بسم الله الرحمن الرحيم
يا رافع السبع الطباق، ومنشئ الكائنات على أحسن نظام واتساق، أحصيت الخلائق وأبدعت المذاهب والطرائق، أحمدك أن أنرْت منار العلما، ونشرت لهم على صفحات الكائنات من الفضل عَلَما، حمدَ معترفٍ بنعمائك، مغترف من حياض آلائك، وأشكرك على ما أجزلت من العطا، وكشفت من الغطا، بحمدك وشكرك اللذين يليقان بجنابك الأعلى، وجانبك الأعز الأرفع الأغلى، وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك في ذاتك ولا في أسمائك ولا في سِمَاتك، وأشهد أن سيدنا وسندنا محمدًا عبدك المصطفى، ورسولك المرتضى، الشارع للأحكام السارع لبيان الحلال من الحرام، المُخبِّر بما سلف للأمم، المُحبِّر بُردَ الكمال بطراز كماله المُعْلم، الحائر في بديع قُدسك، الحائز لتجليات أُنسك، أتحفه اللهم من فيض إنعامك السامي، وإفضالك الذي ليس له مسامت ولا مسامي، بأفضل الصلاة والتسليم وأجل الإجلال والإعظام والتكريم، وألحق بذلك من آل إليه من آله أو صحبه وتبعه في أفعاله وأقواله.
أما بعد: فيقول العبد كمال الدين محمد بن محمد بن محمد العامري الحسيني سبطُ بني الصديق وأبي أيوب الدمشقي الشهير كأسلافه بابن الغَزّي، أسعده الله تعالى بالعلم والعمل، وغفر له الخطأ والخَطل: إن الإمامَ ركن الملة والإسلام، عمدة الأمة وعماد الأئمة، جامع أشتات الكمال بلا ارتياب، صدر المجتهدين بدون إطراء وإطناب، قامع المبتدعين، دافع شبه الملحدين، أوحد
[ ٢١ ]
الموحدين، وأحد العماء الراسخين، الفائق زهدًا وورعًا ودينًا، والسابق حالًا رصيفًا وقالًا رصينًا، شمس سمائه السيادة، سعد إفلال السعادة، جامع مجامع العلوم، الآخذ بحُجَزِ المنطوق والمفهوم، مالك أزمة العِرفان، قائد أعنة الإتقان والإيقان، الناصر للسنة، والصابر في المحنة، الإمام الأعظم والهمام المقدَّم، السّيدُ المبجّل، والسند المفضّل، صاحب الفيض الرباني، والعطاء الرحماني، والإمداد الصمداني، والمقام الإحساني [٢ - آ]، الإمام أحمد بن حنبل الشيبانيّ، إمام علت مناقبه وراقت مشاربه وعمّت مواهبه، وأنارت مذاهبه، وطابت أرومته، وشرفت جرثومته، وعظمت أوقاته، وكملت حالاته، وصفت صفاته، وسمت سِماته، وبزغ بدره، وكرم قدره، وصفا من شراب المحبة كاسه، وضفا مورده وضا نبراسه، فهو كما قال القائل:
لا يُدرِكُ الواصفُ المُطري خَصَائِصَهُ … وإنْ غَدا سابقًا في كلِّ ما وَصَفَا
كيف لا وهو المحيي معالم السنة النبوية، والحافظُ المحافظ على الآثار المحمدية، والذّابُّ عن مشارع الشرع المطهر، بمعرفة المعروفِ المعروفَ، وإنكار المُنكِرِ المنكَرَ، قد فاق علومًا ومعلومًا، وحاكى في الاقتداء والاهتداء نجومًا، لأهل الضلال رُجومًا، لا زال يمين الرضوان تشكل ضريحه وتصافحه، ويمن الرحمات تغادي جدثه وتصابحه، ولا برحت علاليه في الفراديس مرفوعة، وأنواء أنوار معاليه لا مقطوعة ولا ممنوعة:
سقى الله قبرًا ضمَّه وابل الحيا … وحيّاهُ بالرضوان رضوانُ والحسنى
وألبسَهُ من كاملِ العفوِ حُلّةً … تفوقُ به ظُرْفًا وتزهو بهِ حُسنًا
وأتحفَه في قربهِ ورضائِهِ … بدائعَ نعماءٍ لهُ قد غَدَتْ حُسْنى
مدى الدهرِ ما طيرٌ تغنّى بروضةٍ … وما أسعدت سُعْدى وما أحسنَتْ حُسْنى
[ ٢٢ ]
وأتباعه قوم سعدوا برواته، وفازوا باتباع آرائه، وقد جعل الله تعالى، سما الصلاح عليهم ظاهرة، ببركة أنفاسه الطاهرة، وأجزل لهم الإسعاد والتوفيق، وأقام لهم التقوى رفيقًا رفيق، كيف وإمامم إمام السُّنّة، والمُذهِبُ من البِدَع كل غيهبٍ ودُجُنّة، وحامي حمى الدين، ودافع الشُبَه عن ملّةِ سيد الرسلين، بقمع المبتدعين، وإدحاضِ أدلةِ الزائغين والمفترين كما قلت:
همامٌ لأهلِ الزَّيغِ والميْنِ قد غدا … بإبطال ما قالوا هُوَ الفارسُ البطلْ
إمامُ جميعَ الزَّاهدين بأسرِهِمْ … ووارثُ خيرِ الخلْقِ في العِلْمِ والعملْ
وأنصُرهُمْ للحقِّ بالحقِ جهْرةً … وأبصُرُهُمْ عند ارتباكِ ذوي النِحَلْ
رقى في العلا لمَّا ترقّى لِهامِها … وسامى سماءَ العِزِّ سَمْتٌ بِه اتَّصَلْ
هو الحَبْرُ في العِرفانِ طالتْ يمينُهُ … هو البَحْرُ حقًا والبرايا هُمُ الوَشَلْ (^١)
فقلدْ إمامًا في الهُدى نجلَ حنبلٍ … تنل لأَجَلّ القدر في منتهى الأجلْ
جزاه إلهُ العرش خيرَ جزائِه … وأتحفَهُ فضلًا بجَنّاتِه اكتمَلْ
وقلت أيضًا:
إنْ رُمتَ أعلى وأولى … سديدَ رأيٍ وأحمدْ
فاملى لملة أحمدْ … واذهبْ لمذهبِ أحمدْ
وقد أفرده بالترجمة جماعة من الأئمة، ونشروا من أحاسن محاسن مناقبه ما هو غرة لوجوه الأمة [٢ - ب].
_________________
(١) الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلًا قليلًا لا يتصل قطره والجمع أوشال [لسان العرب].
[ ٢٣ ]