﷽
(الْحمدُ لله الَّذي شَرَحَ صُدُور أهلِ الإسلامِ للسُّنة، فانقادت لاتِّباعها، وارتاحت لسماعِها، وأمات نُفُوس أهل الطُّغيان بالبدعةِ بعد أن تمادت في نِزاعِها، وتغالت في ابتداعِها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، العالم بانقياد الأفئدة وامتناعها، المُطلع على ضمائرِ القلوب في حالتَي افتراقها واجتماعها، وأشهدُ أن محمدًا عَبده ورسوله الذي انخفضت بحقه كلمة الباطل بعد ارتفاعها، واتصلت بإرساله أنوار الهُدى، وظهرت حجتها بعد انقطاعها، ﷺ ما دامت السماء والأرض؛ هذه في سمُوها وهذه في اتساعها، وعلى آله وصحبه الذين كسروا جُيُوش المَرَدَة، وفتحوا حُصون قلاعها، وهجروا في محبة داعيهم إلى الله الأوطار، والأوطان، ولم يعاودها بعد وداعها، وحفظوا على أتباعهم أقواله، وأفعاله وأحواله، حتى أمنت بهم السنن الشريفة من ضياعها.
أما بعد: فإنَّ أوْلَى ما صُرفت فيه نفَائس الأيام، وأعْلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام الاشتغال بالعلوم الشرعية، المتلقاة عن خير البرية، ولا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنّة المصطفى) (^١).
ذلك الكتاب الكريم، والذّكر الحكيم، الذىِ فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وفصْل ما بيننا، قولٌ فصلٌ، ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعى إليه فقد دعى إلى صراطٍ مُستقيمٍ، محفُوظٌ من عند ربنا تعالى،
_________________
(١) من مقدمة "هدي الساري" للحافظ ابن حجر.
[ ١ / ٥ ]
وكفى بالله حفيظًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
والسنة المُطهرة التي هي الحِكمة المُنزلة من الرّب جلّ وعلا، من أطاع صاحبها ﵊ دخل الجنّة، ومن عصاه فقد أبي؛ من تمسك بها نجا، ومن تركها ضل وغوى.
أسعدُ الناس بها، وأعظمهم أجرًا، وأرفعهم قدرًا من كان عنها منافحًا، ولصدِّ ما قد أُدخل فيها باع نفسه لله وتَجرَّدا.
نصرةً للدّين واحتسابًا، وطمعًا فيما أعدّه الله تعالى لعبَّاده المتقين نُزلًا ومآبًا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فلكلِّ ما قد ذُكر قام الأئمةُ الأجلاءُ الفحولُ الأقوياءُ في وجه المبطلين، فصنّفوا في ذلك مصنفات عدة؛ بيّنُوا فيها أحوال رواة أحاديث المصطفى، -لا يخافون في الله لومة لائم- فعدَّلوا خلقًا وجرَّحوا أُممًا.
نصرةً لدينِ ربِّ العَالمَينَ، وحمايةً لسُنَّة سيِّد المرسلِينَ، حتى صَفِي الكثير ولم يبق إلا النزر اليسير، فلم يحابُوا في دِينهِم ابنًا، ولا أخًا، بل ولا أبًا، فضلًا عمن بَعُدَ نسبا.
جرَّد الأئمةُ في ذلك الأقلامَ، -فضلًا عن اللسان-، فوقعتْ لهم مُصنفات -على فنونٍ متعددةٍ-، منها:
* ما كان كلامُهم فيها على الرّواة مجردًا.
* وأخرى اقتصر مصنفُوها على ترجمة رواة أسانيد كُتبِ مشتهرة.
* ومنها من اشتغل فيها مصنفوها بطبقة شيوخِ أحدِ الأعلام النّبلاء.
[ ١ / ٦ ]
قال الحافظُ ابن حجر ﵀ في "نزهة النظر" (ص: ١٩٩): (ومن المُهم في هذا الفنّ معرفةُ الأسماء المُجرّدة، وقد جمعها جماعةٌ من الأئمة، فمنهم من جمعها بغير قيد …، ومنهم من أفرد الثقات بالذكر …، ومنهم من أفرد المجروْحين …، ومنهم من تقيّد بكتاب مخصوص، …).
فنظرًا لهذا وذاكَ، بدأتُ العمل مستعينًا بالله جلّ وعلا بترجمةِ رواةِ أسانيدِ الأحاديثِ والأثارِ من كتابٍ عظيمٍ، جليلٍ مفيدٍ، يُعدُّ مرجعٌ من مراجعِ السنة الكبارِ، يَنقُلُ منهُ المحدِّث والخبري، والفقيهُ العالي، كتابٍ فيه كلّ عزيزٍ وفريدٍ.
أَلَا وَهُوَ: معاجِمُ الإمامِ الحافظُ الرّحالةِ أَبِي القاسِم أحمدَ بن سليمَان الطَّبراني ﵀ وغفر له-.
مُقتفيًا في تأليفي هذا آثار من سَلَفَ، غير مبتدعِ بدعةً لم يعرفها من قَدِم، بل بحذْوِهم احتذيْتُ، وقد (فعلناهُ لما رَجوْنا فيه من منفعةِ النَّاس، لأنّا وجدنا غير واحدٍ من الأئمةِ تكلّفُوا من التّصنيف ما لم يُسبقُوا إليه، منْهم هشام بن حسان، وعَبد الملك بن عَبد العزيز بن جُريج، وسعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، وعَبد الله بن المبارك، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ووكيع بن الجراح، وغيرهم من أهل العلم والفضل، صنفُوا فجعل الله في ذلك منفعة كثيرة فنرجُوا لهم بذلك الثواب الجزيل عند الله لما نفع اللهُ به المسلمين، فبهم القُدوة فيما صنفُوا.
وقد عاب بعضُ من لا يفهم على أهل الحديثِ الكلام في الرّجال، وقد وَجَدْنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرّجال؛ منهم الحسن البصري، وطاووس تكلما في معْبد الجهني، وتكلم سعيد بن جبير في طَلْقِ بن
[ ١ / ٧ ]
حبيب، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور، وهكذا روي عن أيوب السختياني، وعَبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعَبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعَبد الرّحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرّجال، وضعفوا؛ وإنما حملهم على ذلك عندنا -والله أعلم- النّصيحة للمسلمين لا ظَنًا بهم أنهم أرادوا الطّعن على الناس، أو الغيبة، إنّما أرادُوا عندنا أن يُبينُوا ضِعْفَ هؤلاء لكي يُعْرَفُوا، لأن بعضهم من الذين ضُعِفُوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهمًا في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يُبيّنُوا أحوالَهم شفقةً على الدَّين وتثبيتًا، لأن الشّهادة في الدّين أحقُّ أن يُتثَبّتَ فيها من الشّهادة في الحُقوق والأموال …) (^١).
قال مقيده عفا الله عنه: استُنكِارَ الكلامُ في ذَا البابِ على أهلِهِ حَاصلٌ من بعض الأولين، وما أشدَّ استنكارهِ اليومَ مِن أَغْلَبِ المتأخِرِينَ.
فلغُربَةِ الحَديثِ وأهلِهِ بينَ أوْساطِ كثيرٍ مِنَ العَالَمِينَ، فَقَدْ أَسْمَيْتُهُ بِـ:
تُحفةُ الْغَرِيبِ بتراجمِ رِجَالِ مُعجمَيّ الطَّبرانيَّ الَأوْسَطِ وَالصَّغِيرِ مِمَّنْ ليْسَ فِي التَّهْذِيبِ
_________________
(١) "علل الترمذي".
[ ١ / ٨ ]