وهناك عدة نفائس، وقواعد، وتحقيقات من الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ التي جادت بها قريحته القويمة، وسليقته السليمة، أحببت أن أتحف إخواني طلبة علم الحديث بسوق كثير منها في هذا الفصل نشرا للعلم، وتيسيرا للوقوف على الفائدة في أسرع وقت، حيث إنني لم أذكر منها شيئا فيما تقدم معنا من المباحث، مع العلم أن هناك عدة فوائد وقواعد في كتب الحافظ ابن حجر ﵀ ليست مذكورة في هذا الكتاب؛ لعدم تعلقها بشأن بعض الرواة، وهي في الواقع تبلغ أضعاف أضعاف الفوائد المبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة من هذا الكتاب.
وقد يسر الله لي - وله الفضل، والمنة - اقتناص الكثير منها في عدة كراريس، ولعل الله أن ييسر لي ترتيبها، وتهذيبها، ثم إخراجها لإخواني طلبة علم الحديث - بإذن الله - تحت عنوان: "الحافظ ابن حجر ومنهجه في علم الحديث" - إنه ولي ذلك والقادر عليه -.
وعودًا إلى ما نحن بصدده أقول مستعينًا بالله:
١) إخراج الشيخين للراوي تعديل له.
قال الحافظ في ترجمة عبد الملك بن الصباح المسمعي - بعد أن ذكر قول أبي حاتم الرازي فيه: "صالح" - قال الحافظ: "هي من ألفاظ التوثيق في المرتبة الأخيرة عند ابن أبي حاتم، وهو قال: "من قال فيه ذلك يكتب حديثه للإعتبار"، وعلى هذا عبد الملك
[ ١ / ١٨٠ ]
ليس من شرط الصحيح، لكن اتفاق الشيخين على التخريج له (١) يدل على أنه أرفع رتبة من ذلك" "الفتح" (١١/ ١٩٧).
وقال في ترجمة إسحاق مولى زائدة: "أخرج له مسلم فينبغي أن يصحح حديث". "التلخيص" (١/ ٢٣٨).
٢) سكوت ابن أبي حاتم عن الراوي في "الجرح والتعديل" ليس توثيقا له.
قال الحافظ في ترجمة إياس بن نذير الضبي الكوفي: "ذكره ابن حبان في "الثقات" وذكره ابن أبي حاتم وبيض؛ فهو مجهول". "تعجيل المنفعة" (١/ ١٩٧).
وقال في الحسين بن عدي: "مجهول ذكره ابن أبي حاتم، وبيض له". "اللسان" (٢/ ٥٥١).
٣) دليل من كلام الإمام أحمد يدل على أن الحديث ينقسم إلى صحيح لذاته، وإلى صحيح لغيره:
قال الحافظ في ترجمة هشام بن حسان القردوسي: "وقد قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "ما يكاد ينكر عليه أحد شيئا إلا وجدت غيره قد حدث به، إما أيوب، وإما عوف". قلت: فهذا يؤيد ما قررنا في عوم الحديث: أن الصحيح على قسمين، والله أعلم" "الهدي" (٤٤٨).
٤) سكوت النسائي على حديث دليل على أنه لا علة له عنده.
_________________
(١) إنما أخرج له البخاري حديثا واحدا مقرونا كما نبه على ذلك الحافظ كما في ترجمة عبد الملك من هذا الكتاب.
[ ١ / ١٨١ ]
ذكر الحافظ حديثا، ثم قال: "وأما النسائي فسكت عليه، فاقتضى أنه لا علة له عنده، وأما ابن ماجه فلم يتكلم عليه أصلا كعادته" "النتائج" (١/ ٤٣١).
٥) الضعيف إذا ساق حديثا بطوله فذلك دليل على ضبطه له.
قال في ترجمة علي بن زيد بن جدعان: "فيه ضعف لإختلاطه، لكن سياقه لهذا الحديث بطوله يدل على أنه ضبطه". المطلقة (١٧٠).
٦) متى يقال في الحديث: "على شرط الشيخين"؟
قال الحافظ في ترجمة سفيان بن حسين الواسطي: "سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإذا وجد حديث من روايته عن الزهري؛ لا يقال: "على شرط الشيخين؛ لأنها احتجا بكل منهما" بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجا بكل منها على سبيل الإجتماع". "النكت" (١/ ٣١٤ - ٣١٥).
٧) هل يستشهد بمجهول العين؟
قال الحافظ في ترجمة أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص: "قال الترمذي: "حسن صحيح" وكأنه صححه باعتبار المتابعات والشواهد، وإلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار، ولا يعرف اسمه، ولم يوثقه أحد من المتقدمين"."الإمتناع" (٦٤).
وقال في ترجمة شريق الهوزني: "ما روى عنه سوى أزهر، ولم أقف فيه على جرح ولا تعديل، لكن وجدت له متابعا ورجاله موثقون، وسنده أقوى من الذي قبله لكنه يعتضد به". "النتائج" (١/ ١٢١).
٨) ما حدث به الثقة المختلط قبل اختلاطه مقبول بالإتفاق.
[ ١ / ١٨٢ ]
قال الحافظ: "اتفقوا على أن الثقة إذا تميز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعد قبل". "النتائج" (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
٩) رواية بقية عن المجهولين واهبة بالإتفاق.
قال الحافظ في ترجمة بقية بن الوليد: "اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين واهية (١) ". "التلخيص" (١/ ٣٨).
وقال في ترجمة مهنأ بن يحيى الشامي: "وشيوخ بقية المجهولون لا يعرج عليهم، والله تعالى أعلم". "اللسان" (٧/ ٨٩).
١٠) كلام الحافظ عن مسائل متعلقة ببعض الحفاظ:
أ - قال الحافظ في ترجمة عمران بن حطان السدوسي: "أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متدينا". "الفتح" (١٠/ ٢٩٠).
ب - قال الحافظ في ترجمة الإمام أحمد ﵀: "أحمد يحرص على تمييز الألفاظ في السند والمتن كثيرا". "تعجيل المنفعة" (١/ ٧١٢).
وقال أيضا: "كان أحمد لهجا ببيان اختلاف ألفاظ مشايخه". "تعجيل المنفعة" (١/ ٤٣٥).
_________________
(١) وقد نقل النووي أيضا الإتفاق على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة، كما في "التلخيص الحبير" (٢/ ٣٦٥)، وهناك نصوص كثيرة تدل على هذا الإتفاق نقلتها في ترجمة بقية من كتابي "القول الأحمد بذكر من لا يروي إلا عن ثقة ومن يروي عن كل أحد"، وفي هذا رد على كثير من الكتاب الذين يستشهدون بحديث مشايخ بقية المجهولين دون مراعاة لهذا الإجماع الذي نقله النووي وابن حجر والله المستعان.
[ ١ / ١٨٣ ]
"أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ "المنكر" على مجرد التفرد". "النكت" (٢/ ٦٧٤).
"هذه اللفظة "منكر الحديث" يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالإستقراء من حاله". "هدي الساري" (٤٥٣).
ج - قال الحافظ في ترجمة معمر بن راشد البصري: "وكل هؤلاء سمعوا من معمر بالبصرة، والإعتبار بحديثه بالبلدين - البصرة، واليمن - لا بأهلهما، كما صرح به أبو حاتم وغيره". "موافقة الخُبْر الخبر" (٢/ ١٩٧).
د - قال الحافظ في ترجمة إسحاق بن راهويه: "فأما ابن راهويه فإنه لا يقول إذا حدث عن شيوخه إلا: "أخبرنا"". "انتقاض الإعتراض" (٢/ ٦٣٥).
هـ - قال الحافظ في ترجمة أحمد بن سلمة النيسابوري: "كان رفيق مسلم في الرحلة وصنف "صحيحا" على منوال "صحيح مسلم" واستخرج أبو عوانة عليهما، وهما اللذان يعني بقوله: "من هنا أخرجاه"، كنا نظن أنه يعني البخاري ومسلما، ثم ظهر لي هذا الذي قلته هنا". "المهرة" (١٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
و- قال الحافظ في ترجمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: "قاعدة ابن خزيمة إذا علق الخبر لا يكون على شرطه في الصحة، ولو أسنده بعد ذلك". "المهرة" (٢/ ٣٦٥).
وقد نقل هذا في "إتحاف المهرة" (٢/ ٤٦٨) عن أبي عبد الله الحاكم.
ز- قال الحافظ عن شعبة بن الحجاج الواسطي: "كان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه، ولا ما لقنوا". "التلخيص" (٢/ ٣٧٨).
[ ١ / ١٨٤ ]
"المعروف عنه أنه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه". "النكت" (٢/ ٦٣٠).
ح - قال الحافظ في ترجمة أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري: "كان كتابه في غاية الإتقان". "الفتح" (١/ ٢٩).
ط - قال الحافظ في ترجمة أبي كثير مولى أم سلمة: "ما عرفت اسمه ولا حاله، ولكنه وصف بأنه مولى أم سلمة، فيمكن تحسين حديثه". "النتائج" (٣/ ١٢).
ي - قال الحافظ في ترجمة عبد الجبار بن مسلم عن الزهري: "وقال يعقوب بن سفيان في "تأريخه": "سألت هشام بن عمار عنه، فقال: كان يركب الخيل، ويتنزه، ويتصيد" وهذا الوصف مع رواية أخيه عنه يرفع جهالة عينه". "اللسان" (٤/ ٢١٨).
ك - قال الحافظ في ترجمة حفص بن غياث الكوفي: "اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنه كان يميز ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، نبه على ذلك أبو الفضل بن طاهر، وهو كما قال". "هدي الساري" (٣٩٨).
ل - قال الحافظ في ترجمة الحسن بن علي أبو علي بن المذهب التميمي راوي "مسند الإمام أحمد" عن أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي: "الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بالمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في "المسند" أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد، والله أعلم". "اللسان" (٢/ ٤٣٨).
م - قال الحافظ في رواية محمد بن عبد الله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة:
[ ١ / ١٨٥ ]
"الأنصاري سمع من سعيد بعد اختلاطه" (١). "مختصر زوائد البزار" (٢/ ٢٠٢).
ن - قال الحافظ في ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي: "في سماع أهل البصرة من ابن جريج نظر، ومنهم غندر". "المهرة" (٧/ ٤٠٤).
"رواية همام عن ابن جريج ليست من شرطهما؛ لأن هماما سمع من ابن جريج بالبصرة، وابن جريج حدث بالبصرة أحاديث وهم فيها". الفائقة (٥١).
"الذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قبله". "النكت" (٢/ ٦٧٧).
_________________
(١) ذكر محقق كتاب "مختصر الزوائد" أن هذه الفائدة لا توجد إلا في هذا الكتاب حسب علمه، وقد نظرت في ذلك فوجدت الأمر كما قال.
[ ١ / ١٨٦ ]