المقَدّمَة
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه السموات والأرض وصلح أمر الدنيا والآخرة، وأُصلي وأُسلم على النبي الأميّ محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فيروق لكثيرين أن يُسمي الفترة التي تمتد منذ القرن التاسع الهجري وما بعدها فترة "انحطاط" بالنسبة لحركة البحث والتصنيف والدراسة والاطلاع والعلم في جميع مجالاته، ويضيف آخرون أن فترة العهد المملوكي -في مصر والشام والحجاز- عانت من الانهيار في كثير من مجالات العلوم والفنون.
والمُراجع لهذه الفترة والمُتحقق لنوعية ووفرة العلماء والمصنفات فيها يصل إلى حقيقة مشرقة وهي أن فترات الركود ربما مرت على الحضارة الإسلامية لكنها لا تلبث أن تتجدد وربما عانت من نوع من التراجع لكنها تعاود النشاط بهمة جديدة وعقليات متطورة.
وأما الفترة التي عاشها المصنف -﵀- ٨١١ - ٨٦٤ هـ فقد عاصر فيها عدد من مشاهير سلاطين المماليك مثل المؤيد شيخ -٨٢٣ هـ والأشرف برسباي- ٨٤١ هـ، والظاهر جقمق -٨٥٦ هـ، والأشرف اينال - ٨٦٤ هـ.
ومن أشهر الوقائع التي أثرت في سير الأحداث وتأثر بها الواقع السياسي والعلمي في تلك الفترة الاجتياح العسكري الذي قام به تيمورلنك سلطان المغول عام ٨٠٣ هـ وبقيت آثاره ممتدة عدة عقود، ولا يزال المصنف
[ ٥ ]
-﵀- يكرر لفظ "الفتنة التمرية" أو "اللنكية" كما يسجلها ويجعلها تاريخًا يصنف الأحداث قبلها وبعدها فيقول أن ابن بهادر كان "كاتب السر قبل الفتنة" وابن كثير "عُدم في الفتنة" والمُناوي "مات في أسر تيمورلنك" وابن ركن الدين "مات في الفتنة".
وقد فصّلت كتب التواريخ والسير هذه الحركة العسكرية التي قام بها تيمورلنك حيث اجتاحت الأقاليم وأطاحت بالدول من أواسط آسيا إلى أطراف آسيا الصغرى مرورًا بالشام والعراق.
والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن صور ولقطات لمن عاصرهم المصنف -﵀- وعايشهم وتعامل معهم في الحجاز والشام والقاهرة، درس عليهم وقرأ مصنفاتهم ونظروا في كتبه وعلقوا عليها، فترجم لهم ما يراه وسجل عنهم ما شاركهم فيه من مجالات العلم والتعليم والقضاء والإفتاء.
فهو يقول في مقدمة كتابه "فهذا مختصر لطيف قصدت به ترجمة الأئمة من أصحابنا الشافعية المتأخرين وأعني بهم من أدركتهم واجتمعت بهم من العلماء البارعين وبعضهم مشايخي الذين أخذت عنهم العلم من أهل الفضل والعلم".
ثم يبين خطة عمله في الكتاب فيقول: "ثم اعلم أنني لا أُترجم إلا لمن تأخرت وفاته إلى هذا القرن التاسع ولو في أول سنة منه وقد أُترجم بعض من تُوفي قبله استطرادًا في ترجمة ابنه أو أبيه أو قريبه أو بلديه وقد أترك ذلك لمعنى لا يخفى على الحاذق، وقد أترجم بعض رفقتي ممن مات في زمني".
ومن أشهر الكتب التي دونت هذه المرحلة من التاريخ كتاب "إنباء الغمر بأبناء العمر" لابن حجر العسقلاني -﵀- ٨٥٢ هـ -المعاصر للمؤلف- فكثيرًا ما كان يكرر أقوال ابن حجر ويرددها وينقل نصوصه، والكتاب الآخر والذي جاء بعد المؤلف هو كتاب "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" للسخاوي -﵀- ٩٠٢ هـ. فقد شارك المصنف في ذكر كثير من تراجمه.
[ ٦ ]
ورغم شهرة آل الغزي وتكرر ذكرهم في كتب التراجم والتواريخ إلا أن مصنف الكتاب -رضي الدين الغزي﵀ لم يُسبق تحقيق كتاب من مؤلفاته، وسبب آخر أكد العزيمة بالعمل في هذا الكتاب أن مجموعة من التراجم الذين ذكرهم المصنف -﵀- في كتابه هذا لم تذكر في أي مصادر أخرى حسب علمي والله أعلم مما يجعل هذا الكتاب المصدر الوحيد لهم. والله المستعان.
المحقق