كان ابنُ العَدِيْم قد ارْتَحلَ إلى مِصْرَ للمرَّةِ الأخيرة في سَنَة ٦٥٨ هـ، وتُوفي بظَاهِرِ مِصْرَ في العشْرين من جُمادَى الأُولَى ٦٦٠ هـ، ودُفِنَ من يَوْمه بسَفْحِ المُقَطَّمِ بالقَاهِرة، وأرَّخَ الدِّمْياطِيُّ وَفاتَهُ بفُسْطاط مِصْر يوم التَّاسعَ عَشر من جُمادى الأُولَى وأنَّه دُفِنَ من يَومهِ بسَفْحِ المُقطَّم [بتُربَة] الأميرِ مُوسَى بن يَغْمُور (^١)، والأوَّلُ هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ الشَّريفَ عِزّ الدِّين الحُسَيْنيّ حَضَرَ الصَّلاة عليه ودَفنه، وقَيَّدَ تاريخَ وَفاتِه (^٢).
وأرَّخَ ابنُ شَاكِر الكُتْبيّ وفاتَهُ خَطأً في سَنة ٦٦٦ هـ (^٣)، واتِّفاقُ المَصادرِ جَمِيعُها على سَنة وَفاته، إضافةً إلى تَقْييد أبي شَامَة (ت ٦٦٥ هـ) لوَفاته كافٍ لدَفْع هذا المَسْألة، إذ كانت وَفاةُ أبي شَامَة قَبْلَ التَّاريخ الَّذي أوْرَده ابنُ شَاكر، قال أبو شَامة في حَوادثِ سَنَة ٦٦٠ هـ (^٤): "وجِاءَنا الخَبَرُ من مِصْرَ بوفاةِ الصَّاحب كَمال الدِّين بن العَدِيم في العشْرين من جُمادَى الأولَى، وصُلِّي عليه بجامع دِمَشْق صَلاةَ الغائبِ".
* * *
هذه سِيْرةُ الرَّجُلِ، ومَلامحُ مُقْتضَبةٌ من حَياتِه العَمَليَّةِ والعلْميَّةِ الحافِلَة، تَجاوَزتُ فيها عن الإسْهابِ تَقيَّةَ الإطَالةِ، ويَحْسُنُ في ختامهِا إيْرادُ ما كَتَبهُ الجَمَالُ مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحَمَويّ الحَنَفيّ (ت ٨٧٧ هـ) على طُرَّة نُسْخَةِ الأصْلِ من هذا الكتاب "كتابُ بُغْيَة الطَّلب"، وهي تَرْجَمَةٌ مُخْتَصرةٌ مُجْمَلَة، تُحَوْصِلُ
_________________
(١) الدمياطي: معجم الشيوخ ٢: ورقة ١١٨.
(٢) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩.
(٣) فوات الوفيات ٣: ١٢٦، وتابعه على هذا الخطأ بعض المحدثين أمثال محمد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٦.
(٤) أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١.
[ ١ / ٦٤ ]
ما تقدَّمَ، أخَذَ جُلّها عن ابن شاكر الكُتْبيّ النَّاقِل عن ياقُوت الحَمَويّ، وأدْرَجتُ صُورتَها في نَماذجِ المصوَّراتِ آخر التَّمْهيد، قال ابنُ السَّابق الحَمَويّ:
"عُمَر بن أحمد بن أبي الفَضْل هِبَة الله بن أبي غَانِم مُحمَّد بن هِبَة الله ابن قاضي حَلَب أبي الحَسَن أحْمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون بن مُوسَى، بن عِيْسَى بن عَبْد الله بن مُحمَّد بن أبي جَرادَة عامِر بن رَبِيعَة بن خُوَيلِد بن عَوْف بن عامِر بن عُقَيل، الصَّاحِب العلَّامَة، رَئيس الشَّام كَمال الدِّين أبو القاسم الهَوَازنيّ العُقَيليّ الحَلَبيّ، المَعْرُوف بابن العَدِيْم.
وُلد سَنةَ ستّ وثَمانينَ وخَمْسمائة، وتُوفِّي سَنَةَ ستِّين وسّتمائة، وسَمعَ من أبيه، ومن عَمِّهِ أبي غَانِم مُحمَّد، وابن طَبَرْزَد، والافْتِخار، والكِنْدِيّ، وابن الحَرَسْتانيّ، وسَمعَ جماعةً كثيرةً بدِمشْق، وحَلَب، والقُدْس، والحِجَاز، والعِرَاق.
وكان مُحدَّثًا حافِظًا، مُؤرِّخًا صَادِقًا، فَقِيْهًا حَنَفيًّا، مُفْتِيًا، مُنْشِئًا بَلِيغًا، كاتِبًا مُجوِّدًا، درَّس وأفْتَى، وصَنَّفَ، وتَرَسَّلْ عن المُلُوك، وكان رَأسًا في الخَطِّ المَنْسُوبِ لا سَّيما النَّسْخ والحَواشِي.
أطْنَبَ الحافِظُ شَرَفُ الدِّين الدِّمْياطيّ في وَصْفِه (^١)، وقال: وَلِيَ قَضاءَ حَلَب خَمْسةُ من آبائِه مُتَتالية، وله الخَطُّ البَديْعُ، والحَظُّ (^٢) الرَّفيعُ، والتَّصانيفُ الرَّائقةُ، منها تاريخُ حَلَب؛ أدْرَكَتهُ المنَيَّةُ قبلَ إكْمالِ تَبييضِه. ورَوَى عنه الدّواداريّ وغيرُه، ودُفِنَ بسَفْحِ المُقَطَّمِ بالقَاهِرة.
قال ياقُوتُ: سَألتُه لِمَ سُمّيِتم ببَني العَدِيْم؟ فقال: سألتُ جَماعةً من أهْلي عن ذلك فلم يَعْرفوه، وقال: هو اسْم مُحْدَثُ لَم يكُنْ آبائي القُدَماءُ يُعْرَفونَ به، ولم يكُنْ في
_________________
(١) في الجزء الثاني من معجم شيوخ الدمياطي الورقة ١١٦ أ - ١١٧ ب.
(٢) ابن السابق الحموي: الخط، والمثبت من معجم شيوخ الدمياطي وتاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، وفوات الوفيات ٣: ١٢٦، والوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢.
[ ١ / ٦٥ ]
نِسَاءِ أهْلي مَن يُعْرَفُ بهذا، ولا أحْسَبُ إلَّا أنَّ جَدَّ جدّي القاضي أبا الفَضْلِ هِبَةَ الله بن أحمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن أبي جَرادَة - مع ثَرْوةٍ وَاسِعةٍ، ونِعْمةٍ شامِلَةٍ - كان يُكْثِرُ في شِعْره من ذِكْر العُدْم، وشَكْوى الزَّمانِ، فإنْ لَم يَكُن هذا سَيبهُ، فلا أدْري ما سبَبُهُ.
قال: خَتَمتُ القُرآنَ ولي تسعُ سِنين، وقَرأتُ بالعَشْر ولي عَشرُ سنين. ولم أكْتُبُ على أحدٍ مَشْهُور، إلَّا أنَّ تاجَ الدِّين مُحمَّد بن أحمد بن البِرْفطيّ البَغْداديّ (^١) وَردَ إلينا إلى حَلَب، فكتَبَتُ عليه أيَّامًا قلائِلَ، لم يَحْصُلْ منه فيها طائِلٌ.
وله كتابُ الدَّراريّ في ذِكْر الذَّراريّ؛ جَمَعَهُ للمَلِك الظَّاهِر، وقدَّمَهُ إليه يَومَ وُلِدَ وَلَدهُ الَمِلكُ العَزِيز، وكتابُ ضَوْءِ الصَّبَاحِ في الحَثِّ على السَّمَاح؛ صَنَّفَهُ للمَلِكِ الأشْرَفِ، وكتابُ الأخْبار المُسَتفادَةِ في ذِكْر بني أبي جَرادَة، كتابٌ في الخطِّ وعُلُومِه ووَصْف آدابِه وطُرُوسِه وأقْلَامِه، وكتابُ دَفْعِ التَّجرِّي على أبي العلاء المعرِّيّ، وكتابُ الإشْعَارِ بما للمُلُوك من النَّوادِر والأشْعار.
ومَّمن كَتَبَ اليه يَسْترفدهُ سَعْدُ الدّيِن مَنُوجَهر المَوصِليّ، وأمينُ الدِيّن ياقُوت المعروُف بالعالِم، وهو صِهْرُ ياقُوت الكاتِب الذي يُضْربُ به المَثَل.
وكان في بعض سَفراتِه يَرْكَبُ في مِحَقَّةٍ تُشَدُّ له بين بَغْلَين، ويَجلْسُ فيها ويَكْتُب.
وقَدِمَ إلى مِصْر رَسُولًا، وإلى بَغْداد، وكان إذا قَدِمَ مِصْرَ يُلازمُهُ أبو الحُسَيْن الجزَّار، وله فيه مَدَائِحُ".
_________________
(١) مُحمَّد بن أحمد بن مُحمَّد بن حمزة بن بريك البِرْفطيّ (ت ٦٢٥ هـ)، نسبته إلى بِرْفطا من قرى نهر الملك، وهو مشهور بحسن الخط وجودة التحرير. ياقوت: معجم الأدباء ٦: ٢٣٩١ - ٢٣٩٣.
[ ١ / ٦٦ ]