أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الخزرجي القاضي المعروف بابن الفرس المالكي، من أهل غرناطة وبيوتاتها الأصيلة؛ وحكى ابن الصيرفي أن جده أبا القاسم سمع بغرناطة أول الدولة المرابطية على القاضي أبي الأصبغ ابن سهل. وحكى أيضًا أن أبا بكر ابن جعفر القليعي ولاه قضاء المنكب فتقبله كارهًا، وكان فقيهًا حافظًا مبرزًا وإليه كانت الرحلة في وقته؛ وذكر أنَّه من أهل بيت علم وجلالة بغرناطة قلت: غاب عن الصيرفي من كان منهم بشارقة الأشراف من عمل بلنسية.
سمع أبو محمد أباه وجدَّه أبا القاسم وتفقه في كتب أصول الدين
[ ١١٤ ]
والفقه وبرع وألف كتابًا في أحكام القرآن من أحسن ما وضع في ذلك، واضطرب في روايته قبل موته بقليل، وكسر النَّاس نعشه لما مات، رابع جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
ومن شعره:
بعثوا برأسِ العلج عنه مُخْبرًا يا منْ رأى مَيْتًا يقولُ ويخبرُ
فسما به مَتْنُ القناةِ كواعظٍ يسمو به بين المعاشرِ منبرُ
وكأنه قد أثمرته قناتهُ يا من رأى غصنًا برأسٍ يثمرُ
ومنه قوله أيضًا:
انظر إلى رأسٍ نأى عن جسمه ولرب نأيٍ ليس فيه تلاقِ
أضحى له سورُ المدينةِ جُثَّةً من غير رِجْلٍ ظاهرٍ أو ساقِ
وكأنَّ ذاك السُّورَ مقعدُ نزهةٍ وكأنه متشوفٌ من طاقِ
ومن شعره ويروى لغيره:
أأدعو فلا تُلْوي وأنت قريبُ وأشكو فلا تُشْكي وأنت طبيبُ
فهل شيبَ من تلك المصافاةِ مَشْرَعٌ وهيلَ على ذاك الإخاءِ كثيبُ
ومنه في صدر رسالة:
ما بالنا متهمًا ودُّنا ونحن في ودكمُ نقتتلْ
كأنكم مثلُ فقيهٍ رأى أن يتركَ الظاهرَ للمحتملْ
[ ١١٥ ]
ومنه في خسوف القمر:
تطَلَّعَ البدرُ لم يشعرْ بناظرهِ حتَّى استوى ورأى النظّارَ فاحتجبا
كالخودِ ألقتْ رواقَ الخدرِ ناظرةً ثمَّ استردَّت حياءً فوقها الطنبا
ولي في ذلك:
ألم تر للخسوف وكيف أودى ببدر التمِّ لماع الضياء
كمرآةٍ جلاها الصقلُ حتَّى أنارت ثمَّ رُدَّتْ في غشاء
ولي فيه أيضًا بعكس المعنى وإبقاء التشبيه:
تناولتِ المرآةَ وهي صقيلةٌ تأمَّلُ وجهًا دونه ذلك الصَّقْلُ
فلما تناهت أوْدَعَتْها غشاءَها وقد حدَّثَ القرطاسُ واستمع الحجلُ
فشبهتها بدرًا علاهُ خسوفهُ فأظلم منه ما أنار له قبلُ
ومن شعره ابن الفرس في تفاحة:
وتفاحةٍ يُهدي إليك نسيمها فما شئت من طيبٍ ينمُّ لناشقِ
تروقُكَ منها حمرةٌ فوق صفرةٍ كوجنةِ معشوقٍ على خدٍّ عاشقِ
ومن شعره في نارنجة وسط النَّهر:
ونارنجةٍ في النَّهرِ تحسبُ أنَّها شرارةُ جمرٍ في الرمادِ تلوحُ
وما هو إلاَّ الرَّوضُ أبدى شقيقَهُ يهدِّبها غُصْنٌ هناك مَروحُ
أو الدرع تضفو فوق أعطافِ فارسٍ غدا في رحى الهيجاء وهو جريحُ
تغيب وتبدو مرَّةً فكأنَّها عقيقةُ برقٍ في الحبيِّ تلوح
كأنَّ حبابَ الماءِ يكتمُ سرَّها وقد جعلت تفشو به وتبوح
وقال ابن الفرس هذه الأبيات بجزيرة شقر، وفي نهرها أبصر تلك
[ ١١٦ ]
النارنجة، وجاراه فيها جماعة منهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتحون المخزومي فقال:
ولقد رميتُ مع العشيِّ بنظرةٍ في منظرٍ غضِّ البشاشةِ يبهجُ
نهرٌ صقيلٌ كالحسام كأنَّه روضٌ لنا نفحاتُهُ تتأرج
تثني معاطفَهُ الصَّبا في بُردَةٍ موشيَّةٍ بيدِ الغمامة تُنسجُ
والماءُ فوق صفائِهِ نارنجةٌ تطفو به وعبابُهُ يتموجُ
حمراءُ قانيةُ الأديم كأنَّها وَسْطَ المجرَّةِ كوكبٌ يتوهجُ
وقال أبو المطرف ابن أبي بكر ابن سفيان المخزومي في ذلك:
ومنظرٍ قد راقني حُسنُهُ من أزرقٍ ينسابُ كالأرْقَمِ
أبصرتُهُ يحملُ نارنجةٍ طافيةً حمراءَ كالعندمِ
ودرَّجَتْ ريحُ الصَّبا مَتْنهُ لما انبرت وهيَ بها ترتمي
فخلته مهندًا مُصلَتًا هُزَّ وفيه قطرةٌ من دمِ
وقال محمد بن إدريس المعروف بابن مرج كحل:
وعشيةٍ كانت قنيصةَ فتيةٍ ألفوا من الأدب الصريح شيوخا
وكأنَّها العنقاءُ قد نصبوا لها منَ الانحناء إلى الوقوعِ فخوخا
شملتهمُ آدابهم فتجاذبوا سرَّ السّرور محدِّثًا ومصيخا
والورْقُ تقرأ سُورةَ الطربِ التي يُنسيكَ منها ناسخٌ منسوخا
والنَّهرُ قد طَفَحَتْ به نارنجةٌ فتيممت من كانَ فيه منيخا
فتخالهم خَلَلَ السَّماء كواكبًا قد فارقت بسعودها المريخا
خرق العوائدَ في السُّرورِ نهارُهُمْ فجعلتُ أبياتي له تاريخا
[ ١١٧ ]
وقال عبد المنعم ابن الفرس أيضًا:
ونارنجةٍ تحمرُّ في النَّهرِ مثلما توقَّدَ نجمٌ في المجرَّةِ سابحُ
تحملها صدرُ الغديرِ كأنَّها سريرةُ حبٍّ قد طوتها جوانحُ
ومن شعره:
انظر إلى خضرةٍ في الزرع قارنها مبيضُّ نَوْرٍ ومصفرٌّ وأحمرُهُ
كثوبِ وشيٍ أجادَتْهُ صوانعه والرِّيحُ تطويه طورًا ثمَّ تنشرُهُ
ومنه أيضًا:
أخاماتُ زرعٍ أم بحورٌ تلاعبتْ بأمواجها أيدي الرياح النواسمِ
تراها أمام الرِّيح وهي تسوقها كجيشِ زنوجٍ فرَّ قدَّامَ هازمِ
وأنشدنا أبو الربيع ابن سالم قال: أنشدنا أبو عبد الله ابن زرقون، أنشدنا أبو الفضل عياض لنفسه ارتجالًا، وقد نظر إلى زرع تتخلل الشقر خضرته:
انظر إلى الزرع وخاماتِهِ تحكي وقد وَلَّتْ أمامَ الرياحْ
كتيبةً خضراءَ مهزومةً شقائقُ النعمانِ فيها جراحْ
[ ١١٨ ]