لا يخفى ما لرجال الشيخين من المنزلة العالية وما ذاك إلا لإجماع الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول وعلو كعبهما وإمامتهما في هذا الشأن مع ما انضاف إلى ذلك من قوة شرطهما في كتابيهما.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب "الصحيح" لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بـ "الصحيحين"، وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّجَ عنه في "الصحيح"، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول". "هدي الساري" (٣٨٤).
وقد ذكرت شيئا من أقوال الأئمة في ذلك في فصل: "تصحيح الحديث فرع عن توثيق رجاله" ولست الآن في صدد تقرير المسألة إنما يهمني بيان موقف الحافظ ابن حجر ﵀ من الرواة المتكلم فيهم ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما اعتمادا من خلال هذا البحث لا غير، وقد أضيف من غيره من كلام الحافظ قليلا للحاجة:
١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد الكلام المتقدم نقلُه عنه: "وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا؛ فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبيَّن السبب مفسَّرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح" اهـ المراد.
[ ١ / ١٠١ ]
٢) وقال ﵀ في ترجمة بن عثمان بن صالح السهمي: "والحكم في أمثال هؤلاء الشيوخ الذين لقيهم البخاري، وميز صحيح حديثهم من سقيمه، وتكلم فيهم غيره: أنه لا يدعي أن جميع أحاديثهم من شرطه؛ فإنه لا يخرج لهم إلا ما تبين له صحته، والدليل على ذلك: أنه ما أخرج لعثمان هذا في "صحيحه" سوى ثلاثة أحاديث: أحدها متابعة". "هدي الساري" (٤٢٣ - ٤٢٤).
٣) وقال في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث: "الجمهور على تضعيفه، وكان البخاري حسن الرأي فيه إلا أنه كان كثير التخليط، والبخاري يعرف صحيح حديثه من سقيمه، فلا يُغتر بروايته عنه". "اللسان" (٤/ ٦٤٥) ترجمة عذال بن محمد.
٤) وقال في ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني: "وروينا في "مناقب البخاري" بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأن يُعلم له على ما يحدث به؛ ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر فيه". "الهدي" (٣٩١).
وقال في ترجمته من "التهذيب" (١/ ١٥٨): "وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات".
٥) وقال في ترجمة إبراهيم بن المنذر الحزامي: "اعتمده البخاري وانتقى من حديثه". "الهدي" (٣٨٨).
٦) وقال في ترجمة إسحاق بن محمد الفروي: "قال أبو حاتم: "كان صدوقا ولكن
[ ١ / ١٠٢ ]
ذهب بصره فربما لُقِّن وكتبه صحيحة" ووهاه أبو داود والنسائي، والمعتمد فيه: ما قاله أبو حاتم، وقال الدارقطني والحاكم: "عيب على البخاري إخراج حديثه" قلت (الحافظ): روى عنه البخاري في كتاب الجهاد حديثا، وفي فرض الخمس آخر كلاهما عن مالك، وأخرج له في الصلح حديثا آخر مقرونا بالأويسي، وكأنها مما أخذه عنه من كتابه قبل ذهاب بصره". "هدي الساري" (٣٨٩).
٧) وقال في ترجمة سعيد بن أبي عروبة البصري: "وأما ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة؛ فأكثره من رواية من سمع منه قبل الإختلاط، وأخرج عمن سمع منه بعد الإختلاط قليلا كمحمد بن عبد الله الأنصاري، وروح بن عبادة، وابن أبي عدي، فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه كما سنبينه في مواضعه إن شاء الله تعالى". "هدي الساري" (٤٠٦).
٨) وقال في ترجمة محمد بن يوسف الفريابي بعد أن ساق بعض الأقوال فيه: "قلت: اعتمده البخاري؛ لأنه انتقى أحاديثه وميزها". "هدي الساري" (٤٤٢).
٩) وجعل في ذلك قاعدة عامة فقال ﵀: "وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض من فيه مقال لا يخرج شيئا مما أنكر عليه". "الفتح" (١/ ٢٤٩) تحت رقم (٩٥).
١٠) وقال ﵀: "فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين، بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الإختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الإختلاط". "النكت" (١/ ٣١٥).
١١) وقال في ترجمة محمد بن الحكم المروزي: "من شيوخ البخاري لم يعرفه أبو
[ ١ / ١٠٣ ]
حاتم فقال: "إنه مجهول" قلت: قد عرفه البخاري وروى عنه في "صحيحه" في موضعين". "الهدي" (٤٣٨).
فتبين لك من خلال هذه الأمثلة أن الأصل فيمن أخرج لهم الشيخان اعتمادا الثقة والعدالة، وأنه لا يقبل الجرح فيهم إلا إذا كان مفسرا بقادح.
فإذا ثبت الجرح المفسر القادح في بعضهم كما هو الشأن في بعض هؤلاء الرواة فلنا في ذلك أمران:
الأول: إن ثبت أن الشيخين أو أحدهما انتقيا من حديثه ما صح عندهما كما في المثال الرابع قلنا بذلك وجزمنا بأن الشيخين أو أحدهما لم يرو أو أحدهما عنه أو له إلا ما كان من صحيح حديثه.
الثاني: فإن لم يثبت عندنا بالسند الصحيح أن الشيخين أو أحدهما انتقيا من حديث هذا الراوي المجروح بجرح مفسر قادح، فليس معنا في هذه الحالة إلا إحسان الظن بهما أنهما انتقيا من حديثه ما كان صحيحا، أو ما صح لديهما من وجوه أخرى، كما يدل على ذلك بقية الأمثلة وبسط ذلك يطول، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٠٤ ]