شاعر كان بالمعرَّة، يدل شعره على وفور أدبه، فمن شعره ما قاله يرثي القاضي أبا مسلم وادع بن عبد الله بن سليمان المعرّي: طويل
أَجدُّكَ ما يصحو لها غمرةٌ سُكْرُ تمادت فلا يخلو بها من جوىً صَدْرُ
ولا تسترقُّ القلبَ في الدهر سلوةٌ فإنْ طال فينا بعد معقوده الدهرُ
ولا يشتفي بالدمع باك ولو جرى إلى قلبه من فيض أجفانه نهرُ
ولا تخمد النارُ المثيرة في الحشاولو مطرت تحت الضلوع لها جمرُ وكيف وقد أصمى أبا مسلم الردىوجنَّبنا حُلوَ الحياة القضا المرُّ
وأغدر فينا بعد إشراق نورهزمان لحاه الله شيمته الغدرُ
فليت الليالي قاسمتنا صروفها وكان لها شطر، وكان لنا شطر
أَعاذلتي لو أنصف الموت لم يعشْ لموتِ ابن عبد الله عبدٌ ولا حرُّ
وما الشعرُ كفْءُ الرُّزءِ فينا ولو غدالهذا المصاب اليوم يستنفد الشعرُ ولكن جرى رسم بذلك أوَّلٌيعزَّى به مجدٌ ويبقى له ذكرُ
ولما قضى " مجدُ القضاة " تبينت جهالة غاوٍ أنَّ قد أزف الحشرُ
بنفسي كريم كان يلفى عُفاتَه إذا قابلوه منه قبل النَّدى البشرُ
بنفسي كريم كتبه بعد طيِّه يُبيّن علمَ المشكلات لما نشرُ
مضى عن حميد الفعل فينا جزاؤه من الله والناس المثوبة والشكرُ
[ ٨١ ]
يخفِّف عنه كل ثقل صنيعه ويثقل عطفيه المحامد والأجرُ
فتى كان يحذوه على حسن عفوه عن المجرم، الأصل الذي طاب والنجرُ
فتى مازجت في جسمه نفسه العلى كما امتزجت بالماء في كأسها الخمرُ
إذا ما خطا في المجدِ باعًا تقاصرت خُطى غيره أن يستقل بها فترُ
شهاب جلت أنواره كل بُهمة إمام هدى للمهتدين به، حَبْرُ
ليبكيه في العلياء رتبةُ مجدِهِ ويندبُه في الجود نائله الغِمْرُ
وما كان دحرى بالمعرة بلدة ولو فاخرتها فيه بغدادُ أو مصرُ
أمسجده كيف اسستطت تثبتا وقد غاض منه تحت تربتك البحرُ؟
يعزّ على أهل الشآم ومَن به أبا مسلم إن عزَّ عنهم بك الصبرُ
وإلا لَقوا ضربًا وطعنًا تقطعتْ به فيهم البيض القواطع السمرُ
وذاك كميٌّ قد دعا الموتَ باسمه وأنحنى إليه دون مصرعك النحرُ
إذا ما اقتضى في الحرب عضبًا أو اقتَنَىقناة فمن زيدُ القنا ثم أو عمرو؟ يمرِّر حلو العيش في فيه انهيرى الغبنَ ان يحويك من دونه قبرُ
ولكن إذا الخلاق أمضى قضاءه فما في يد المخلوق نفعٌ ولا ضرُّ
ودنياك لم يعصم من الحين والرَّدى بها بطلًا فتْك ولا أسدًا زأرُ
يعزّ علينا أن نزورك ثاويًا ودارك منك اليوم موحشة قفْرُ
هي الكعبة المفروض في الناس حَجُّهاومسجدك الأقصى، وتربتك الحِجْرُ وأركانُ هذا البيت كالركن حرمةيوفَّى بها دَين، ويقضي لها نذرُ
وفي أن يُراق الدمع حول ضريحه لأعظمُ أجرًا أن يريق الدمَ العترُ
[ ٨٢ ]
وما ظهرت للقطر بعدك بهجةٌ فتشكر إذ لم يكس زينتها النحر
هو الدهر لا ينفك بعدك معتمًا وإن طلعتْ شمسٌ أو اكتمل البدرُ
سقى جدثًا أُوْطِنته كلُّ عارضٍ يصوبُ بما تَهمي أناملك العشرُ
وإلا سقاه من يديك غمامةٌ قريبٌ بها عهدي إذا احتبس القطرُ
وفيك أبا المجد الذي فيه كلّه صفاتك عن أوصافه البيض تفترُّ
سليل أبيه والغذي لُبانه إليم انتهى من بعده النهي والأمرُ
تقوم بمسعاه الذي كان ساعيًا فما دون ما تبغي حِجاب ولا سَترُ
ولو لم يكن هارون أهل خلافةٍ على الأمر لم يشدَد لموسى به أَزرُ
يرجِّيك عصرٌ أنت فيه وأهله ويخشاك دهرٌ عنده لكم وترُ
وفي غيل ذاك البيت إذ غاله الرَّدى ثلاثة أشبال ضراغمةٌ عفرُ
كواكب أفق يُستضاء بنورهم فلا أفلت منه كواكبه الزُّهرُ
وحسبُكَ من أنجابك الغرُّ أنهم أبا المجد للمجد المنيف همُ الصدرُ
تعَبَّد " عبد الله " كلًا بفعله وأحرز كسب الشكر من قبله " شكرُ "
وحولك من أبناء عمِّك أنجُمٌ بهم في غياهيب الدجى يهتدي الشعرُ
شموسٌ وأقمار إذا ناب نائبٌ بدا منهم في كلِّ مظلمة فجرُ
أضاءتْ لهم أنسابهم كلَّ مُغْدر يُرَقِّي إلى العلياء مسلكه وعرُ
فنال بها " مَرضيّ " ما نيله الرضى وأدرك منها " مُدركًا " ما انتهى النسرُ
وخالت سليمانًا " سليمان " قد رقتْ إليها به ريحٌ مسافتها شهرُ
وألفت " أبا نصر بن زيد " و" أحمدا " أناف على من سنّها لهما قدرُ
أولائك قومٌ أقومُ الناس بالعلى على ذاك منّا أجمع البدو والحضرُ
هم الخلَف الباقي من السَّلَف الذي على من مضى أو من سيأتي له الفخرُ
أصولٌ زكت منها فروعُ غصونها لها الثمر المجنيُّ والورقُ النضرُ
أُولوا الحسب الباقي توخوا محلة من المجد أضحت فيه وهي لهم بكرُ
[ ٨٣ ]
أرى كل ذي قدر وإن جلَّ قدرُهُ به وإن استغنى إلى جاههم فقرُ
فمن لا يواليهم ويرضى رضاهم ويُسخِط من عادوا فإيمانه كفرُ
وقال يرثي الشيخ أبا اليُسْر شاكر بن زيد في محرَّم سنة تسع وثمانين وأربعمائة: وافر
نعمْ خطبٌ ألمَّ بنا جسيمُ ضئيلٌ عندَهُ الأمرُ العظيمُ
مصابٌ يا (ابن زيد) حلَّ فينا فهلْ صبرٌ لديك به يقوم؟
وكيف وفي الجوانح منه نارٌ غدتْ تصلى بزفرَتها الجحيم؟
إذا لفحتْ حشا المحزون ضلت تمزّقها كما يُفرى الأديم
أُواصلها بدمع مستهلٍّ لكي يخبو به ذاك السموم
فتبعثه دُرَاكًا كاللآلي جفون لا يَني منها السجوم
وتسكبه عقيقًا في أوانٍ تفيض به من الكبد الكلوم
نثيرًا ودَّت العذراءُ لما رأته لو أنه عقدٌ نظيم
وينظر شخص عينك شخص عيني غريقًا في مدامعها يعوم
وقد خطَّتْ على خدَّيَّ وَسمًا وصار بوَجْنَتيَّ لها رسومُ
نتوق إلى مصاحبة الليالي وأحداث الزمان لنا خصوم
ونطمع في البقاء وليسَ خَلقٌ على حالٍ تسالمهُ يدوم
هي الدُّنياعلى ذاك استمرَّتْ وأتقنها كما شاءَ العليم
فأجسام تواصلها نفوس وأنفاسٌ تفارقها جسوم
وليس يدافع الأحكامَ علْمٌ يُخَطُّ ولا نطاسيٌّ حكيم
فيا لهفي على ندبٍ تولَّى وفي الأجسام منه جوى مقيم
ويا حرقي على من لا يُرَجّى لغيبة شخصه عنّا قدوم
[ ٨٤ ]
ويا أسفي على بدْر حواه ضريحٌ قعرُهُ شعثٌ يَهيم
إذا هبّت به الأرواح أهدى نسيم المسك منه لنا النسيم
ويا عجبًا لإقدام المنايا عليه كيف جسَّرها الهجوم؟
أما استَحْيَتْه أو هابَتْه لمّا أتته تسوم منه ما تسوم؟
فتى ذهلتْ لمصرعه وطاشتْ لِدَكَّة ذلك الطودِ الحلوم
فتى ما انفكَّ يندى منه وجهٌ ويعرف فيه نظرته النعيم
فتى أدناه من (رضوان) فعل عليه شاهدٌ كرمٌ وخيم
فتى لاقته بالأكواب حورٌ تُفَضُّ بأمره عنها الختوم
لتبكيه المكارم والمعالي وتفديه المآثر والعلوم
أبا اليُسْر الذي ما كان إلا إلى أسداءِ عارفة يهيم
يخصّ الرزءُ قومًا دون قوم ورُزْؤكَ في الأنام لها عموم
ويملَلُ حزنُ كلّ رهين رَيْمٍ وحزنك لا يُملُّ ولا يَريم
ستُسقي تُرْبَكَ الأجفانُ رَيًّا إذا ضَنَّتْ بما فيها الغيوم
أَأُسْرَتُهُ الكرام الصبرُ أَولى على ما أحدثَ الزمنُ اللئيم
لأنَّ الحمدَ فيه بكم جدير على علاّته وهو الملوم
وفي النَّجل الكريم (أبي عليّ) سدَادُ الثَّلم إذ فُقِدَ الكريم
ونَيلُ (بني سليمان) المعالي على ما أدركوا منها قديم
هم الأعلام في الحَضَر الموفَّى فخارهُمُ، وفي العرْب الصميم
لهم نسبٌ يَبُزُّ الشمس نورًا وتحسده على الشرف النجوم
همُ رفعوا عماد المجد حتى أناف، وليس فيه لهم قسيم
فلا زالتْ جدودهمُ صعودًا على قُلل السعادة تستقيم
ولا انفكَّ البقاء لهم قرينًا يدوم مع الزمان كما يدوم
[ ٨٥ ]