قال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٩): قد كان أبو الشيخ من العلماء العاملين، صاحب سُنَّةٍ واتَّباع، لولا ما يملأُ تصانيفه بالواهيات.
وهذا الأمر لا يختص به، بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية إذا ساقوا
[ ١ / ٤٤ ]
الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا منه.
وأفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المنهج ارتآه كثير من المحدثين، يروون جميع ما في الباب، لأجل "المعرفة" بذلك، وإن كان لا يحتج إلا ببعضه.
فقال في "منهاج السنة" (٧/ ٣٨): "روي أبو نعيم في أول "الحلية" أحاديث بعضها صحيحة، وبعضها ضعيفة، بل منكرة، …، لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب، …، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته، بل يعتقد ضعفه؛ لأنه يقول: أنا نقلت ما ذكر غيري، فالعهدة على القائل لا على الناقل".
وقال (٧/ ٣٩): " … وهذا وأمثاله جروا على العادة المعروفة لأمثالهم ممن يصنف في الأبواب: أن يروى ما سمعه في هذا الباب".
وقال في "الرد على البكري" (١/ ٧٨): " … لكن قد يروون في كتبهم الغرائب والمنكرات، والأحاديث "الموضوعات "للمعرفة بها".
وانظر "منهاج السنة" -أيضًا- (٤/ ١٥)، (٥/ ٧٩)، (٥/ ٥١٠)، "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٧ - ٧٢)، الاستقامة (٢/ ٦٨).
وقال الذهبي نفسه في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٩٧) أثناء كلامه على مصنفات أبي نعيم: "يعمل فيها الواهيات يكاسر عنها، كدأب غيره من المحدثين، والله الموعد".
بل ذكر في "الميزان" (١/ ٩٣): أن الكلام في الرواة والطعن فيهم بمثل هذا تعنت؛ فقال في ترجمة أحمد بن الحسين بن أبي زرعة الرَّازِي الصغير: "صدوق، ومن تكلم فيه تعنت؛ بأنه يكثر من رواية المناكير في تواليفه" اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٤/ ١٢٨): ترجمة سليمان بن أحمد الطبراني: "وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمي جمعه الأحاديث الأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدحُ في كثير
[ ١ / ٤٥ ]
من القدماء من الصحابة وغيرهم".
وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده باللّوم، بل أكثرُ المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلُمّ جَرّا، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم بَرِئوا من عهدته، والله أعلم.
وقال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٢٩٦): في أثناء كلامه على الحديث الموضوع، وإيراده من غير بيان أنه موضوع، وأن الاقتصار على إيراد إسناده لا يبرِّئ … من العهدة في هذه الأعصار؛ لعدم الأمن من المحظور به، قال ما نصه: "وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار في سنة مائتين وهلُّم جَرًّا، إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته
قال شيخنا -يعني ابن حجر-: وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان … ".