بها رِجَالٌ بَعْضُهم من بَعْضِ … في اللهِ قَاموا بِحُقُوق الفَرْض
فيها يَعِيْشُونَ بكُلّ خَفْضِ … يَحْبُوهُم ببركاتِ الأرْض
يَبْدَون مَنْ يَلْقَون بالتَّسْليم … يَعْفُون عن ذي القُدْرة الظَّلُوْم
نَهارُهُم صَوْمٌ بلا تَعْتِيْم … وَلَيْلُهُم عِبَادَةُ القَيُّوْمِ
فتارةً يَبْكُونَ شجوًا دِررا … خَوْف الحِسَابِ والخَطايا حَذَرا
وتارةً يَعْتَبرُونَ السُّوَرَا … مُسْتَغْفرينَ عَلَّهُ قَد غَفَرَا
وتارةً يَغْزُون أرْضَ الرُّوم … يَرْجُونَ قتلًا في هَوى الكَرِيم
يا لَيْتَني في الأرض كالرَّمِيم … عِنْدَهُمُ فقَصِّري أو لُومي
هذا كان حال مَدِينَة طَرَسُوس والشَّرائع مَحْفُوظة، وأُمُور الجِهادِ مَلْحُوظَة، وأحْوَال البِدَع مَرْفُوْضَة، والجُفُون عن الحُرماتِ مَغْضوضَة، فحين فَسَدَت الأُمُور، وارْتُكِبَ الفُجُور، وقَلَّتِ الخَيْرات، واشْتَغل أهل الجِهادِ باللَّذَّات، طَمعَ العَدُوّ، ومنَعَهُ طلَبُ الثَّأر الهُدُوّ (^١)، فقَصَدَ البِلاد، وأكْثرَ الأمْداد، وهَجَمَ حَلَب، وفَتَحَ أَنْطاكِيَّة، وقَتَلَ الأبْطال، وسَبَى الذُّرِّيَّة، ثمّ اسْتَولَى على الدِّيَار، وقَصَدَ طَرَسُوس، وألَحَّ عليها بالحصَار، فجَرى في أمْرهَا العَظِيْم ما ذَكَرَهُ عُثْمان بن عَبْد الله بن إبْرَاهِيْم في مُقدِّمةِ كتابهِ المَوْسُوم بِسِيَرِ الثُّغُور، ونَقَلْتُهُ من خَطِّه مع ما نقلتُهُ من حَوادِث الأُمُور.
قال بعد أنْ حَمَدَ الله على نعَمِهِ الّتي تظاهَرَت فما تُحْصَى، وأيادِيه الَّتي ترادفَتْ فما تُسْتَقْصَى: نَفَذَت سَوَابقُ أقضيَته، في عالِمٍ من بَريَّته، أسْكنَهُم حينًا من الدَّهْر ثَغْرًا بأطْراف الشَّام، نوَّه بهِ وبهم في مَعالِم الإسْلام، متَّعَهم فيه مُدَّةً من المُدَد،
_________________
(١) الهُدُوُّ: السكون والطمأنينة والقرار.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وأعزَّهُ وأعزَّهُم إلى غَايةٍ من الأمَد، ظَاهِرينَ على أعدَائِهم، مُظَفَّرين في قُلُوب إخوانهِم المُسْلِمِيْن، مُعَظَّمين مُبَجَّلين، ضَاقَتْ بهِم أرْض الرُّوم، [وكَثُرَت فيهم منهم الكُلُوم] (a)، تُرَاءَى (^١) نِيْرانُهُم، وتُكافَحُ فُرْسَانهُم، إنْ دَنَوا منهُم هلَكُوا، وإنْ أمعنُوا الهَرَب عنهُم أُدْرِكُوا، لا تُحْرزهُم أرْضُهم وإنْ اتَّسَعت، ولا تَحْمِيْهم مَعاقلُهم وإنْ امتَنَعَت، تُعَرَّى بُنُودُهم، وتُهْزمُ حُشُودُهُم، وتُفَلُّ جُنُودُهُم، وتُسْتبَاح حَريمهُم، ويُسْتَأصَل كَرِيمُهم، وتُرَوَّح أفْنِيتُهم، وتُهْدَم أبْنِيَتُهم، وتُشَنُّ الغَارَاتُ فيهم، زِيَادة على مائتي سَنة، حتَّى نَبَغَ من نَقَفُور بن فاردس الفُقَّاس (b) مَنْ صَمَد نَحْوَهم وعندَهم، وأناخ بهِم وقصَدَهم، وأجمَعَ على استئصَالهم، واجْتِياحهِم وبَوارِهم، فغَزَاهُم عامًا بعد عام، ونَازلهُم في عُقْرِ ديارهم؛ يُدَوِّخ أطْرافَهُم، ويَسُوق عَوَامِلَهُم، ويتردَّدُ إلى زُرُوعهم أوانَ اسْتحصَادِهم، فَيَجْتَثُّها ويأتي عليها، وتتَوالى - لأجل ذلك - سَنَواتُ الخَوْفِ والجُوْع ونَقْص الأمْوَال والأنفُس والثَّمَرات (^٢)، وضيْق الأسْعَارِ، وتأخُّر المِيَر والأمْدَاد، وفَنَاءِ الحُمَاة مِنَ الرِّجالِ الكُمَاة، وتَلَاشي الشُّجْعَانِ والفُرْسَان، وانْحِلال الأحْوال، واخْتِلال الأبْطالِ، وحُلُول الدَّاءِ الّذي لا دَوَاءَ لَهُ، والعِلَّة الّتي لا يُرْجَى بُرْؤُهَا، وهو نُبُوّ السَّلاطين حينئذٍ عن نُصْرتهم، وتَثَاقلهُم عن إجابةِ مُسْتَصْرخهم، وتَخلُّفهُمْ حين دَهَمَهُم ما دهمَهُم عن مَعُونتهِم.
_________________
(١) (a) كتبها في الهامش، ويبدو أن قراءتها تعسَّرت عليه، فكتب قبلها: أظنُّه. (b) ضبطه من بيت شعر للمتنبي يذكره، انظر ديوانه بشرح العكبري ٢: ٢٢٨، وفي الأعلاق الخطيرة لابن شداد ١/ ٢: ٩٦: بردس الفقاس.
(٢) التَّرائي: تفاعلٌ من الرؤية، وإسناد الترائي إلى النيران مجاز من قولهم داري تنظر إلى دار فلان، أي تقابلها. (لسان العرب، مادة: رأى)، والمراد: ما كان عليه المسلمين من القوة بحيث قربت منازلهم من منازل الروم بقدر ما يرى كل واحد منهم نار الآخر.
(٣) اقتباسٌ من الآية الكريمة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية ١٥٥).
[ ١ / ٣٢٩ ]
فالنَّائبُ بمِصْر (^١)، وما يُنْسَبُ إليها بَرًّا وبَحْرًا من أقاصي الصَّعِيْدِ إلِى حُدُودِ جُوْسِيَة (^٢)، رَاضٍ بمُدَافعة الأيَّام، وسَلَامة الشُّهُور والأعْوَام، من صَوْلةِ مَلِك الغَرْبِ (^٣) ومُدَبِّره.
والرَّاتِبُ (^٤) المُشَارِ إليه بأرْض العِرَاق، وما يَجْري مَجْرَاها إلى حُدُودِ بَحْر الصِّيْن وبَاب الأبْوابِ، يَتَشَاغَل بأسَاورة دَيْلَمَان وجِيْلَان ومَلك خُرَاسَان في كَفِّ غَرْبِهِ كما قال المُسَاوِر بن هِنْد العَبْسِيّ (^٥): [من الكامل]
وَتَشَعَّبُوا شُعَبًا فكُلُّ جَزِيرَةٍ … فيها أَمِيرُ المُؤمِنِين ومِنْبَرُ
فحاق لذلكَ بأهْل الثَّغْر - جَدَّدَهُ اللهُ - من قِرَاع الرُّوم - وَقَمَهُم اللهُ - على وُفُور عَدَدهم، وقُوَّة عُدَدِهم، ووفَاق أجْنَاسِ الكَفَرة إيَّاهُم، ما ثَقُل حَدُّهُ، وعَظُمَ مَرَدُّه، وامْتَنعَ مسَدُّه، بما وصَفْنَا من خُلْفِ سَلاطين الإسْلام وأُمَرائهِ، وتَفَاوت كُلّ منهم في شَتَاتِ آرائهِ، وما خَامر أفئدتَهم من الوَهَل (^٦)، ورَانَ على قُلُوبهِم من الرُّعْب والوَجَل، كما سَبَق لهم في عِلْم الله العَزيز ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٧).
_________________
(١) هو علي بن الإخشيد (ت ٣٥٥ هـ)، أقره المطيع على حكم مصر، غير أن تقاليد الحكم كانت بيد متولي الوصاية عليه: كافور الإخشيدي.
(٢) جوسية: كورة من كور حمص مسماة باسم قرية من قراها، والقرية تقع في هضبة حمص الجنوبية، بين جبل لبنان وجبل سنير، قرب الحدود اللبنانية الحالية وتسمى اليوم: جوسية الخراب تمييزًا لها عن القرية المعمورة، وتتبع منطقة القصير بمحافظة حمص، وتبعد عن مدينة القصير نحو ١١ كم ناحية الجنوب. ابن خرداذية: المسالك ٧٥، اليعقوبي: البلدان ٣٢٥، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤ طلاس: المعجم الجغرافي ٢: ٧٢٣، ورود ذِكْرها في هذا الموضع لأنها كانت تمثل الحد الفاصل بين ملك بني حمدان في الشمال (حلب) وملك الإخشيديين في الجنوب (دمشق)، انظر: الحياري: نهاية الثغور الشامية ٤١ (هامش رقم ٤٣).
(٣) الإشارة إلى المعز لدين الله أبو تميم معد بن منصور (ت ٣٦٥ هـ) أول الخلفاء الفاطميين بمصر، والذي تمكن من إنهاء حكم الإخشيدية بمصر.
(٤) الرَّاتِبُ: الثابت الساكن لا يتحرَّك. والإشارة إلى الخليفة العباسي المطيع لله (ت ٣٦٤ هـ).
(٥) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١: ٤٦١.
(٦) الوَهَلُ: الفزع. لسان العرب، مادة: وهل.
(٧) من الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة آل عمران، الآية ١٧٦).
[ ١ / ٣٣٠ ]
فقَد حَدَّثَني أبو العبَّاس مُحمَّد بنُ نَصْر بن مُكْرَم، أحَدُ عُدُول بَغْدَاد، في دَرْب الرَّيْحان، أنَّ أحْمد بن بُوَيْه، ﵀، جلَس بمكانٍ أرَانِيْهِ بباب دَاره المُعِزِّيَّة، يعرضُ خَيْلَهُ مُتَنَزِّهًا بالنَّظر إليها، فَقِيْدَ بين يدَيْهِ من دَار الدَّوَابّ إلى ذلك المكان، في مُدَّة أرْبعَة عَشر يومًا مُتَّصلةً، اثنا عَشر ألف فَرَس، أغلاهَا ثَمَنًا بمائة ألف دِرْهَم، وأدْناهَا ثمنًا بعَشرهَ آلاف دِرْهَم، لم يطرَح قَطّ على فَرَسٍ منها سَرْج في سَبيل اللهِ ولا في غير سَبِيْل اللهِ.
وحَدَّثَني أيضًا كَهْلٌ من أهْلٍ أربه (^١) يُعْرف بابن الشَّعْرَانيّ، وقد سَألتُه ببَغْدَاد عن مُنْصَرفه، فوَصَف إشْرافًا على قَضِيْم حَمِيْر برَسْم فَنَّاخُسْرُو (a) بن الحَسَن بن بُوَيْه، ﵀، عَدَدُهَا ستّة آلاف حِمَار، قد رتَّبها لخِدْمة الكُرَاع، ينْقل لها القَصِيْل في حينه، والقَضِيْم والعُلُوْفَات في سائر الأوْقاتِ، وسَألتُهُ عن عَدَدِ هذا الكُرَاع الّذي قد رُتِّبَت هذه الحَمِيْر لخدمَتِهِ، فذَكَر أنَّ المُشْرفَ على قَضِيْم جَميع الكُرَاع يَسْتَوفي كُل ليلةٍ قَضِيْمًا لثمانين ألف رأسٍ، من ذلكَ ثَلَاثُونَ ألْف جَمَل، وأربعةٌ وعشرون ألْف بَغْلٍ، وعشرون ألف فَرَس، وستّة آلاف حِمَار.
فهذان رَجْلَان من أمراء الإسْلام، وَصَفْنَا ظَاهِرَ نِعَم الله عليهما، والجِهَادُ مُعَطَّل، والثَّغْرُيَبَاب لا أنيس به، خاوٍ من القُرْآن، خَالٍ من الأذَان (^٢): [من الطول]
مَدارس آياتٍ خَلَتْ مِن تلَاوَة … ومَنْزل وَحْيٍ مُقْفِر العَرَصاتِ
فمن قَتِيْل أو جَريح، وعَفير (^٣) من أهلهَا طَرِيْح، وهَارب طامِحِ، ومُتَحيِّز إلى وَطَن نازح، ومَفْتُون في دِيْنه، ومَغْلوب على ملْك يمينه، قد اسْتُبِيْحَت مَنَازلهم بجَميْع ما
_________________
(١) (a) ضبطها ابن العديم بفتح النون المخففة، والتشديد من ضبط ابن خلكان له، انظر: وفيات الأعيان ٤: ٥٥.
(٢) مهملة في الأصل بهذا الرسم، وتحتمل وجوهًا أخرى بإعجام حرفيها الثاني والثالث، ولم أهتد لمعرفتها.
(٣) بيت الشعر لدعبل الخزاعي، ديوانه ١٣١.
(٤) العَفْر والعَفَر: ظاهر التراب، والعَفير: الممرغ فيه، لسان العرب، مادة: عفر.
[ ١ / ٣٣١ ]
كانت تَحْوِيْهِ، إلَّا ما نقَلَهُ السَّائر عنها على ظَهْره، بحَسَب قُوَّته إنْ كان ذا طَاقةٍ لشيء من حَمْلهِ، أو على ذي أرْبَعة إنْ كان وَاجِدًا لَهُ، أو أعْوَانِه إنْ وجَد عَوْنًا، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (^١)، لا يُعَرَّج على سواه، ولا يَعُودُ بَعْدُ إلى مَثْوَاه، بذلكَ سَبَقَ فيهم عِلْمُ اللهِ المَكْنُون، الغَامضُ المَصُون، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (^٢).
وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو في كتابه: وجَرَى من اعْتيادِ الرُّوم طَرَسُوس، ما اقتَضَت الصُّوْرَةُ إخْراجَ وَفْدٍ إلى مِصْر والعِرَاق، يَسْتَصْرخُون ويَطْلبُونَ المَدَد، ورُسم أبو الحَسَن بن الفَيَّاض بوِفَادَة مِصْر، ووَفَد أبو بَكْر بن الأصْبَهَانِيّ الإسْكَاف، وأبو عَليّ بن الأصْبَهَانِيّ، خَلِيفَة القَاضِي العبَّاس بن أحمد الخَوَاتِيْمِيّ على طَرَسُوس، إلى بَغْدَاد (^٣)، فنُدِبَ للخُطْبَة أبو صالِح عَبْد الغَفَّار بن الحَرَّانيّ الوَرَّاق عِوَضًا منهُ فقام مقامَهُ، وأقام أبو صالح، عند خُرُوج النَّاس، بطَرَسُوس لِعلَّةٍ مَنَعَتهُ من الحركَة بها تُوُفِّي، وما زال أبو صالح يَخْطبُ مُدَّةَ أيَّامِ مُنازلة نَقَفُور إيَّانَا.
فلمَّا انْتَهينَا إلى الأيَّام الّتي وادَعناهُ فيها للخُرُوج عن طَرَسُوس، اعْتَلَّ أبو صالِح عِلَّةً حالَت بينَهُ وبينَ الصَّلاة، واحْتَاجَ النَّاس في آخر جُمْعَةٍ جَمَّعُوهَا بطَرَسُوس إلى خَطِيب، فَسُئل أبو الحَسَن بن الفَيَّاض الصَّلاةَ، وقد كان عَادَ من مِصْر مُعَذَّرًا لم يَنَل في الوِفَادَة ما تَمَنَّى مَنْ أرْسله لها، فأبَى، وقال: ما أُحبّ أنْ أَكونَ آخر خَطِيب خَطَبَ بطَرَسُوس.
وَحَضَرَت الصَّلاةُ، فَصَلَّى بالنَّاس يَوْمئذٍ أبو ذَرّ؛ رَجُلٌ من أبناءِ طَرَسُوس، شَيْخٌ من أهْل العِلْم؛ كان سافَرَ وغابَ عن طَرَسُوس عدَّة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيَّام، فهو آخرُ مَنْ خَطَب على مِنْبَر طَرَسُوس يوم الجُمُعَة العَاشر من شَعْبان سنَةَ أربعٍ وخمسين وثَلاثِمائة، لأنَّ خُرُوج النَّاس كان عنها في يوم الأرْبَعاءِ النِّصْف من هذا الشَّهْر في هذه السَّنَة.
_________________
(١) سورة عبس، الآية ٣٧.
(٢) سورة الأنبياء، الآية ٢٣.
(٣) انظر عن سفارة الاستنجاد وطلب المعونة والمدد من بغداد ومصر: الحياري: نهاية الثغور الشامية ٣٣ - ٣٨.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وأقام المُؤِذّنون في ذلك اليَوم وأخَذُوا في الأذان، فسَهَوا فأقامُوا، فَرُدَّ عليهِم فأذَّنُوا، وقام أبو ذرَّ فخَطَب، فلمَّا أتَى الدُّعَاءُ للسُّلْطَان، خَطَب للمُعْتَضِد، وَرُدَّ عليه، فتَمَّم خُطْبتَهُ ونزَل، فأُقِيمَت الصَّلاة، وكَبَّر، وقَرأ في الرَّكْعَة الأُوْلَى بفاتحة الكتاب، وسُورة والشَّمْس وضُحاها، وفي الرَّكْعَة الثَّانيَة بسُورة الحَمْدِ وسُورَة إذا زُلْزِلَت الأرْضُ زِلْزَالَهَا.
فلمَّا سَلَّم، قامَ أبو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْن بن مُحمَّد الخَوَّاصُ قائمًا في قِبْلَةِ المَسْجِد، واسْتَقْبَل النَّاسَ بوَجْههِ، وقال: يا مَعْشَرَ أهل طَرَسُوس، أَقُول فاسْمَعُوا: هذا المقَامُ الّذي كان يُتْلَى فيهِ كتابُ اللهِ العَظِيم، هذا المقَامُ الّذي كانَتْ تُعْقَدُ فيه المغَازي إلى الرُّوم، هذا المقَامُ الّذي كان يَصْدُر عنْهُ أمْرُ الثُّغُور، هذا المقَام الّذي كانت تُصَلَّى فيه الجُمُعُ والأعْيَادُ، هذا المقَام الّذي يَأوِي إليهِ المَلْهُوفُ بالدَّعَوَات، هذا المقام الّذي يَزْدَحم عليه أهْلُ السَّتْر والسَّدَاد، هذا المقام الّذي كانَ يَفِدُ إلى اللهِ فيهِ الوَافدُونَ، هذا المقامُ الّذي كان يَعْتكفُ فيهِ العَابِدُونَ الزَّاهِدُونَ، وما يَجْرى مَجْرَى هذا الكلام.
وقَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن الفَضْل المَعَرِّيّ (^١): أنَّ نَقَفُور لَمَّا صَالَحَ أهل طَرَسُوس، وخَرَجُوا منها، وتسلَّمها، صَعد على مِنْبَرها، وقال: يا مَعْشَرَ الرُّوم، أينَ أنا؟ قالوا: على مِنْبَر طَرَسُوس، فقال: لا؛ بل أنا على مِنْبَر بَيت المَقْدِس، وهذه البَلْدةُ الّتي كانت تَمْنعُكم من بَيت المَقْدِس.
_________________
(١) نقَل ابن العديم عن هذا الكتاب في العديد من المواضع التَّالية، وعرَّف به في هذا الجزء، وأيضًا في تضاعيف ترجمة أحمد بن عبد الله صاحب الخال (الجزء الثاني)، قال: "وسيَّر إليَّ بعضُ الشِّرَاف الهاشميّين بحلَب تاريخًا جمعَهُ أبو غالب هَمَّام بن الفَضل بن جعفَر بن عليّ بن المُهذَّب، ذكر أنَّهُ تَذْكِرة كتبها ممَّا وجدَهُ في التَّوَاريخ المُتَقدِّمة، وممَّا وجَدَهُ بخَطِّ جَدّ أبيه الشَّيخ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب بن أبي حامد مُحمّد بن هَمَّام بن أبي شهاب وغيره"، ويظهر من نقول ابن العديم أنَّ ابن المُهذَّب كان حيًّا سنة ٤٦٧ هـ، وأخذ عنه أيضًا في كتابه الإنصاف والتحري (ضمن كتاب إعلام النبلاء) ٤: ١٠١، ونقل عنه ابن الوردي في العديد من المواضع في تاريخه ووصفه بأنه "من جباة أبي العلاء المعري"، انظر: تاريخ ابن الورديّ ١: ٢٧٣ - ٢٧٤، ٣٣٠ - ٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٧، ٣٦٢، ٣٦٨ - ٣٧٠، ٤٣٧ - ٤٣٨، ٤٤٥، ٤٧٩، ٤٨٥، ٥١٥، ٥٥٧، ٥٦١. ووضع أبو المغيث مُنقذ بن مرشد بن عليّ بن مُنْقذ ذيلًا على تاريخ ابن المُهَذَّب، ونقَل ابنُ العديم أيضًا عن هذا الذيل في بعض التَّراجم التالية.
[ ١ / ٣٣٣ ]