كانوا جماعة من الأكابر والأفاضل، وأغلب ربع زميج من أملاكهم، وهم أسلافي عن طريق الوالدة، وكان جدي هو الرئيس العالم أبا القاسم علي بن أبي القاسم الحسين بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن طاهر بن أحمد بن مسكوب البيهقيّ؛ وأبو الطيب طاهر بن أحمد الفقيه يروي عن خاله الفضل بن المسيب. توفي في مسكنه بيحيى آباد من توابع بيهق في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وهو ابن أخ عبد الله بن طاهر بن أحمد الفقيه، ابن عم الشيخ أبي الحسن البيهقيّ.
[١٠٨] وكان الشيخ أبو القاسم الحسين بن أبي الحسن البيهقيّ رجلا شجاعا وشهما وعزيزا محترما، وأمه هي بنت أبي الفضل بن الأستاذ العالم أبي بكر الخوارزميّ، والأستاذ العالم الفاضل أبو بكر الخوارزميّ هو ابن أخت محمد بن جرير الطّبريّ المؤرخ الذي يعزى إليه تاريخ جرير (الجريري) والتفسير، وقد ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في تاريخ نيسابور «١»، ولمصنف هذا الكتاب عرق نزّاع لتصنيف
[ ٢٢٤ ]
وتأليف التواريخ، وقد قيل إن العرق دساس، قال أبو بكر الخوارزميّ:
بآمل مولدي، وبنو جرير فأخوالي، ويحكي المرء خاله
وأشعار ورسائل ومصنفات أبي بكر الخوارزميّ منتشرة في العالم.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ في تاريخ نيسابور: ما زال أبو بكر يذاكرني بالأسامي والكنى والألقاب والمجروح والمعدل من رواة الأحاديث، وأخبار مشايخ المحدثين حتى أتحير في حفظه وفهمه وعلمه «١» .
توفي أبو بكر محمد بن العباس الطّبريّ الخوارزميّ في شهر الله المبارك رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة.
وكان الكوفج الذي يدعون بالقفص قد هجموا على هذه الولاية في ذلك التاريخ، وقد قتل جماعة من الدهاقين في حرب القفص، الشيخ أبا القاسم بن أبي الحسن البيهقيّ، ومعروف أن ذلك القتل كان عمدا وليس خطأ، في يوم الأربعاء التاسع من رمضان سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وقد قتل خمسة وسبعون شخصا اقتصاصا لدمه كانوا شركاء في قتله وقتل ابنه أبي منصور.
وكان لجدي الرئيس العالم أبي القاسم علي بن الحسين البيهقيّ القرار المكين في ذلك التاريخ، وكان قد جاء إلى عالم التكوين والتكليف ليلة الأحد الرابع من محرم سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وقد اتفق أن ولد السيد الأجل الزاهد ركن الدين أبو منصور ﵀ في تلك الليلة.
وأما والدة جدي الرئيس العالم أبي القاسم فهي بنت الشيخ الأصيل أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد البازارقان، وهي حفيدة أبي عبد الله محمد بن يعقوب الفارسيّ
[ ٢٢٥ ]
صاحب ديوان نيسابور، وكان ابنه الفضل بن محمد بن يعقوب قد تولى منصب الوزارة [١٠٩] وهو متصل عن طريق والدته بالميكاليين، وبحكم قرابته من الأمير حسنك الميكالي، فقد أسقط عنه الخراج من ربع زميج وكان أخوه أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البازارقان صهر الشيخ أبي الفضل بن الأستاذ العالم أبي بكر محمد بن العباس الطّبريّ الخوارزميّ.
توفي الشيخ الأصيل أبو الحسن البازارقان يوم الاثنين التاسع من شعبان سنة سبع وخمسين وأربع مئة، رحمة الله عليه.
وتوفيت ابنته أم جدي يوم الأربعاء الثاني والعشرين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وولد ابنه الفقيه أبو سعيد الفضل بن علي في الثالث عشر من رجب سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، وتوفي ﵀ في شوال سنة ست وعشرين وخمس مئة.
وقد قام الشيخ أبو الحسن البيهقيّ بمهام السفارة وحمل الرسائل من ملوك آل سامان إلى دار الخلافة.
والعقب منه: أبو القاسم الحسين الشهيد، وأبو سعد الحسن، وقد صار أبو سعد هذا عدة مرات نائبا عن عميد خراسان محمد بن منصور النسوي «١» في نيسابور، وذهب معه في ركب السلطان ألب أرسلان لغزو الروم، وقد جلب الكثير من المماليك.
والعقب من الشيخ أبي القاسم الحسين الشهيد: جدي الرئيس العالم وحده.
والعقب من أبي سعد الحسن: علي ومحمد وبنات.
ومن أحفاده: بدر الدين أصيل خراسان إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل الدّيوانيّ، وكان إسماعيل الدّيوانيّ المتقدم ذكره- وهو جد إسماعيل هذا- عالما معروفا، وذكره موجود في تاريخ المحموديين للشيخ أبي الفضل البيهقيّ «٢» .
[ ٢٢٦ ]
وقد قيل إنه اجتمع في مجلس عزائه: الوزير [أبو] المظفر البزغشيّ «١»، وقاضي القضاة أبو الهيثم، وقاضي القضاة صاعد، ولما هم الوزير [أبو] المظفر بالانصراف والركوب، أخذ قاضي القضاة أبو الهيثم ساعده وأعانه على الركوب.
وكان جدي الرئيس العالم أبو القاسم البيهقيّ من أحرار الدهر، وأفاضل العهد، وقد ذكر له في الكتب هذه الأبيات من شعره «٢»:
[١١٠] نصيبك من قلبي وروحي وافر وفي الحب قد أقللت منك نصيبي
ومن أجل أني قد أحبك خالصا أرى الناس أعدائي ولست حبيبي
ألمّ بقول القائل:
* لقد جعلت هذه اللمحة التي رأيت وجهك فيها جميع الخلق أعدائي، ولم تصبح أنت حبيبي
وقال في رثاء ولده أبي شجاع الحسين:
إذا تذكرت أياما مضين لنا بكيت من فرط أحزاني على ولدي
بكى فؤادي على نجلي ولا عجب بكاء قلبي من حزني على كبدي
ومن منثوره: الدهر يصون ثم يخون؛ ويربي ثم يردي، ويهدي ثم يضل، ويعز ثم يذل؛ ويرفع ثم يخفض، ويبسط ثم يقبض؛ وفيه يفسد ما كان وما يكون، ومن
[ ٢٢٧ ]
عرف ذلك فإن كل عسير عليه يهون؛ والراحة موصولة بالعناء، والبقاء مقرون بالفناء؛ والملك سبب للعزل، والجد موجب للهزل؛ فرحم الله امرءا نظر لغده، وما جر المهالك إلى نفسه بيده؛ ونظر إلى الدنيا شزرا، وعلم أن مع مدّها جزرا، والسلام.
وذهب يوما إلى ديوان عميد الملك سيد الوزراء أبي نصر الكندريّ «١» - وكان المجلس غاصا بكبار الشخصيات-، فأشار بيده إلى عميد الملك، وبدأ بتلاوة هذه الآية وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ
«٢»، فاغرورقت أعين جميع الحاضرين فجأة بالدموع ونالوا نصيبهم من تلك الموعظة، وكلما أراد عميد الملك أن يخلع عليه رفض قائلا: إنني أريد إنعاما عاما، وهو العدل، وليس الإنعام الخاص، لأن الإنعام الخاص لا يثمر شيئا في أيام [١١١] الظلم والجور، بينما كان الإنعام العام سبب عمارة العالم، فقال عميد الملك:
إنه لمن المؤسف، إن يقيم من هو مثلك في الرستاق «٣»، فقال: أيها الوزير: إن الطريق من كل البقاع والمواطن إلى عرصات القيامة واحدة، وليس هناك طريق أبعد أو أقرب من غيره، فبكى عميد الملك طويلا وأمر أن يغلق الديوان إلى آخر ذلك اليوم.
فلما أراد جدي الانصراف قال: أيها الوزير! لا تغفل عن تلك النار ذات اللهب المتصاعد، ولا تجعل حطام دنياك وقودا لنار جهنم، واعلم أن لنفسك عليك حقا، وحقها أن تعتقها من عذاب الله تعالى بما أعطاك الله.
وقد كتب الوزير أبو العلاء محمد بن علي بن حسول «٤» - الذي كان وزيرا لمجد
[ ٢٢٨ ]
الدولة [البويهيّ]، وجعله السلطان محمود بن سبكتكين عند ما استولى على بلاد الري كاتبا، وقد عمر طويلا- إلى جدي هذا رسالة أجاب فيها على رسالة منه، وهذا هو نصها:
وقفت على الفصل الذي أفردني به الرئيس العالم، أدام الله نعمته، فذكرنيه العهد المتقادم، وإن لم أنسه ساعة من الدهر، ولحظة من العمر؛ وبي من شوقي إليه ما كادت له الأحشاء ترجف، والدموع تنطف، إذ كان الاجتماع والشباب غض لم تخلق بروده، والمشيب غريب لم تقبل وفوده؛ وها أنا قد بلغت من العمر سواحله، وعطلت أفراس الصبا ورواحله؛ ثم وقفت على ما صرف فيه القول من كلام بمثله تشب نار النزاع في أثناء الجوانح، ويستزل العصم العواقل إلى سهل الأباطح؛ فثملت شعفا، واهتززت شرفا؛ وقد فوضت الوزارة إلى فلان، وأسدف بانتصابه هذا المنصب العظيم، والمقام الكريم، ولولا تلافيه الفضل وأربابه لضرعت خدودهم، وتبعت جدودهم؛ إذ كان الأمر قد أفضى إلى قوم عدوا الأدب ذنبا غير مغفور، وأهملوه ربعا غير ممطور؛ فحمى الله به مكانه، وشيد أركانه؛ وأعاد مجاهله معالم، ومغارمه مغانم؛ حتى وقفت عليه آماد الأمل، وضربت إليه أكباد الإبل. وهي رسالة طويلة، ونكتفي بهذا القدر منها.
[١١٢] ولما زين نظام الملك الوزارة بكفاءته، ذهب أي أبو القاسم البيهقيّ إليه في مجلسه وقال له: أيها الوزير! اسمع قول الله تعالى حيث قال تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا
«١»، وهناك حجابان اثنان يمنعان من سعادة الآخرة: طلب الجاه والرفعة ونفاذ الأمر والهوى، والانقياد للشهوة، فأجهد نفسك على أن لا تجمع هذين السدين، لأن علو المقام مساعد على أن يغلق سدّ الفساد الطريق عليك.
[ ٢٢٩ ]
فلم ير نظام الملك بعد هذا منشغلا بشرب الخمر وقضاء شهوة على خلاف الشرع قائلا: يكفي سد واحد.
وقد طلب نظام الملك منه أن يقيم معه في الديوان، فرفض قائلا: إنه سيضرني ولا ينفعك.
والعقب منه: أبو شجاع الحسين، وأبو منصور المظفر، ووجيه العلماء أبو نصر أحمد، وبنات، عاشوا وجاوزوا عقبة الستين والسبعين، ولم يبق لهم عقب.
توفي جدي أبو القاسم ﵀ سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة.
وتوفي خالي الرئيس المكرم أبو منصور المظفر، في شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وخمس مئة.
وأما وجيه العلماء أحمد الذي كان صاحب أدب جزل، وقول فصل، وحافظا لكتاب الله تعالى، وعالما بعلوم القرآن، فقد توفي في شهور سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، ومن منظومه وهو يرثي أخاه أبا شجاع الحسين رحمة الله عليه:
بأن الحسين أخي عني فوا حزنا منه ووا أسفا أن لم أمت أسفا
قد كان درا يتيما لا نظير له فأصبحت جنة المأوى له صدفا
وقال أيضا وهو يرثي أخاه أبا منصور:
أبو منصور القرم المرجّى مضى وأنا قرين الاكتئاب
وقد دخلت- إذا أمسى دفينا- عليّ إساءتي من كل باب
وإني في الجعاب بقيت سهما سيكسرني الزمان ولا يحابي
[ ٢٣٠ ]