يعتبر بيت فولادوند أشرف بيوتات الديالمة، وكذلك بيت دروداوند، ولما بلغ
[ ٢٠٥ ]
فولادوند العالم المئة من عمره، وقوّس الدهر ظهره، وضعفت حواسه، اتفقت كلمة الديالمة على أن كل من رضي أن يضع صدره لطعنة المزراق «١» هدفا، ولم ير في الموت عارا، فإن السيادة والرئاسة تكون وقفا على أولاده وأحفاده، ولا أحد يخلع ربقة الطاعة لهم.
كان فولادوند هرما، شارفت أيامه غروب العمر، فقبل ذلك قائلا، بقي القليل من عمري، وليس أفضل في هذا العمر الذي يتصرّم ساعة فساعة، من أن أبيعه بالسيادة والرئاسة لأولادي إلى يوم القيامة، ثم أسلم نفسه، وجعل صدره هدفا لذلك المزراق، وتناول شراب تلك الضربة بابتهاج، إلا أن الحق تعالى لم يكن مقدرا أجله آنذاك، ونعم المجنّ أجل مستأخر- فإن الخلائق عاجزون عن دفع الأجل المسمى، وهم أشد عجزا عن تقديمه- ولم يمت ثم عولج وعاش أعواما بعد ذلك، وسلمت لأبنائه السيادة والتقدّم على الديالمة.
وكان له ابنان اثنان: كياكي وفيروزان، والعقب من كياكي: ما كان، ومن فيروزان: نصر بن الحسن بن فيروزان، وكان مقدم الديالمة، ذكر في كتاب مزيد التاريخ «٢» أن نصر بن الحسن هذا قد وصل خراسان في ابتداء دولة المحموديين، وأقام في قصبة جشم، حيث كانت نفقاته ونفقات عسكره مؤمنة من القصبة، ثم إنه اتصل بهم عن طريق المصاهرة. وهؤلاء الأكابر من أبنائه من جانب الأم، وكان الفقيه الرئيس أبو عبد الله من أبنائه وأحفاده، ولهذا السبب كان ملوك ذلك الزمان يعرفون له السعي المشكور، ويذكرونه بالمحامد والتشريف.
[ ٢٠٦ ]
[٩٤] وقد ظلت رئاسة بيهق في ذلك البيت، كما ظلّ ميراث الشعر في بيت حسان الذي كان أولاده إلى يومنا هذا شعراء، ببركات كون حسان مادح المصطفى.
انتقلت الرئاسة بعد الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى، إلى الرئيس أبي سعد المظفر بن محمد بن الحسن «١» وهو صهره.
ثم صارت مدة إلى الرئيس حمزة بن محمد «٢»، وهو ابن الفقيه الرئيس أبي عبد الله الذي كان مقامه في خسروجرد، وأرسل ابنه الرئيس حمزة هذا إلى رئاسة تبريز ومراغة، حيث بقي هناك.
وقد شمل نظام الملك برعايته وعنايته الرئيس أبا سعد صهر الفقيه الرئيس أبي عبد الله، بما يعجز عن وصفه الشرح والبيان.
رعى الرئيس أبو سعد المعوزين والمحتاجين، وكان نشر العدل من عاداته، ولهذا كان نظام الملك يذيع مفاخره على الملوك والرؤساء.
قال الشيخ علي الشّجاعيّ قصيدة في مدحه، أولها:
* تتجه الشمس دوما صوب الأعالي غير أن الشمس والقمر قد اختفيا الآن
كأنك الشمس ونسيم السحر أريجك وهذا الروح ورياحين الربيع العديدة الألوان
أخذت روائحها من يد السيد أبي سعد المظفر حين يفتحها مانحا عطاياه
[ ٢٠٧ ]
السيد الذي ينعم في كل حين الفضل والأدب والعلم والحرية والمعرفة
يفيض سيل الكرام والجود من طبعه كما يتفجر الماء من فم القناة
إذا ما سقطت قطرة من يده على حجر نمت وردة بلا شوك في قلب الحجر الصلد
وللشيخ الرئيس أبي عبد الله أحمد الزّياديّ المعروف بخواجكك مدائح وأشعار كثيرة، منها:
[٩٥]
حلفت بربّ النجم والأنجم السعد لقد ساد أهل الفضل طرا أبو سعد
إذا احتجت في فطر إلى عطر إذخر فتقت سجاياه فأغنت عن النّدّ
وإن عنّ محذور تعوّذت باسمه فأصبح بيني والمكاره كالسّدّ
وأخرى في مدحه يقول فيها:
إذا قيل من في الأرض للجود والبذل وللدين والتقوى وللفوز والفضل
وللحسن والإحسان والرأي والنهى وللفضل والإفضال والقسط والعدل
أحبت هو الشيخ الرئيس أخو العلى أبو سعد المشهور في الوعر والسهل
لقد كان من شخص العلى حرّوجهه وغير أبي سعد غدا أخمص الرّجل
انتقل الرئيس أبو سعد هذا إلى جوار رحمة الخالق في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة، وجلس في مكانه ابنه جمال الرؤساء أبو علي الحسين.
[ ٢٠٨ ]
فإن يك عتّاب مضى لسبيله فما مات من يبقى له مثل خالد «١»
وقد تجاوزت راية رعاية الرئيس أبي علي هذا لرعاياه كوكب زحل، ونقشت آثار كفايته وهدايته على صفحات العصر، وساس هذه الناحية- بيهق- بالإنصاف، وتوفي ليلة السبت فجأة بدون مرض في السابع من ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وقيل إنه أصيب بالسكتة «٢»، ودفنوه من غير أن يعلموا ذلك، ودامت مدة رئاسته عشرين عاما، وقد أنشد الدهر في رثائه هذه الأبيات:
كان الذي خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا
[٩٦]
أمسى المرجى أبو علي موسّدا في الثرى دفينا
حتى استوى وانتهى شبابا وصدّق الرأي والظنونا
أصبت فيه وكان حقا على المصيبات لي معينا
وكان له أخ يدعى فخر العلماء أبا عبد الله محمد بن المظفر «٣»، وهو رجل عالم وفاضل وزاهد ومفضل، معروف بالصيانة ونزاهة النفس، وكان كلما رأى أبي أو رآني قال: صداقة الآباء قرابة الأبناء، وله هذان البيتان في حق أبي:
[ ٢٠٩ ]
ورث الإمامة زيد بن محمد عن جدّه وأبيه بالإسناد
أضحى كمثل أبيه أوحد عصره وكجده فردا من الأفراد
وقد قال فيه الأفاضل مدائح كثيرة، منها تلك التي قالها نادر الدهر جعفر الحاكم الزّياديّ «١»، وفيها يقول:
فتى فتحت بنائله الأماني كما ختمت بسؤدده الرقاب
يزين قديمه شرف حديث فقل في الجيد زيّنه السّخاب «٢»
وقول الشيخ الرئيس العالم محمد بن منصور بن إسحاق «٣»:
رئيس لو العيّوق ينشد مدحه لكان على الشهب الثواقب سيدا
هو البحر والضر غام والشمس في الضحى علاء وبذلا واقتدارا على العدى
ولفخر العلماء ابن اسمه حمزة درج ولم يعقب، ومخدّرة في حبالة السيد الأجل العالم المرتضى السعيد العزيز بن هبة الله.
مضى فخر العلماء لسبيله في سنة تسع وخمس مئة، وكان للرئيس جمال الرؤساء أبي علي ابن هو الرئيس الأجل شمس الأمراء زين المعالي أبو الحسن علي بن الحسين بن المظفر بن [محمد] بن الحسن.
وكان شابا له جمال يوسف وصباحة نصر بن الحجاج وملاحة سيف بن ذي يزن، وشجاعة رستم، وهمة إسفنديار، [٩٧] وقد عمرت آثاره وشمائله أطراف هذه الناحية، ودعا العمال من الأطراف بلطفه وسخائه إلى صداقته وطاعته، لبس
[ ٢١٠ ]
أهل الناحية في عهده الميمون وأيامه السعيدة ملابس الأمن والأمان، وصل الصغار والكبار بظل إقباله إلى مناهم، واستجاب لنداء الضعفاء والمساكين بتخليصهم من أيدي أصحاب القلاع «١»، واتجه لحربهم مرات عديدة، ومنها حينما هجم فوج منهم بغته على ششتمد ليلة عيد الأضحى في سنة سبع وتسعين وأربع مئة، قتلوا حاكم القرية المعلى بن أبي الفتح المظفر بن أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد البازرقان مع عشرين دهقانا مسالما، وهم الشيخ أبو الحسن بن مسعود بن أبي الحسن البازرقان، والشيخ أحمد بن أبي سعدك، ومحمد بن القاسم، وأخوه علي بن القاسم، وعلي ومحمد وإسماعيل أبناء أبي الحسن بن محمد بن إسحاق، ومحمد بن أمير، وأخوه أبو الحسن، والحسن بن أحمد النجار، وغيرهم، وكان هؤلاء قد غادروا القرية، فالتقوا على نشز من الأرض بين ششتمد وزميج، وقتل هؤلاء العشرون هناك، فنزل الغم على أهل هذه الناحية، وتغلبت لواعج هذه المصيبة على العزائم القوية، ورفعت الستار عن الصبر والتحمل، فالتجأ الجميع إلى رب العزة وطلبوا العون من هذا الأمير، فنهض للانتقام، وأدى ما عليه من شرط حظ الرعايا ودفع الأذى عنهم، وزين أيامه بهذا المسعى؛ ثم جمع جيشا جرارا من المشاة والفرسان، وقصد قلعة بيار التي كان مستحفظها علي بن حميد البياريّ، في شهر شوال.
وفي ذي القعدة سنة إحدى وخمس مئة جاء رجل عجوز إليه وقال إنه يحمل رسالة من الري، وبهذه الحيلة وصل إليه وطعنه بسكين فجرحه، فلم يبق بعد هذا الجرح إلا أياما، وتفرق عسكره عن تلك القلعة، وابتلي بالكسوف نور شمس
[ ٢١١ ]
الأمراء، [٩٨] وحجب ضوء ذلك القمر بغيوم الفناء، وقرأوا عليه إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
«١» .
* ذهب الذي سعد به الدين والدولة آجركما الله أيها الدين وأيتها الدولة
وقيل:
* عيوننا وقلوبنا مستودع للماء والنار حينما أصبحت شفتاه ورأسه طعمة للتراب والرياح
عقب وفاتك يا فخر البشر شاركتنا أركان العالم أحزاننا
وكان الإمام علي بن أبي صالح الصالحي الخواريّ قد بعث رسالة استغاثة إليه، ضمنها شكره لرئيس خوار الحسين بن سلم، وهذه القطعة التي أرسلها إليه:
الغياث الغياث زين المعالي من أناس تشبهوا بالسعالي
قسموا قسمة بها استأصلونا بفنون الإنزال والإجعال
وأذلّوا عزيزنا فكأنا بين أيديهم دروس النعال
غير أن الرئيس أعني حسينا قد رعى حرمتي وفيها سعى لي
فأعنّا بحسن رأيك فيها يا عزيز الندى كريم الفعال
وكان لهذا الأمير مع كل ما كان يتمتع به من وسائل الحياة وزينتها، طبع وقاد، وخاطر عاطر، وله أشعار كثيرة بالعربيّة، وعند ما بنى قصره، طلب إلى والدي أن يقول قطعة من الشعر تكتب على ذلك القصر، فقال والدي ﵀ هذه الأبيات على البديهة:
[ ٢١٢ ]
بنيت ضياء الدين يا خير من بنى على اليمن دارا دارة البدر دونها
وشيّدت بهوا بالبهاء متوّجا تفيض له زهر النجوم عيونها
يمينك فيها البحر بالعين مزبدا فما ضرّ أن لم تجر فيها عيونها
ومن نسيج خاطر هذا الأمير هذه الأبيات التي كنت قد أوردتها في كتاب وشاح دمية القصر، وقد قالها في جوابه للأمير الأديب أبي الحسن السّعيديّ:
[٩٩]
يا من صفا ذهنا ودرا وعلا الورى نظما ونثرا
أنظمت درا أم جلوت عقيلة أم صغت سحرا أم حكت وشي الروض غازله الندى طلا وقطرا
لله درك كيف قد أسكرتني ولم اسق خمرا
لما رحلت زعمت أنك لا تقيم هناك شهرا وحلفت بالأيمان يلزم حفظها سرا وجهرا أن تحفظ العهد المؤكّد لا تسوق إليه غدرا وقيل في حق أبيه جمال الرؤساء أبي علي:
لا زال جدّك دائم الإشراق وفضاء مجدك مشرق الآفاق
جعلت يد الأيام صفحة بدركم محروسة عن كف كل محاق
يفنى وينقطع الزمان وأهله ومديحكم بين الأفاضل باق
وقد بقي له ابنان اثنان: الأمير الرئيس الأجل ضياء الدين محمد، والأمير الرئيس الأجل جمال الدين أبو علي الحسين.
وأم ضياء الدين محمد، هي بنت الفقيه الأجل عبد الله أخي نظام الملك.
أما أمّ الأمير أبي علي، فهي أم ولد، وكانت أم أبيهما الأمير أبي الحسن أم ولد أيضا.
[ ٢١٣ ]
وقد انتقلت الرئاسة إلى فخر العلماء أبي عبد الله محمد بن المظفر إلى أن بلغ ضياء الدين محمد مبلغ الكمال.
وللأمير ضياء الدين محمد طبع رقيق في الشعر الفارسيّ، وقد بلغ حد الكمال في الشجاعة والسخاء.
إن الفضائل كانت فيه كاملة والنقص أجمع منه كان في العمر
***
زين الشباب أبو فراس لم يمتّع بالشباب «١»
ومن رباعيات الأمير السعيد محمد، هذه الأبيات السائرة:
[١٠٠] *
أيها البدر المنير، أصبحت مقوّسا كالهلال في مصابك وصرت كالظل حزنا عليك يا شجرة السرو الباسقة
يا شبيه الشمس صرت كالذر لفراقك وظهري منحنيا كحرف الدال حزنا عليك يا شبيه حرف الألف
وله:
* لم أنت يا قلب دائما في حرب معي حين تهيم بذؤابة تلك الحسناء؟
إنني أخشى عليك إن هربت مني أن تقع في شباك ضفائرها فتشنق بها
ولما عاد سلطان ذلك الوقت الأعظم السعيد سنجر «٢» ﵀ من مصاف العراق، وكان الأمير ضياء الدين في مجلس السلطان وقد حظي بشرف مؤاكلته
[ ٢١٤ ]
ومنادمته، قال:
* أنت الملك الذي أشار النبي إلى ملك أمته في آخر الزمان
أنت الفخر إلى يوم القيامة فأصلك وجوهرك من ألب أرسلان
واتفق أنني ذهبت في ذلك اليوم إلى الحضرة وقلت خطبة افتتحتها بهذا الحديث:
«زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» «١»، وشرحت ذلك بأن وصول ظلال الرايات السّلطانيّة إلى أطراف وأكناف العالم هو معجزة المصطفى، وأنه ﵇ قد أنبأ بهذا.
ثم إن الأمير محمدا ﵀، مرض في مسجد بناه صاحب جيش الإسلام عبد الله بن عامر بن كريز، في رزناباد الأعلى بناحية جوين، فلما نقل إلى قنوز آباد جوين، قضى نحبه وانتقل إلى العقبى في يوم الثلاثاء غرة ربيع الأول سنة سبع وعشرين وخمس مئة، ومات أخوه الأمير أبو علي في صفر سنة عشرين وخمس مئة، وكنت عند وفاة محمد في مدينة الري، وكتب لي صديق خبر وفاته في هذين البيتين:
* ذهب أمير العالم وخلّف اسمه المحمود وفي الجنة، قرأ منشور الدولة الأبدية
لم ير العالم مثل ذاته ما دام حيا إذ لم يبق في العالم رجل له هذه الذات
والعقب من الأمير الإسفهسالار الرئيس الأجل ضياء الدين: ملك الرؤساء أبو الحسن [١٠١] زنكي، وكانت ولادته في شهور سنة ست عشرة وخمس مئة، والعقب منه: الأمير محمد، وبنات درجن؛ والأمير الرئيس مؤيد الدين الحسن، وكانت ولادته في سنة ست عشرة وخمس مئة، وأمه أم ولد أخرى، والأمير الرئيس الأجل علي، وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة.
[ ٢١٥ ]
والعقب من الأمير السعيد أبي على الحسين بن علي بن المظفر: الأمير الرئيس الأجل جمال الدين أبو الحسن علي، وله عقب أيضا.
فصل: وقد اتصل السيد الأجل أبو الحسن بن السيد الأجل أبي جعفر بالمصاهرة بهذا البيت، وكانت والدة السيد الأجل ركن الدين هبة الله منهم، وكذلك جمال الرؤساء أبو علي نفسه وابن خالته السيد الأجل أبو منصور.
وكان أسلاف السيد الأجل أبي منصور ملوك خراسان وساداتها ونقباء أشرافها، ولهم من الملوك الطاهريين عرق نزاع، كما بينت ذلك بالتفصيل في كتاب لباب الأنساب.
فصل: وقد تزوج السيد الأجل ذخر الدين نقيب النقباء أبو القاسم زيد بن الحسن نقيب نقباء نيسابور، كريمة الأجل العالم شرف الدين ظهير الملك أبي الحسن علي بن الحسن البيهقيّ «١» .
مات السيد الأجل أبو محمد [الحسن بن] «٢» زيد الملقب بتاج الدين نقيب النقباء في شهور سنة اثنتين وعشرين وخمس ومئة.