أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن محمد بن سعد الخير الأنصاري، الأستاذ من أهل بلنسية: وكان على تقدُّمه في العربية وتفنُّنه في الآداب منسوبًا إلى غفلة تَغلب عليه. وله رسائل بديعة وتواليف، منها: " كتاب الحلل في شرح الجمل " ابتدأه من حيث انتهى البطليوسي، وكتاب " جذوة البيان وفريدة العِقيان "، وكتاب " القرط "، وغير ذلك. وتوفي بإشبيلية في أوائل ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
ومن شعره ونقلتُه من خطه:
ألا سائِلِ الرُّكبانَ هل ظلَّ لَعلَعٌ كما كانَ مَطلولَ الأصائل سَجْسجا
وهل وَردوا ماءَ العُذَيب مَناهلًا إذا صافحتْ كفُّ النَّسيم تَأَرّجا
وعن حَرَجاتِ الحيّ ما لي وما لها تُجدِّد لي شوقًا إذا الرَّكْبُ عَرَّجا
وعن أثلاثِ الجِزْع هل حال ظِلُّها وهل تَخِذتْ ريحُ الصَّبا فيه مَدْرجا
[ ٦٩ ]
لئن ظَمِئت نفسي إليها فطالما وردتُ بمَغناهنَّ أشنبَ أفْلجا
بحيثُ يَشِفُّ السِّترُ عن ماءِ مبسِمٍ أرى بابَ صَبري عن أبهمَ مُرْتجا
ركبتُ الهوَى عُرْيَ السَّراة وربَّما ركبتُ إلى الهيجاءِ أدهمَ مُسْرَجا
فيا رُبَّ يومٍ قد صَلِيتُ بحرِّهِ تراه بنارِ المُرْهفاتِ مُؤَجَّجا
غدوتُ وجفنُ الشَّمس بالنُّور أزرق فغادرتُه بالنَّقع أرمدَ أدْعجا
سقيتُ العَوالي بالنَّجيع فنوَّرت بَهارًا يُرى عند الطِّعان بَنَفْسجا
وله:
بأبي من بني الملوكِ غَريرٌ قد تردَّيتُ فيه بُرْدَ التَّصابي
ضاعفتْ حُسنَه ضفيرةُ شَعرٍ هي منه طِرازُ بُرْدِ الشَّباب
تتلوَّى على الرِّداءِ مِراحًا كحَبابٍ ينسابُ فوقَ حَباب
وله في هذا وقد لبس ثيابًا حمراء وبعينيه رَمد:
ومُهَفْهفٍ يجري بصفحةِ خدِّه ولَماهُ من ماءِ الحياةِ عُبابُهُ
وما زالَ يَهتكُ باللِّحاظِ قلوبَنا حتَّى تضرَّج طَرفُهُ وثِيابُهُ
فبدا بحُمرةِ ذا وحُمرةِ هذه كالسَّيفِ يَدْمَى حدُّهُ وقِرابُهُ
وله في سحابة:
وساريةٍ سَحبتْ ذيلَها وهزَّت على الأُفقِ أعطافَها
تُسَلُّ البُروق بأَرجائها كما سلَّتِ الزَّنجُ أسيافَها
وله في رُمانة مفتّحة، وأنشدنيه له صاحب الأحكام أبو الحسن ابن أبي الفتح:
وساكنةٍ من ظِلال الغصونِ بخِدْرٍ تَروقك أفنانُهُ
[ ٧٠ ]
تُضاحكُ أترابَها فيه لمَّ اغدا الجوُّ تدمع أجفانه
كما فَتح الليثُ فاه وقد تضرَّجَ بالدَّمِ أسنانه
وله في حَفلة كِنَاز اصطفَّت بها جُملة غُربان:
ومُخضرَّةِ الأرجاءِ قد طلَّها النّدَى وقابلها أنفُ الصَّبا بتنفُّسِ
تبدَّتْ بها الغِربانُ سطرًا كما بدتْ ضفيرةُ شَعرٍ فوقَ بُردةِ سُندسِ
وأنشدنا له القاضي أبو الخطّاب والأستاذ في الحساب والفرائض أبو عبد الله ابن نعمان البكري عنه يصفُ دُولابًا:
للهِ دولابٌ يَفيض بسَلسلٍ في روضةٍ قد أينعت أفنانَا
قد طارَحَتْه بها الحمائمُ شَجوها فيُجيبها ويُرجِّعُ الألحانا
فكأنَّه دَنِفٌ يَدورُ بمعهدٍ يبكي ويسألُ فيه عمَّنْ بانا
ضاقت مَجاري طرفه عن دمعِهِ فتفتَّحت أضلاعه أجفانا
[ ٧١ ]