وعن أبي عبد الرحمن المقرئ قال: كان إبراهيم بن أدهم على بعض جنان مكّة يحدّث بعض أصحابه، فقال: لو أنّ وليّا من أولياء الله ﷿ قال للجبل: زل، لزال.
فتحرّك [١٥ ب] الجبل من تحته، فضرب برجله وقال: اسكن! إنما ضربتك مثلا لأصحابي.
وقال موسى بن طريف: ركب إبراهيم بن أدهم البحر، فأخذتهم ريح عاصف، وأشرفوا على الهلكة. فلفّ إبراهيم رأسه في عباءة ونام، فقالوا له: أما ترى ما نحن فيه من الشدّة؟
فقال: ليس ذا شدّة.
قالوا: ما الشدّة؟
قال: الحاجة إلى الناس.
ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك!
فصار البحر كأنه قدح زيت.
وجاء إلى قوم قد ركبوا سفينة في البحر فقال له صاحب السفينة: هات دينارين!
فقال: ليس معي، ولكن أعطيك بين يدي (٤).
فعجب منه وقال: إنما نحن في بحر، فكيف تعطيني؟
_________________
(١) البعير- أو الفرس- الصؤول: الشديد العنيف.
(٢) الرماك مفردها الرمكة وهي من الخيل الأنثى التي تتّخذ للنسل.
(٣) الحجور مفردها الحجرة: وهي كذلك ما يتّخذ من الخيل للنسل. ويقال: أحجار الخيل بدون مفرد.
(٤) هكذا في المخطوط.
[ ١ / ٥١ ]
ثم أدخله فساروا حتى انتهوا إلى جزيرة في البحر. فقال صاحب السفينة: والله لأنظرنّ من أين يعطيني. هل خبّأ ههنا شيئا؟
فقال: يا صاحب الدينارين، أعطني حقّي!
قال: نعم.
فخرج، فمضى وتبعه الرجل وهو لا يدري، فانتهى إلى آخر الجزيرة فركع. فلما أراد أن ينصرف قال، وهو ساجد: يا ربّ، إن هذا قد طلب مني حقّه الذي عليّ فأعطه عنّي!
فرفع رأسه فإذا ما حوله دنانير، وإذا الرجل، فقال: جئت؟ خذ حقّك ولا تزد، ولا تذكرها!
ومضوا، فأصابتهم عجاجة وظلمة وأحسّوا بالموت. فقال الملّاح: أين صاحب الدينارين؟
أخرجوه!
فجاءوه فقالوا: ما ترى ما نحن فيه؟ ادع الله معنا! فرفع يديه، وأرخى عينيه وقال: يا ربّ قد أريتنا قدرتك، فأذقنا برد عفوك ورحمتك!
فسكنت العجاجة، وساروا.
وفي رواية أنه قال: يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ قبل كلّ حيّ، يا قيّوم، يا محسن، يا مجمل، قد رأيتنا قدرتك فأرنا عفوك!
فهدأت السفينة من ساعته.
وكان مرة في مركب في البحر فعرّج عليهم العدوّ، فرمى هو ورجل آخر أنفسهما إلى البحر نحو العدوّ فانهزم العدوّ.
وكان إذا غزا اشترط على رفقائه الخدمة والأذان. فأتاه رفقاؤه يوما وقالوا: يا أبا إسحاق إنّا عزمنا على الغزو. ولو علمنا أنك تأكل من متاعنا، لسررنا بذلك.
فقال: أرجو أن يصنع الله.
ثم قال: أستقرض من فلان؟ فلان، لا تخف عليه فلان مرابي! ثم خرّ ساجدا وصبّ دموعه على خديه ثم قال: وا سوأتاه! طلبت من العبيد وتركت مولاي (١)! فأحسن ما يقول العبد: إنما دفع إليّ مولاي مالا، فإن أمرني أن أعطيك فعلت. فأرجع إلى المولى بعد ما بذلت وجهي للعبيد. أليس يقول المولى لي: كان أحقّ أن تطلب مني، لا من غيري؟ وا سوأتاه!
ثم خرج إلى الساحل فتوضّأ وصلّى ركعتين، ثم نصب رجله اليمنى مستقبلا القبلة ثم قال:
اللهمّ قد علمت ما كان وقع في نفسي، وذلك بخطئي وجهلي، فإن عاقبتني عليه، فأنا أهل ذلك، وإن عفوت عني فأنت أهل ذلك وقد عرفت حاجتي.
فوقع في نفسه أن ينظر عن يمينه فإذا نحو من أربعمائة دينار، فتناول منها دينارا. ثم عاد إلى أصحابه فأنكروه وسألوه عن حاله فكتمهم زمانا.
ثم أخبرهم فقالوا: إن كنت تريد الغزو وقد خرج لك ما ذكرت، فهلّا أخذت منه ما تقوى به على الغزو؟
فقال: أتظنّون أن الله لو أراد أن لا يخرج إلا الذي اطّلع عليه من ضميري ل [ما] فعل؟ ولكن أخرج إليّ أكثر مما اطّلع عليه من ضميري ليختبرني. والله لو أنها عشرة آلاف ما أخذت منها إلا الذي اطّلع عليه من ضميري.
وقال عبد الله بن الفرح: كان إبراهيم بن أدهم بالشام يأكل الزيتون ويطرح نوى التمر. وكان بمكة فجاع فاستفّ الرمل فصار في فيه دقيقا.
وكان ذات (٢) يوم على شاطئ البحر فجعل
_________________
(١) في المخطوط: مولاهم، والإصلاح من الحلية ٨/ ٦.
(٢) في المخطوط: ذلك.
[ ١ / ٥٢ ]
يقلب الحصى فإذا هو جوهر. فأقبل بعض أصحابه. فلما رآه ألقاه إلى البحر فقال: يا أبا إسحاق تطرح مثل هذا، وعليّ دين؟
فقال له: عليك بالصدق.
وقال أبو النضر الحارث بن النعمان: كان إبراهيم بن أدهم يجتني الرطب من الشجر البلّوط.
وقال [١٦ أ] شقيق بن إبراهيم: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكّة في سوق الليل عند مولد النبي ﷺ وهو جالس ناحية من الطريق يبكي. فعدلت إليه وجلست عنده وقلت له: إيش هذا البكاء يا أبا إسحاق؟
فقال: خير.
فعاودته، فلما أكثرت عليه قال لي: يا شقيق، إن أنا أخبرتك تحدّث به ولا تستر عليّ.
فقلت: يا أخي، قل ما شئت.
قال: اشتهت نفسي مذ ثلاثين سنة سكباجا، وأنا أمنعها جهدي. فلما كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس، إذا أنا بفتى شابّ بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج. فاجتمعت بهمّتي عنه فقرب مني ووضع القدح بين يديّ وقال: يا إبراهيم كل!
فقلت: لا آكل شيئا قد تركته لله ﷿.
فقال: ولئن أطعمك الله تأكل!
فما كان لي جواب إلّا [أن] بكيت. فقال لي:
كل يرحمك الله!
فقلت له: فقد أمرنا أن لا نطرح في دعائنا إلّا من حيث نعلم.
فقال: كل عافاك الله، فإنما أعطيت وقيل لي:
«يا خضر، اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها». اعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون: من أعطي ولم يأخذ طلب ولم يعط.
فقلت: إن كان كذلك، فههنا بين يديك لأجل العقد مع الله ﷿.
ثم التفتّ فإذا بفتى آخر ناوله شيئا وقال: يا خضر، لقّمه أنت!
فلم يزل يلقّمني حتى شبعت، فانتبهت وحلاوته في فمي.
قال شقيق: أرني كفّك. فأخذت كفّه وقبّلتها وقلت: يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع، يا من يقدح في الضمير اليقين، يا من يسقي قلوبهم من محبّته، أترى الشقيق عندك ذاك؟
ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت: بقدر هذا الكفّ وبقدر صاحبه، وبالجود الذي وجده منك، جد على العبد الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك، وإن لم يستحقّ ذاك!
فقام إبراهيم ومشى حتّى دخلنا المسجد الحرام.
وقال عديّ الصيّاد من أهل جبلة: سمعت يزيد بن قيس يحلف بالله أنّه كان ينظر إلى إبراهيم بن أدهم وهو على شطّ البحر في وقت؛ فيرى مائدة توضع بين يديه لا يدري من وضعها، ثم يراه يقوم فيتصرّف حتى يدخل جبلة وما معه شيء.
وقال أبو إبراهيم اليماني: خرجنا نسير على ساحل البحر مع إبراهيم بن أدهم فانتهينا إلى غيضة فيها حطب كثير وبالقرب منه حصن. فقلنا لإبراهيم بن أدهم: لو أقمنا هذه الليلة ههنا، وأوقدنا من هذا الحطب؟
فقال: افعلوا.
فطلبنا النار من الحصن، وأوقدنا. وكان معنا
[ ١ / ٥٣ ]
الخبز، فأخرجنا [هـ] نأكل، فقال واحد منّا: ما أحسن هذا الجمر لو كان لنا لحم نشويه عليه!
فقال إبراهيم بن أدهم: إنّ الله لقادر أن يطعمكموه.
فبينا نحن كذلك إذا بأسد يطرد أيلا فلمّا قرب منّا وقع واندقّ عنقه. فقام إبراهيم بن أدهم وقال:
اذبحوه، فقد أطعمكم الله!
فذبحنا وشوينا من لحمه والأسد واقف ينظر إلينا.
وفي رواية: قال: خرجت مع إبراهيم بن أدهم من صور نريد قيساريّة. فلما كنا ببعض الطريق مررنا بمواضع كثيرة الحطب. فقال: إن شئتم بتنا في هذا الموضع فأوقدنا من هذا الحطب.
فقلنا: ذاك إليك يا أبا إسحاق.
فأخرجنا زندا كان معنا فقدحنا ووقدنا تلك الليلة النار فوقع منها جمر كبار فقلنا: لو كان لحم نشويه على هذه النار!
فقال إبراهيم: ما أقدر الله أن يرزقكم!
ثم قام فتمسّح للصلاة واستقبل القبلة. فبينا نحن كذلك إذ سمعنا جلبة شديدة مقبلة، فابتدرنا إلى البحر فدخل كل إنسان منّا في الماء إلى حيث أمكنه حتى خرج ثور ومشى يكدّه (١) أسد. فلما صار عند النار طرحه. فانصرف إبراهيم بن أدهم من صلاته نحو الأسد فقال له: يا أبا الحارث تنحّ عنه فلن يقدّر لك فيه رزق!
فتنحّى. ودعانا، فأخرجنا سكّينا كانت معنا [١٦ ب] فذبحناه، واشتوينا منه بقيّة ليلتنا.
وقال أبو سعدان التاهرتي: سمعت حذيفة المرعشيّ، وقد خدم إبراهيم بن أدهم وصاحبه،
فقيل له: ما أعجب ما رأيت منه؟
فقال: بقينا في طريق مكّة أياما لم نجد طعاما، ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إليّ إبراهيم وقال: يا حذيفة، أرى بك الجوع.
فقلت: هو ما رأى الشيخ.
فقال: عليّ بداوة وقرطاس.
فجئت به، فكتب: باسم الله الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال، والمشار إليه بكل معنى