شَاعِرٌ مُجِيْدٌ من بَنِي أبي حَصِين، بَيْت القَضَاءَ والفَضْل والعِلْم، وكان سَاطع هذا من أعْيَان أهل المَعَرّة، وكان يَتَردَّدُ إلى حَلَب، واجْتَمَعْتُ به مِرَارًا مُتَعدِّدةً بمَعَرَّة النُّعْمَان وبحَلَب، وسَمِعْتُ منه مَقَاطِيعْ منِ شِعْره، وقَصَائِد مَدَح بها المَلِكَ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، وِكان قد نَفق عليهِ ومالَ إليهِ، فمِمَّا سَمِعْتُه من لَفْظه قَصِيدَة أنْشَدَها بقَلْعَة حَلَب بين يَدَيْهِ، وذلك في بعض ليالي شَهْر رَمضَان من سَنَة اثْنَتي عَشرة وسِتُّمَائة، وذَكَرَ فيها وَلده المَلِك العَزِين مُحَمَّد بعد أنْ
_________________
(١) (a) بياض في الأصل قدر كلمة، وتعويض كُنيته من قلائد الجمان لابن الشعار ٢: ١٠٠.
(٢) توفي سنة ٦٢١ هـ، وترجمته في: قلائد الجمان لابن الشعار ٢: ١٠٠ - ١٠٦، وسماه: "السَّاطِع بن عبد الباقي بن أبي حُصَيْن عبد اللّه بن المحسن .. ".
[ ٩ / ٣٢٧ ]
وُلد، فاسْتَحْسَنَها المَلِك الظَّاهِر، واسْتَعاد منه أبْيَاتًا منها، وذلك بِمَحْضَر رَسُول المَلِكِ الأشْرَف مُوسَى ابن المَلِكِ العادِل أبي بَكْر بن أيُّوب وهو المَجْد البَهْنَسِيّ، وأثبتُ هَا هُنا القَصِيدَة بكَمَالها.
سَمِعْتُ القَاضِي سَاطِع بن أبي حَصِيْن يُنْشِدُ المَلِك الظّاهِر لنَفْسِه (^١): [من البسيط]
أَمَا لحجّ تلَاقي الحَيّ [مِيقاتُ] (a) … ولا لرَمْي جِمَار الهَجْرِ أوْقَاتُ
لعلَّ في عَرَفَاتٍ من عَوَارفكم … وصْلًا لصبٍّ له بالخَبْتِ إخْبَاتُ
وليتَ يَجْمَعُنا جَمْعٌ ويُشْعِرنا … سَعْيًا بمَشْعَر تلك الدَّار سَاعاتُ
كَيْمَا أَقُوم مقَامًا لا أخَافُ بهِ … نَوىً وتُشْرَحُ من حَالي مَقَاماتُ
فهمَّتي في إسَارِ الهَمِّ مُوْثقة … ما سرت عنكم سَرت عنِّي المَسَرَّاتُ
وَلي إليكُمُ ومن ظَماكمِ ظَمَأٌ … مُبَرّحٌ والي لُبْنَى لبُاناتُ
أحْنُو إليم حَنِيْنًا كُلَمَّا نَسَمَت … صَبًا ويَعْتادني منكم صَبَاباتُ
يا رَاحِلينَ وقَلْبِي في رِحَالِهم … تَحْدُوه إنْ غَفَل الحَادُونَ روْعَاتُ
عُودُوا وإلَّا عِدُوا حسْنًا (b) بقُرْبكُم … فللجَمِيل وللإحْسَانِ عَوْدَاتُ
عَسَى يَبيْنُ لعَيْني بعدَما بُنيَت … عليه أنْماطكُمُ للبَيْن بَانَاتُ
حَفِظتُكم وأضَعْتُم ما أمَنْتكُمُ … له ومن مثلكم تُرْعَى الأمَاناتُ
فيا عذولي أقِلِ اللَّوْمَ وابْق فما … يَفيدُ عذْلي ولا تُغْنى المَلَامَاتُ
عَهْدِي بنا قَبْلِ وشْكِ (c) البَيْن يَجْمعُنا … ظلٌّ ظَلِيلٌ ورَوضَاتٌ أُرِيضاتُ
في سَرحَةٍ (d) سَرَحَتْ أَنْهَارُها وزَهَتْ … أَزْهَارُها وبها للَّهْو لداتُ (e)
_________________
(١) (a) ساقطة من الأصل وق، والإضافة من قلائد الجمان. (b) ابن الشعار: وصلًا. (c) الأصل: وشل، والمثبت من ابن الشعار. (d) ابن الشعار: جنة. (e) ابن الشعار: فلها باللهو لذات.
(٢) بعض أبيات القصيدة في قلائد الجمان لابن الشعار ٢: ١٠١ - ١٠٢.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
سَمَاؤها الدَّوْح تبْدِي الزُّهر من زَهْرٍ … وأرْضُها كيف سَارَ الطَّرْف رَوْضَاتُ
تُدير فيها شمُوسَ الرَّاحَ في فلكٍ … من الزُّجَاجَةِ أقْمَار مُنِيراتُ
يِاقُوتة تُجْتَلَى من دُرَّة ولها … لآلئٌ من حبَابٍ مُسْتَدِيراتُ
رقَّتْ وقد سَفَك الرَّاوُوْق من دَمهِا … الحَرَام ما حَلّلَتْ منه الإرَاقاتُ
من حيثُ حلَّتْ عِقَال العَقْل قَيَّدها … التَّحْرمِ وانْطَلَقَتْ عنها الإباحَاتُ
دَارَتْ عليِها رَحَى الأدْوَار جَاهِلةً … منها بما علمَتْ منها الدِّيَاراتُ
كَرميَّة كَرُمتْ صَوْنًا متَى فقَدت … حَشَا الأبَارِيق صَانَتْها الحُشَاشاتُ
لو أَنَّها كُنِيَت من حَيْثُ ما اعْتُصرت … أم العَنَاصِر لَم تُخْطِ الكِنَاياتُ
هَوَىً وماءٌ ونارٌ والآناءُ لها … من جَوْهَر التُّربِ فهي الاسْتُقُصَّاتُ
مَتَى أغَار عليها الماءُ غار لها … من سُخْطها زرَدٌ تَحْكِيه مِيْمَاتُ
تُجْلَا على الشَّرْب في شُرْبٍ تُمَزّقُه … الأَفْوَاهُ وهو بأعْلَى الجام جَامَاتُ
يُحْنَى عليها فَنُحْبَى من لذَاذتها … مَوْتًا ونَشْرًا فأحْيَاءٌ وأمْوَاتُ
ونحنُ في جَنَّةٍ ما فاتَ سَاكنها … فيها نَعِيمٌ ولا تَعْرُوهُ (a) آفاتُ
قد أبْدَعَ اللّهُ فبها كُلَّ رَائِقَةٌ … تَنَاوَحَت (b) فنَوَاحِيْها بَديْعاتُ
نَمارقٌ وزَرَابِيٌّ مُفَوَّقةٌ (c) … نَسْجُ الرَّبِيْع لرَائيها أَنَيْقَاتُ
حَيًا يَطِيْبُ ووَرْدٌ يَانِعٌ شَبِمٌ … وجَنَّة أُمِنَت فيها الجِنَايَاتُ
للعَيْن مِن عَيْنها مُسْتَوقَفٌ بَهج … وللمَسَامِع ألْحانٌ وأصْوَاتُ
ما أَعْرَبَتْ قَيْنَة إلَّا شَدَا (d) طَرَبًا … من أَعْجَم الوُرْق في الأوْرَاقِ (e) قَيْنَاتُ
وللنُّفُوس لما تَخْتارُ أَنْفَسُه … من صَالِحٍ لا تُدَانيهِ الدَّنيِّاتُ
كأنَّها دَوْلَهُ الغَازِي التّي كَمُلَتْ … وَصْفًا وعمَّت رَعَاياهُ (f) الرِّعَايَاتُ
_________________
(١) (a) ابن الشعار: واتته. (b) ابن الشعار: فأوحيت. (c) ابن الشعار: ملفقة. (d) ابن الشعار: شدت. (e) ابن الشعار: الأغصان. (f) ابن الشعار: رعاياها.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
الظَّاهِرُ المَلِكُ (a) المخلُوق من مَلَكٍ … ومن أيادِيه أنْوَاءٌ مَطِيْراتُ
تَخَافُه الأُسْدُ في الأخْيَاسِ مُشْبلةً … وتَستَحِي من حَياهُ المُسْتَهلَّاتُ
تَاهَتْ بدَولَته الدُّنْيا وجَمَّلهَا … آثَارُهُ ومَسَاعِيهِ الأبِيَّاتُ
يَمحُو ويُثْبتُ أرزَاقَ الورى بيَدٍ … لا زَالَ فينا لها مَحْوٌ وإثْبَاتُ
عَدْلٌ وحلْمٌ ورَأيٌ ثَاقِبٌ وَسُطًا … تُغْنِي بتَدْبيرها في الرَّوْع رَاياتُ
وهمَّةٌ هامَةُ الجَوْزَاءَ تَحْسُدها … وعَزْمَةٌ تَتَوقَّاها المنيَّاتُ
مَنَاقِبٌ لوحَوَتْها الشُّهْبُ ما خَفِيَتْ … وأظْهَرَت ما أجَنَّتْهُ الظُّهَيْراتُ
وطِيْبُ نَشْرٍ به الأقْطَار في قُطُرٍ … تراوح الريحّ طِيْبًا منه فوْحَاتُ
لا غَرْو ويأسَفُ عصْرٌ قد خَلا أسفًا … عَصْرًا بنُوه الخِلَالُ اليُوسُفِيّاتُ
إذ بدا اللَّيْل نقْعًا والرّعُود صَهِيْلُ … الجُرْد والبَرْق بِيْضٌ مشْرَفيَّاتُ
والسَّمْهَريَّة كالأشْطَان وَارِدَة … خِرْصَانُها شُرَّعٌ والسُّحْب هَامَاتُ
أبدًا محيَّاهُ بَدْرًا والمُلُوكُ له … أهَلَّةٌ تُجْتَلَى واللَّثْمُ هَالَاتُ
من إخْوَة يتوخَّى أنْ يعودَ لهم … إشْرَاقُ مُلْكٍ له في الغَرْب عَادَاتُ
هُمُ المُلُوكُ وأبناءُ المليْكِ وإخْوَ … انُ المَلِيْلى وحَسْبي والتَّحِيَّاتُ
يَتَلوهُمُ أُمَرَاءٌ كالليُوث لها … في مَوْقفِ الرَّوع وَقْفَاتٌ ووَثْباتُ
أُسْدٌ لها السَّرْدُ لبْدٌ والظُّبَى عِوَضٌ … من البَرَاثِن والأرْمَاحُ غَاباتُ
عَلَامَ لا يُعْجزُ الوُصَّافَ وَصْفُهُم … وهُم بمُلْكك في الدُّنْيا عَلَاماتُ
ما يَمَّمَتْ بلِوَاءٍ منْك دار عِدَىً … إلَّا وسَامَ (b) لها التَّدْبِير شيمَاتُ
وما الشَّام الّذي جَمَّلْت بل لك من … حُسْنِ المَسَاعِي بوَجْهِ الأرْض شَامَاتُ
يا أيُّها المَلِكُ السُّلْطانُ لا برحَتْ … تُهْدَى إليكَ التَّهَاني والمَسَرَّاتُ
هُنِيتَ بالنَّاصِر الثَّاني ودُمْتَ له … ما دَامَتِ الأرْضُ تَسْمُوها (c) السَّمَوَاتُ
_________________
(١) (a) ابن الشعار: الظاهر الظاهر، مكررة. (b) ق: وسار. (c) ابن الشعار: تعلوها.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
يُرِيْدُ: ابنه المَلِك العَزِيز.
مُلكٌ أبَى اللهُ إلَّا أنْ يكُون لهُ … جَدٌّ كجَدَّيهِ تَتْلُوهُ السِّيَادَاتُ (a)
تَاهَتْ بمَوْلده التّيْجَان وابْتَهَجَتْ … أَسِرَّةُ المُلْكِ والجُرْد الصَّفِيَّاتُ
ماذا يقُول الّذي يَتْلُو مآثِرَه … في مَشْهَد الحَمْد ما تُبْنى (b) المَقَالَاتُ
جُدُودُه أم أَبُوه أم عُمُومَتُهُ … أم الخُؤولَةُ إنْ لَم تَسْمُ حَالاتُ (c)
اسْتَعادَهُ المَلِك الظَّاهِر هذا البَيْت تَنْبيهًا للبَهْنَسِيّ على ذِكر جَدّه لأُمِّه المَلِك العادِل، وذِكر أخْوَاله الّذين المَلِك الأشرَف أحَدُهم.
لا زلْتَ في دَوْلةٍ بالسَّعْد دَائِلَةٍ … جَدِيْد عُمْر تُوَاليكَ السَّعَادَاتُ
ما أَسْفَر الصبْحُ عن لَألاءِ دَاجِيَةٍ … وأظْلَمَتْ وتلَتْ ضوْءًا دُجُنَّاتُ
وسَمِعْتُ سَاطِع بن عَبْد البَاقِي يُنشدُ المَلِك الظَّاهِر لنَفْسِه، أوَّل يَوْم من شَهر رَمَضَان من سَنَة اثْنَتي عَشرة وسِّتمائة بدَارِ العَدْلِ قَصِيدَةً منها: [من الطويل]
تَحِيَّةُ مَمنُوعٍ لَذيذَ حَياتِهِ … مشُوْقٍ إلى حَيِّ الحَيَا وحَيَاتهِ
سَلِيم أسىً قد أسْلَمَتْهُ أُسَاتُهُ … فمَنْ لعَلِيْلٍ دَاؤُهُ مِن أُساتِهِ
أسَأتمْ بِهِ ظَنًّا وأحْسَنَ ظَنَهُ … بإحْسَانِكُمْ والعَفْوُ عن سَيِّئاتِهِ
لئنْ حَسَرتْ أيْدِي الملالِ قِنَاعَهُ … فقد نشَرَ المَطْويَّ مِن حَسَراتِهِ
يُواصِلُ بالشُّكْرِ الجَزِيْلِ صِلَاتِكُمْ … ويَدْعُو لكُمْ في صَوْمِهِ وصَلَاتِهِ
وفي فيهِ مِن ذِكْرَاكُمُ ما تَعَطَّرَتْ … فَيَافِي الفَلَا طِيْبًا لطِيْبِ شَذَاتِهِ
هُوَ الدَّهْرُ أصْمَاهُ بسَهْمِ بِعادِهِ … وأخْنَى عليهِ عَامِدًا بِهَنَاتِهِ
فحَيُّوهُ من إنْعَامِكُمْ لا عُدِمْتُمُ … حيًا مُنْبِتـ[
_________________
(١) ًا] للحَمْدِ طُولَ حَيَاتِهِ فَقَدْ فاءَ إذ كادَت تَفُوتُ حَيَاتُهُ … إلى مَلِكٍ يُحْييهِ بَعْدَ وَفَاتهِ (a) ابن الشعار: السعادات. (b) ابن الشعار: لو تغني. (c) ابن الشعار: حسبي والتحيات.
[ ٩ / ٣٣١ ]
أنْشَدَنا سَاطعُ بن عَبد الرَّزَّاق (a) بن أبي حَصِيْن لنَفْسِه في الحَاضِر السُّليمَانِيّ بِظَاهِر حَلَب (^١): [من الطويل]
دَعَاهَا فبرق الأبرَقَيْن دَعَاهَا … أيا حَادِييَهْا والغَرَامُ دَعَاهَا
ذَراها تُبَاري الرِّيح نحوَ مَرَامها … فجَذبُ البُرى عمَّا تَرُومُ بَرَاهَا
ولا تَلْوِيَاها أنْ تُحاوِل باللِّوَى … دُيُونًا لها بعدُ المَزَار لَوَاهَا
ألَم تَرَياها كالحنَايا وفي السُّرَى … سِهَامًا ورَامٍ بالحَنِيْن رَمَاهَا
مَرَضَ سَاطع بن أبي حَصِيْن بحَلَب في بَعْض شُهُور سَنَة إحدَى وعِشْرين وسِّتمائة، وحُمِلَ إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، فماتَ في الطَّريق بين مَعَرَّةَ النُّعْمَان وحَلَب في السَّنَة المَذْكُورة، ﵀ (b).
_________________
(١) (a) هكذا سمى والده: عبد الرزاق، وتقدم في طالع الترجمة وفي ثناياها: عبد الباقي، وتقدم ذكره عند ابن العديم في ترجمة أبي العلاء المعري (الجزء الثاني) باسم: ساطع بن عبد الرزاق ولقَّبه بالعماد، ونصّ كلامه: "سَمعتُ العِماد ساطع بن عبد الرَّزَّاق بن المُحَسِّن بن أبي حَصيْن المَعَرِّيّ يقول .. ". ولم يُنبه ابن العديم على هذا الاختلاف في اسم أبيه إلا أن يكونا اثنين، ولعلهما أَولاد عمّ؛ فإنَّ الصفدي ترجم لائنين من أولاد أبي حصين المعريّ، ترجم لأبي يعلي عبد الباقي بن أبي حصين المعري (الوافي بالوفيات ١٨: ٢١ - ٢٣)، وترجم لأبي غانم عبد الرزاق بن عبد الله، القاضي أبو غانم بن أبي حصين المعري (الوافي بالوفيات ١٨: ٤٠٧)، وذكر الصفدي أنهما أخوة، وورد اسم الثاني منهما في النجوم إلى الزاهرة لابن تغري بردي (٥: ١٥٩)، وسماه: عبد الرزاق بن عبد الله بن المحسن، أبو غانم التنوخي المعري (ت ٤٨٩ هـ). (b) ق: رحمه الله تعالى.
(٢) الأبيات في قلائد الجمان ٢: ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي