هكذا نَقَلْتُ نَسبه من خَطِّ عَبْد السَّلام بن الحسُين بن مُحَمَّد البَصْريِّ في الكتاب المُتَضَمِّن ذِكْر فَضَائِل الفُرْس وذِكْر طَبَقَات مُلُوكهم.
_________________
(١) (a) ساقطة من ق. (b) الأصل: الحالية، والمثبت من ق.
(٢) الإشارة -على جاري عادة المصنف- إلى كتاب العظيمي السمّي: المُؤصل على الأصل المُوَصَّل، ولم يرد ذكره في كتاب العظيمي المختصر"تاريخ حلب".
(٣) ترجمته في: الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري ٤٧ - ٤٩٩، ٨٨، المحبر لابن حبيب ٣٦١، المعارف لابن قتيبة ٦٥٦ - ٦٥٩، البلاذري: أنساب الأشراف (حميد الله) ١: ٢٧، تاريخ الطبري ٢: ٥٥ - ٦٥، المسعودي: مروج الذهب ١: ٢٩٥ - ٣٠١، وانظر سياقة نسبه في المروج ١: ٣٢٥ - ٣٢٦، التنبيه والإشراف ١٠٠، ١٤٩، مسكويه: تجارب الأمم ١: ١٠٩ - ١١٣، ابن الأثير: الكامل ١: ٢٥٩، ٣٣١، ٣٩٢ - ٣٩٧، ٢: ٤٥٨، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ٢: ٤٢٧ - ٤٢٩، تاريخ ابن الوردي ١: ٦٦ - ٦٨، ابن خلدون: العبر ٣: ٤١١ - ٤١٣.
[ ٩ / ٣١٨ ]
وذَكَرَ غيره أنَّهُ سَابُور بن هُرْمُز بن نرسيِ بن بَهرام بن سَابُور، وأنَّ بَهْرَام شَاهَانْشَاه (a) أخُو نَرْسِي بن بَهْرَام. قيل: إنَّهُ دَخَلَ الشَّام وقَصَدَ مَلِك الرُّوم أبولْيَاس (b) إلى أنْطَاكِيَة فقَبَض عليه وحَبَسَهُ بأنْطَاكِيَة.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ (c): وكان سَابُور حَمْلًا يَوْم ماتَ أبُوه هُرْمُز المَلِكُ، فعُقِدَ التَّاجُ على بَطْن أُمِّه، وكان المَلِكُ يَوْم يمُلَكَ يَتَكلَّم بكَلامٍ يُرَغِّبُ النَّاس ويُرَهِّبهم، ويَعِدُهُم العَدْلَ، وحُسْنَ السِّيْرَة، إذا قَعَدَ على سَرِير المُلْك ووَضَع التَّاج على رَأسِه، يَحْمَدُ الله ثمّ يَتَكلَّم بذلك، فإنْ كان المَلِكُ صَغِيرًا لا يَحْتَمل أنْ يُعَلَّقَ التَّاج على رَأسِه، وُضعَ التَّاج على كُرْسِيِّ وتكلَّم عنه وَزِيره والمَوَابذَةُ والهَرَابذَةُ، فإذا كان صبِيْحَة اليَوْم الّذي يُدركُ فيهِ، وُضعَ التَّاجُ على رَأسهِ، وجَلَس مَجْلِسَ المُلُوك، ثُمَّ تكلَّم هو.
وإنَّما سُمِّي سَابُور ذو الأكْتاف لأنَّهُ كان يَخْلعُ أكْتَاف العَدُوّ (^١). وهو الّذي قَتَلِ إيَادًا، وإنَّما كان جُرْم إيَادٍ عندَهُ أنَّ شَاةً لرَجُل من أهْل السَّوَادِ سُرِقَت فاتّهِمِ بها رَجُلًا من إيَادٍ، كان دَخَل السَّوَاد في حاجةٍ له فقَتَل سَابُور إيَادًا، وهَربتْ بَقِيَّةُ منهم فدَخَلَتْ بلادَ الرُّوم، فَخلعَ سَابُور أكْتَاف مَنْ بقي منهم.
ومن خَطِّ عَبْد السَّلام: وبَلَغَنا أنَّ مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان كَتَبَ إلى بَني تميْم يأمرُهم بالوثُوب على عليّ بن أبي طَالب ﵇ (d)، فأجَابَهُ إلى ذلك قَوْمٌ منهم، وعليّ ﵇ يَوْمئذٍ بالبَصْرَة، فبلَغَه ذلك، فصَعدَ المنبَر فَخَطَبَ النَّاسَ، ثم قال (^٢): [من الخفيف]
_________________
(١) (a) ق: شاهنشاه. (b) في العبر لابن خلدون ٣: ٤١١ - ٤١٣: لُلْيَانُوس. (c) ق: ﵀. (d) ق: علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) في تاريخ ابن الوردي ١: ٦٧ والعبر لابن خلدون ٣: ٤١١: يخلع أكتاف العرب.
(٣) البيتان في مروج الذهب ١: ٢٩٧، مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ٢: ٤٣٨.
[ ٩ / ٣١٩ ]
إنَّ حيًّا يرَى الصَّلَاح فسَادًا … ويَرَى الغَيَّ للشَّقَاءِ رشَادَا
لقَرِيبٌ من الهَلَاكِ كما أهْلَكَ … سَابُور بالسَّوَادِ إيَادَا
قال: وبَلَغَنا أنَّ سَابُور ذا الأكْتَاف المَلكَ أقام بجندَي سَابُور ثلاثين سَنَة من مُلكه، ثمّ تحوَّل إلى المَدَائن، وهى دَارُ المَلكَ في القَدِيم، فتحوَّل عن جَانِب المَدَائِن الّتي كانت المُلُوك تنْزله، وبَنى الإِيْوَان الّذي بالمَدَائِن اليَوْم والقَصْرَ في الجانب الآخر.
فلَم تَزَل المُلُوك -بعد سَابُور ذي الأكْتَاف إلى أنْ خَرَج المُلْكُ من أيْدِيهم - ينْزلونَ الإِيْوَان الّذي بالمَدَئِن والقَمْر الّذي الإِيْوَان فيهِ، ومَلَكَ سَابُور اثنتَيْن وسَبْعِين سَنَةً، فحين حَضَرته الوَفَاةُ كان ابنُه سَابور بن سَابُور ذي الأكْتَاف صَغِيرًا، فأوْصَى بالمَلِك لأَخِيهِ أَرْدَشِيْر (a) في هُرْمُز المَلِك.
ومن خَطِّ عَبْد السَّلام: وبن سَابُور ذو الأكْتَاف الإِيْوَان الّذي بالمَدَائِن والقَصْرَ الّذي فيه الإِيْوَان، وبَنى الأنبار وسمَّاها فيرُوز سَابُور، وبَن مَدِينَة السُّوْس بالأهْوَاز، وفي مَدَائِن بسِجِسْتَان، وبنى مَدِينَة الكَرَج، وبَنى مَدِينَة بآجُرٍ وسمَّاها جُنْدَي سَابُور؛ أسْكَنَ فيها سَبْيًا سَبَاهُم من الرُّوم، وبنى مَدِينَة نَيْسَابُور بأرْض خُرَاسَان، وفي مَدَائنًا بالسِّنْد.
هذا ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ المعرُوف بالوَاجْكَا.
وذُكِرَ في غير هذا الكتاب أنَّ أبولْيَاس مَلِكَ الرُّوم، وكان ينْزلي أنْطَاكِيَةَ، قَصَدَهُ سَابُور ذو الأكْتَاف فظَفر به أبولياس إمَّا في حَرْبه، وإِمَّا لأنّ سَابُور -كما يُقال- مَضَى إلى أرْض الرُّوم ليقتَصَّ أمْرَها، ففَطنَ له وقَبَض عليه، فكيفَ ما كان فقد دَخَلَ أنْطَاكِيَة.
_________________
(١) ق: أزدشير.
[ ٩ / ٣٢٠ ]
وقيل: إنَّ أبولياس سار (a) إلى أرْض العَجَم حتَّى بلَغَ جُنْدَي سَابُور فَحصَرَها فاسْتَصْعَبَ عليه فتحها، وكان سَابُور مَحْبُوسًا في قَصْر أبولياس، فعَشِقَتهُ ابنَةُ المَلِك، فَخلَّصَتْهُ، فطَوَى البِلَاد مُتَخفِيًا إلى أنْ وَصَلَ جُنْدَيْسَابُور، فدَخَلها وقويت نفُوس مَن بها من أصْحَابهِ، وخَرَجُوا من فَوْرهم، فأوْقَعُوا بالرُّوم تَفَاؤلًا بخَلَاصِ سَابور، فأسُروا أبولْيَاس فقَتَلَهُ سَابُور ذو الأكْتَاف، واخْتَلَفت الرُّوم فيمَنِ يُولُّونَه وضَعُفُوا عن مُقَاومته، وكان لسَابُور عناية بقُسْطُنْطِيْن فولَّاهُ على الرُّوم، ومنَّ عليهم بسَبَبهِ، وجَعَل لهم طَرِيقًا إلى الخُرُوج من بِلَادِه، وبعد أنْ شَرَط علِى قُسْطُنْطِيْن بأنْ يَغْرس بإزَاء كُلّ نَخْلة قُطِعَت من أرْض السَّوَادِ وبلَادِه شَجْرَةَ زَيْتُون، وأنْ يُنْفذ إليه مَنْ ببلادِ الرّوم فوَفى له.
وَقَعَ إليَّ كتاب يَتَضَمَّن أخْبَار الفُرْس لَم يُذكر اسْم مؤلِّفه، فَنَقَلْتُ منهُ (^١): فلمَّا بلغَ سَابُور ستّ عَشرة سَنَة، واشْتَدَّ عَظْمُه، وقَويَ عِلى حَمْل السِّلاح، جَمعَ إليه عُظَمَاء أهْل مملكته، ثُمَّ قام وخَطَبهم، وحَمدَ الله، ووعَظهُم، ثمّ أمرَهم أنْ يَخْتارُوا نُجَدَائهم وأهْل الَبأس منهم ألْفَ أسْوَار، ففَعَلُوا، وعُرِضُوا عليه بأسْلَحتهِم وكُرَاعِهم، فأقامِ لهم ما يَكْفيهم وأوْلَادهُم من الأرْزَاق والأطْعِمَةِ، ثمّ جَمع الألفَ إليه وحثَّهم على القيام بحِفْظ البِلاد، وكات الأحْوَال -بسَبَب صِغَر سِنِه- قد اخْتلَّت، فأجَابُوه بما يُؤثره، ثمّ سَار إلى النَّواحِي التي كانت العَرَبُ فيها، فقَتَل مَنْ قَدر عليه منهم، وهَرَب بَقِيَّتُهم حتَّى لحَقُوا ببلادهم، فقَطَع البَحْر حتَّى أتَى الخَطَّ، ثمّ غَزَا بلادَ البَحْرين، فَجَعَل لا يُبْقي على شيءٍ قَتْلًا وإخْرَابًا، غير أنَّهُ لَم يكُن يأخُذ لهم سَلْبًا ولا مَالًا، ثمّ مَضَى إلى هَجَر، فأعْظَم المَقْتَلَة فيهم، ثمّ أتَى عَبْد
_________________
(١) (a) ق: دخل.
(٢) قارن بالمعارف لابن قتيبة ٦٥٧ - ٦٥٨ وتاريخ الطبري ٢: ٥٦ - ٥٧، وتجارب الأمم لمسكويه ١: ١١٠.
[ ٩ / ٣٢١ ]
القَيْس ففَعَلِ بهم مثْلَ ذلك حتَّى أبادَهُم، وفعَل ذلك باليمَاَمَة وما يليها، وقَتَل بالمَدِينَة وخَيْبر، ثمّ هَبَطَ إلى ما يلي الشَّام من بلادِهم ففَعَل مثل ذلك بهم، وقال: هذا جَزَاؤكم بما كان من بَغْيكُم علينا وإفْسَادِكُم في بلادِنا بعدَما شَرَطْتُم لدَارَا بن دَارا المَلِك من الكَفِّ عن بلَاده والتَّشَبه بالنِّسَاء في إطَالة الشَّعر واتِّخَاذ الأُزُر، وكان دَارَا بن دارَا المَلِكُ ابن عَمِّ بَابك بن سَاسَان والد أَرْدَشِيْر.
فلمَّا بَلغَ سَابُور ما في نفسه، وأدْرَك منهم ثأره، قال لمَن معه من الجنُود: إنِّي أُريد دُخُولَ أرْض الرُّوم ومُسْتَخْفٍ فيها حتَّى أبْحَث عن أسْرَارهم وأعرْف عدَّة جُنُودِهم، ومَسَالكَ بلادهم، حتَّى إذا بَلَغْتُ نَهْمَتي من ذلك وحَاجَتي، انْصَرفتُ إلى مملكتي، فسِرتُ إليهم بمَن أحْتَاج إليه من الجنُود، فحذَّره الجنُود التَّغْرِيرَ بنَفْسه فلَم يَقْبل.
وانْصَرَف مُتَنكِّرًا حتَّى دَخَل أرْضَهُم، فمكُث فيها حيْنًا يَجُول فيها، فبينا هو كذلك إذْ بَلَغَهُ أنَّ ابن قَيْصَر أعْرَسَ فأوْلَم وِلِيمَةٌ لسَفِلَة النَّاسِ ومَسَاكِيْنهم، وأمرَ أنْ يُجمعُوا له ويحضرُوا طَعَامَهُ بعد فَرَاغهِ من طَعَام الأشْرَاف، فانْطَلق سَابُور مُتَهيِّئًا بهَيْئَةِ السُّؤَّال حتَّى شَهِدَ ذلك الجَمْعِ، ليَنْظُرَ إلى قيصَر ويَعْرِف هَيْئَتَهُ في مَجْلِسه وطَعَامه، فبينا هو كذلك إذ أُتي قيصرُ بإناءٍ يَشْرَبُ فيه من آنيةِ سَابُور مَنْقُوش فيهِ تِمْثَال سَابُور، فَجعَلوا يسْقُونَ بهِ قَيْصَر ومَنْ حَوْله، حتَّى انْتَهَىَ الإناءُ إلى حَكِيمٍ من حُكَمائهم الّذين يَنْظرُون في النُّجُوِم، ويعْرفونَ الفِرَاسَةَ، فنَظَر في التِّمْثالِ الّذي فيه، وقَبْل ذلك ما قد كان أبْصَر وجْهَ سَابُور وهو جالسٌ في رِفْقة المَسَاكِيْن، فأمْسَكَ الإناء وقال: إنِّي لأرَى أمرًا مُعجبًا! قال قَيْصَر وما ذلك؟ قال الحَكِيم: أرَى في الجلسَاءَ رَجُلًا شَبِيه الصُّوِرَة بهذا التِّمْثال، فإنْ لم يَكُن ذلك سَابُور فما في الأرْض أحَدٌ أشبَه منهُ بهِ! فأمرَ قيْصَر فدَعا سَابُور إليهِ فسَأله عن أمْره، فقال: أنا رَجُلٌ مِسْكِين من أهْل فارس، وكان سَابُور جَمِيل الوَجهِ،
[ ٩ / ٣٢٢ ]
حَسَن الصُّورَةِ، مُعْتَدل القَامَة، تَامّ الخَلْقِ، فازْدَاد قَيْصَر -لمَّا رَأى من حَالهِ في ذلك- ارْتيابًا في أَمْره وأحَسَّ بأنَّهُ لَمْ يَصْدُقه عن نفسه، فألَحَّ عليه في السُّؤَالِ، وقال: ما صَدَقْتَنا عن خَبَرك، فقال سَابُور: أمَّا إذا أَبَيْتُم إلّا التَّقَصِّي عن أمْرِي فإنِّي لا أجِدُ من صدْقكم بُدًّا، أنا من أَسَاورَة فَارِس، وكان وَالدِي قد أجْرَم إلى مَلِكنا جُرْمًا عَظيْمًا فقَتَلَهُ، واسْتَصْفَى مالَهُ، فتَخَوَّفْتُه على نَفْسِي، فلَحِقْتُ بكم وقد أصَابَنِي فَقْرٌ ومَسْكَنَةٌ، فأتَيْتُ هذا المَوضِعَ لِمَا بي من الجُوع والجهْد والفَاقَة، فَرَقُّوا له وظنُّوا أنْ قد صَدَقهُم عن نَفْسِه، فهمُّوا بتَخْلية سَبِيلِهِ، فأبَى ذلك العَالِم عليهم أنْ يُخَلُّوه، ونَظَر في حِسَابهِ فأتَاهُ في ذلك ما وَافَق ظَنَّهُ، وقال: اعْلمُوا أنَّ هذا سَابُور نَفْسُه، فاسْتَوْثِقُوا منه واشْتَدُّوا عليه حتَّى يُعْلمكم أمْرَهُ، فاشْتَدّ عليه قَيْصَر عند ذلك، وتَوَعَّدَهُ بالقَتْلِ، وجَعَل له الأمَان على أنْ يُحقِّق له الخَبَر عن أمْه، فقال لهم سَابُور: عَجَبًا لكم ومن طَمَعكم بي أنْ يُؤثر سَابُور الجهْدَ والحاجَةَ والجُوع في بلاكم على المَقَام في مُلكه ونِعْمته، فلَم يَقْبَلُوا ذلك منه، ولَم يُخلُّوا عنه حتَّى اعْتَرَفَ لهم سَابُور، فاشْتَدّ فَرحَ قَيْصَر وجُنُودِه وقالوا: قد أعْظَم اللّهُ علينا النّعْمَةَ فسَاق إلينا عَدُوّنا وأمْكَنَنا منه، فنحنُ مُنْتَقِمُون منه، ومُنْزلون به وبأرْضه ما أجْرَم إلينا سَابُور الأوَّل.
فأمَرَ قَيْصَر بسَابُور، فُجُعِلِ في نُقْرةٍ جَوْفاءَ من جُلُود البَقَرِ، ثمّ أطْبقَ عليه وألْزَمَهُ الرُّقَبَاءَ والحَفَظَة. وسار بِجُنُوده إلى أرْض فَارِس، ثُمّ أرْسَل إليهم: أنِّي قد أخَذَتُ مَلِكَكُمُ، فإمَّا أنْ تَفْتَدُوه، وإمّا أنْ أقتُلَهُ، وأمَرَ سَابُور أنْ كَتَبَ إلى أهْل أرْضه، فيُرسِل أهْلُ كُلّ مَدِينَةٍ بما يَسْألهم، فجَعَل لا يَنْزل بأرْضٍ إلّا أخْرَبها، وجَعَلَت الأعَاجِم تَتَّقِيهِ بكُلّ ما قَدَرت عليه، فكَثُر منه القَتْلُ والإخْرَاب في مَدَائنهم وقُرَاهم والعَقْر في نَخْلهم وشَجَرهم، وسَابُور معه يَسِيْر به حيثُ ما تَوجَّه،
[ ٩ / ٣٢٣ ]
حتَّى انْتَهَى إلى جُندَيْسَابُور، وكان قد تحصَّن جُنُود (a) فَارِس وعظماؤهم، فنَصَبَ عليهم المَجَانِيْق حتَّى هَدَم نِصْفَها، ولَم يَسْتَطِع دُخُولها.
فبَيْنا هو كذلك، إذ غَفَل حُرّاسُ سَابُور من الرُّوم ذات لَيْلَةٍ فلم يغلقُوا البابَ الّذي كان يلقَى إليهِ الطّعَام في النُّقْرة، وكانت لَيْلَة مُقْمِرَةً، وكان حَوْل النُّقْرة ممَّن غَنِمَت الرُّوم من سَبْي الأهْوَاز أناسٌ كَثِيْرٌ، فرَفَعَ سَابُور رأسَهُ، وقَبْل ذلك ما سَمِعَ كلامهم وعَرِفَ لُغَتَهم، وكان عندَهُم زِقَاق زَيْت، فدَعا سَابُور بعضَهُمِ فقال: خُذُوا من هذه الزِّقَاق فأفْرغُوه على رَأسِيِ، ففَعَل ذلك فابْتَلّ القَدّ وَلَان، وكان قد نَحلَ جِسْمُه فلَم يَلْبَث أنْ أسْبَل يَدَيهِ ورِجْليه من الوِثَاقِ، وخَرَجَ من النُّقْرة يَدُبُّ على قَوَائمِهِ شِبْه الدّابَّةِ، حتَّى إذا جاء من باب المَدِينَة رَآهُ الحَرَسُ فصَاحُوا به، فأشار إليهم أنْ اصْمِتُوا وأخْبَرَهم باسْمه، فعرفُوا صَوْتَهُ ففَتَحُوا باب المَدِينَة (b)، فلمَّا دَخَلَ على أهْلها اشْتَدَّ سُرُورهم به، ورَفَعُوا أصْوَاتَهم بحمدِ اللّهِ وتَسْبِيحه.
فاسْتَنْبه قَيْصَر وأصْحَابه بأصْوَاتهم (c)، وظنُّوا أنَّهُ أتاهم مَدَدٌ من وَرَائهم، ثمّ قال لهم سَابُور: اسْتَعدُّوا وتَعَبَّوا، فإذا سَمِعْتُم صَوْتَ نَاقُوس الرُّوم فارْكَبُوا خُيُولكم، فإذا ضُرِبَ بهِ الثَّانيَة فواقفُوهُم (d)، فإنِّي أرْجُو أنْ يَفْتَح اللّهُ لم عليهم، ويَفُلّ حَدَّهُم، ففَعَلُوا ذلك بهم، فقَتَلوا الرُّوم أبْرَحَ القَتْلِ، وأمْرَهم سَابُور أنْ يأخُذوا قَيْصَرًا أسِيْرًا ولا يَقْتُلوه، فأسَروا قَيْصَر، واسْتَباحُوا ما كان معه من أمْوَالِهِ وأمْتَعته ونِسَائهِ، فأمَرَ بكُلِّ ما كان معَهُ من السَّبْي فرُدَّ إلى بلادِهِم وأرْضِهم، وبما كانوا أصَابُوا أنْ يُدْفع إلى مَنْ كان له.
_________________
(١) (a) ق: جنوده. (b) قوله: "ففتحوا له باب المَدِينَة" ساقط من ق. (c) ق: بأصواته. (d) ق: فوافقوهم.
[ ٩ / ٣٢٤ ]
وأوْثق قَيْصَر حَدِيدًا وقال: إنِّي مُكَافئك بما أولَيْتَنِي كما أحْيَيتَني، وآخُذك بإصْلَاح ما أفْسَدْت، وعِمَارَة ما أخْرَبْتَ مِن أرْضي، فلَسْتَ بنَازِح (a) حتَّى تَغْرس مَكان كُلّ نَخْلة اقْتَلَعْتها أو شَجَرَة عقَرتها زَيْتُونة، وحتَّى تَبْنِي كُلّ مَدِينَة أخْرَبْتَها أو بناء هَدَمْته بنَفْقتكَ وعُمَّالك.
وكَتَبَ قيصَر إلى الرُّوم يَسْألهم أنْ يَفْدُوه بذلك، فحملُوا التُّراب من أرْض الشَّام حتَّى عَمَّروا به المَدَائِن، فبَنوا له المَدِينَة العَتِيقة، وبنَوا ما هَدَمُوا من جُنْدَيْسَابُور بالآجُر والجِصّ، فصَار (b) سُور تلك المَدِينَة نصفًا آجُر ونصفًا لِبْن، وغَرَسُوا الزَّيْتُون بأرض فَارِس والأهْوَاز والسَّوَاد، ولَم يكُن قبل ذلك بها زَيْتُون.
فلَّمَا قَضَى سَابُور حاجتَهُ من قَيْصَر، سَألَهُ أنْ يُخْلي سَبِيلَهُ، ورغبَ إليهِ في ذلك، فقَطع عَقِبَيه وكَفّه، وقال: هذا جَزاؤُك بما ابْتدأتَ به من الظُّلْم والعُدْوَان والبَغْيّ، ثُمَّ حَمَلَهُ على حِمَار وبَعَثَ بهِ إلى الرُّوم، فلذلك ما تَرَكت الرُّوم اتِّخَاذ الأعْقَاب للخفَاف ورُكُوب الدَّوَابّ (c).
ثُمَّ أقام سَابُور في مُلْكه، وأقْبَل على عِمارَة بلَادِهِ وإصْلَاحه مَمْلَكَته، ومَكُث بذلك حينًا، ثُمّ سَارَ إلى أرْض الرُّوم فقَتَل فيهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وسَبَى منهم سَبَايا كَثِيْرة، وبَني بالسُّوْس مَدِينَةً وسمَّاها أبرانحره سَابُور (d)، وعَمد إلى السَّبْي الّذين جاء بهم من الرُّوم فأسْكَنَهُم تلكَ المَدِينَةَ، ثُمَّ عَفَا عن العَرَب واسْتَصْلحهِم، وِأسْكَن ما أصَابَ من سَبَايا العَرَب من بَنِي تَغْلِب بَرَاري وسَمَاهِيْج والخَطّ، ومَنْ سَبَى من عَبْد القَيْسِ وأفْخَاذٍ من تَمِيْم بهَجَر، ومَنْ سَبَى من بَكْر بن وَائِل بكَرْمَان،
_________________
(١) (a) مهملة في الأصل، والمثبت من ق. (b) ق: فسار. (c) العبارة عند الطبري في تاريخه ٢: ٦١: "فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب ورَتق الذُّؤاب". وعند المسعودي (مروج الذَّهب ١: ٣٠٠): "وأن الروم لا ترتق دوابها ولا تلبس الخفاف المُعَقَّبة". (d) كذا جاء رسمها في الأصل، وق، وعند ابن قتيبة: المعارف ٦٥٨: فيروز سابور، والطبري ٢: ٦١: إيرانشهر سابور، وتقدم في طالع الترجمة ذكر بناء سابور مدينة السوس بالأهواز.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
ومَن سَبَى من بني حَنْظَلَة وتَنُوِخ بالأهْوَاز، وإنَّما كان يُسْكنُ كُلّ قَوْم ممَّن يَسْبِي في ما يُوافِق بلادهم من الأرَضيْنَ، وفَي مَدِينَة أُخرى بنَيْسَابُور، ومَدَائن أُخَر بالسِّنْد وسِجِسْتَان، وذلك سِوَى أنْهارٍ كَثِيْرة احْتَفَرها، وقَنَاطِر وجُسُور عَقَدَها، وقُرَىً أسَّسَها وعَمَّرَها.
قُلتُ: الّذي أظُنُّه أنَّ هذه الحِكَايَة عن سَابُور مَصْنُوعة، واللّهُ أعْلَمُ.
وإلى سَابُوِر هذا، أو إلى سَابُور الجُنُود جَدُّ جَدّ جَدّه الّذي قَدَّمْنا ذِكْرهُ، أشَار عَدِيّ بن زيْدٍ العِبَادِيُّ بقَوْله (^١): [من الخفيف]
أينَ كِسْرَى، كِسْرَى المُلُوك أنُو … شِرْوَانَ أم أينَ قَبْلَهُ سَابُورُ