أبو تمام غالب بن محمد بن إسماعيل الأنصاري، من أهل بلنسية، ومعدود في أدبائها، وكان يحترف بالتجارة وأحيانًا بالوراقة، وصحب أبا الحسين ابن جبير وغيره من الأدباء، وسمع الحديث وكتب كثيرًا مع فهم، وضرب في النظم بسهم، وقد قرأ عليه شيخنا أبو الرَّبيع ابن سالم بعضَ شعر ابن جبير، وتوفي في المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة. أنشدني كثيرًا وانتفعت بنقده وتمييزه، وأنشدني لنفسه يعاتب أحد إخوانه:
وأخٍ بذلتُ له مَصونَ مودَّتي ورعايتي والنفسَ حتَّى ملَّها
أجهدتُ نفسي في اتباع سبيلهِ نظرًا له في النُّصْحِ لا نظرًا لها
ورأيتُ أنِّي إن أسُسْهُ بطاعتي إياه كان على السويّةِ أو لها
أصغى إليَّ إذا نصحتُ تأسيًا بي إذ أطعتُ له الأوامرَ كلَّها
فإذا به مستغرقٌ في وجده لاحتْ له طرقُ الهدى فاحتلها
يبغي قطيعةَ واصلٍ في صحبةٍ قد كان أنهلها الودادَ وعلَّها
فإذا تجيشُ النفسُ تبغي سلوةً غلبَ الوفاءُ على الإباء فسلَّها
إيهٍ أبا إسحاقَ دعوةَ مرشدٍ لنصيحةٍ والحرُّ يقبل مثلها
أعدِ التفاتًا وادّركها غلطةً فيمن ترومُ لدى القضية عدلها
[ ١٩٥ ]
ودعِ اللجاجَ بأن تحلَّ مخالفًا حَزْنَ البقاعِ ونحن نؤثر سهلها
والنفسُ إن طاوعتها أمَّارةٌ بالسوءِ فاحذرْ أن تطاوعَ جهلها
فلربَّما جذبتْ إلى حَسَراتهِ نفسُ التقيّ إذا تناسى ختلها
من لم تَزَعْهُ عن المكارم نفسهُ لم يَسْطعِ العذالُ يومًا عذلها
وإذا تولى المرء غاية شهوةٍ وليت فلم يقدر هنالك عزلها
ومتاعُ هذا الدَّهرِ أقصرُ مدَّةً من أن يقابحَ ذو المروءةِ أهلها
وكان أبو محمد ابن باديس يناظر عليه في ذلك التاريخ في " مستصفى الغزالي " فحكى أبو تمام ابن صاحب الأحكام أن أبا الحصين ابن أبي الفتح كان ممن يحضر ذلك التناظر، فغاب عنه يومًا فكتب إليه ابنُ باديس:
يا واحدًا في المعالي به العُلا تستبدُّ
إن القراءة نادت مولاي ما منك بدّ
فراجعه أبو تمام بأبياتٍ أولها:
لبَّيكَ لبيكَ يا مَنْ علاؤه لا يُحَدُّ
ومن إذا حلَّ شكٌّ فقولهُ لا يُرَدُّ
[ ١٩٦ ]