغال الدنيا عن (^١) قلوبنا، فنزهدُ فيما سوى الله ساعةً من نهار، فبذلك يعرفُ الإنسانُ حالَه مع ربِّه، فمن كان له مع ربِّه حالٌ، تحرَّكَت في تلك الساعة عزائمُه، وابتهجَتْ (^٢) بالمحبَّة والتعظيم سرائرُه، وطارت إلى العُلى زفراتُه وكوامِنُه. وتلك الساعة أنموذجٌ لحالة العبدِ في قبره، حين خُلُوِّه عن ماله وحِبِّه، فمن لم يُخْلِ قلبَه لله ساعةً من نهار، لِمَا احتوشَه من الهمومِ الدنيويّة وذوات الآصار. فلْيَعْلَم أنه ليس له ثَمَّ رابطة علويّة، ولا نصيبٌ من المحبة ولا المحبوبية، فلْيَبْكِ على نفسه، ولا يرضى منها إلا بنصيبٍ من قرب ربِّه وأُنْسِه (^٣).
فإذا خَلَصَت (^٤) لله تلك الساعةُ أمكنَ إيقاعُ الصلواتِ الخمس على نمطها من الحضور والخشوع، والهيبة للربِّ العظيم في السجود والركوع.
فلا ينبغي لنا أن نبخل على أنفسِنا في اليوم والليلة من أربعٍ وعشرين ساعة بساعةٍ واحدةٍ لله الواحد القهَّار، نعبُدُه فيها حقَّ عبادته، ثم نجتهدُ على إيقاع الفرائض والتهجّد (^٥) على ذلك النَّهْج في رعايته، وذلك طريقٌ لنا جميعًا ــ إن شاء الله تعالى ــ إلى النفوذ (^٦). فالفقيه إذا لم ينفُذْ في عِلْمه حصل
_________________
(١) (ف، ك): «من».
(٢) الأصل: «وانتهجت».
(٣) «وأنسه» ليست في (ف).
(٤) (ف، ك): «حصلت».
(٥) ليست في (ك، ط).
(٦) الأصل: «الفوز» وما أثبته من النسخ، ويؤيده قوله بعد ذلك: «إذا لم ينفذ فالنافذ من الفقهاء .. لم ينفذ ..».
[ ٣٦٣ ]
له الشطر الظاهر، وفاته الشطرُ الباطن؛ لاتصاف قلبه بالجمود، وبُعْدِه في العبادة والتلاوة عن لين القلوب والجلود، كما قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وبذلك يرتقي الفقيه عن فقهاء عصرنا (^١) ويتميَّزُ به عنهم، فالنافذ من الفقهاء له البصيرة المنوَّرَة، والذَّوق الصحيح، والفراسة الصادقة، والمعرفة التامّة، والشهادة على غيره بصحيح الأعمال وسقيمها. ومن لم ينفُذْ لم تكن له هذه الخصوصية، وأبصرَ بعضَ الأشياء وغاب عنه بعضُها.
فيتعيَّنُ علينا جميعًا طلبُ النفوذِ إلى حضرة قُرْب المعبودِ، ولقائه بذوق الإيقان، لنعبدَه كأنَّنا نراه، كما جاءَ في الحديث (^٢).
وذلك بعد الحظوة في هذه الدار بلقاء (^٣) الرسول - ﷺ - غيبًا في غيب، وسرًّا في سرٍّ، بالعكوفِ على معرفةِ أيامه وسننه واتباعها، فتبقى البصيرةُ شاخصةً إليه، تراه عيانًا في الغيب، كأنها معه - ﷺ - وفي أيامه. فيجاهد على دينه، ويبذل ما استطاع من نفسه في نُصْرته.
وكذلك من سلك في طريق النفوذ يُرجَى له أن يلقى ربَّه بقلبه غيبًا في غيب، وسرًّا في سرٍّ، فيُرْزَق القلبُ قسطًا من المحبَّة والخشية والتعظيم [اليقيني] (^٤)، فيرى الحقائقَ بقلبه من وراءِ سِتْر رقيق. وذلك هو المُعَبَّر عنه
_________________
(١) (ف): «عصر».
(٢) في حديث جبريل الطويل أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) (ف، ك): «وبعد ذلك الخطوة تلقاء».
(٤) «اليقيني» من بقية النسخ.
[ ٣٦٤ ]
بالنفوذ. ويصلُ إلى قلبه من وراء ذلك السِّتر ما يغمره من أنوار العظمة والجلال والبهاء والكمال، فيتنوَّر العلمُ الذي اكتَسَبَه العبد، ويبقى له كيفية أخرى زائدة على الكيفية المعهودة من [ق ١٠٧] البَهْجة (^١) والأنوار، والقوّة في الإعلان والإسرار.
فلا ينبغي لنا أن نتشاغل عن نَيْل هذه الموهبة السَّنِيَّة بشواغل الدنيا وهمومها، فننقطع (^٢) بذلك ــ كما تقدّم ــ بالشيءِ المفضول عن الأمر المهمِّ الفاضل. فإذا سلَكْنا في ذلك بُرْهةً من الزمان، ورَزَقَنا الله تعالى نفوذًا وتمكَّنا في ذلك النفوذ، فلا تعودُ هذه العوارض الجزئيات (^٣) الكونيات تُؤَثِّر فينا إن شاء الله تعالى.
وليكن شأنُ أحدنا اليوم: التعديل بين المصالح الدنيوية والفضائل العلمية، والتوجُّهات القلبية، ولا يقنع أحدُنا بأحدِ هذه الثلاثة عن الآخَرَين، فيفوته المطلوب. ومتى اجتهد في التعديل فإنه إن شاء الله تعالى بقَدْر ما يحصِّل العبدُ جزءًا (^٤) من أحدهم، حصَّل جزءًا من الآخر، ثم بالصبر على ذلك تجتمع الأجزاءُ المحصَّلة، فتصيرُ مرتبةً عاليةً عند النهاية إن شاء الله تعالى.
هذا وإن كنتم ــ أيّدكم الله تعالى ــ بذلك عالمين، لكنّ الذِّكْرى تنفعُ المؤمنين.
_________________
(١) الأصل: «المهجة». والمثبت من باقي النسخ.
(٢) (ف): «فنقطع». (ب): «فينقطع».
(٣) رسمها في الأصل: «الجُزوَّيات» بتسهيل الهمز، لكن الشدة على الواو خطأ من الناسخ.
(٤) (ك): «للعبد جزء».
[ ٣٦٥ ]