قال الفقيه القاضي رضي الله تعالى عنه كان مالك كثيرًا ما يتمثل:
وخير أمور الدين ما كان سنة … وشر الأمور المحدثات البدائع
قال أحمد بن حنبل: مالك أتبع من سفيان.
وقال ابن حنبل: إذا
[ ١ / ١٦٩ ]
رأيت الرجل يبغض مالكًا فاعلم أنه مبتدع.
قال أبو داود أخشى عليه البدعة.
وقال ابن المهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحدًا يتناوله فاعلم أنه على خلاف وقال إبراهيم ابن يحيى بن بسام ما سمعت أبا داود لعن أحدًا قط إلا رجلين، أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكًا، والآخر بشر المريسي.
قال معن: انصرف مالك يومًا إلى المسجد وهو متكئ على يدي فلحقه رجل يقال له ابو الجويرة يتهم بالأرجاء فقال يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أعلمك به وأحاجك وأخبرك برأي.
فقال: احذر أن اشهد عليك قال: والله ما أريد إلا الحق اسمع فإن كان صوابًا فقل
إنه.
أو فتكلم.
قال فإن غلبتني.
قال اتبعني.
قال فإن غلبتك.
قال أتبعك.
قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا.
قال اتبعناه.
فقال له مالك يا عبد الله بعث الله محمدًا بدين واحد وأراك تنتقل وقال عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وقال مالك ليس الجدال في الدين بشيء.
وقال مالك المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد.
وقال إنه يقسي القلب ويورث الضغن.
قال الزهري رأيت مالكًا وقومًا يتجادلون عنده فقام ونفض رداءه وقال إنما أنتم حرب.
قال الهيثم بن جميل قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة يجادل عنها؟ قال لا.
ولكن يخبر بالسنة.
فإن قبل منه وإلا سكت.
قال أبو طالب المكي: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين وأشدهم بغضًا للعراقيين: وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين.
قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا، فقال على العرش استوى.
كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليًا حتى علاه الرحضاء وما رأينا مالكًا
[ ١ / ١٧٠ ]
وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينتظرون ما يأمر به ثم سري عنه.
فقال الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالًا أخرجوه عني.
فناداه الرجل يا أبا عبد الله والله الذي لا إله إلا هو لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدًا وفق لما وفقت له.
قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوًا مالكًا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه.
فحبس.
فقيل له ابن مهدي فوجه إليه وقال له أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلك: من أحدث في مسجدنا حادث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يقعد ذلك أبدًا في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره.
وفي رواية ابن مهدي، قال فقلت للحرسين تذهبا بي إلى أبي عبد الله.
قالا إن شئت.
فذهبا بي إليه، فقال يا أبا عبد الرحمان تصلي متسليًا؟ فقلت يا أبا عبد الله إنه كان يومًا حارًا كما رأيت فثقل ردائي علي، فقال: الله ما أردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليهم.
قلت: الله.
فقال خلياه.
قال سفيان بن عيين سألت مالكًا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات.
فقال هذا مخالف لله ورسوله أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
أما سمعت قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
[ ١ / ١٧١ ]
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
ومن أمر النبي ﷺ أن يهل من الميقات وسأل رجل مالكًا عن الشيء من علم الباطن، فغضب وقال: علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر، فمتى عرف علم الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن.
ولا يكن ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره.
ثم قال للرجل عليك بالدين المحض.
وإياك وبنيات الطريق وعليك بما تعرف واترك ما لا تعرف.
قال ابن وهب سمعت مالكًا يقول إذا جاءه بعض أهل الأهواء، يقول أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى مثلك فخاصمه.
ثم قرأ: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله. . . . .
الآية.
قال مطرف سمعت مالكًا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا الأخذ بها إتباع لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها ولا النظر في شيء خالفها.
من اهتدى بها استنصر ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورًا، وسأل رجل مالكًا من أهل السنة يا أبا عبد الله؟ قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا رافضي ولا قدري.
قال ابن نافع وأشهب وأحدها يزيد على الآخر.
قلت يا أبا عبد الله: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة.
ينظرون إلى الله.
قال نعم بأعينهم هاتين.
فقلت له فإن قومًا يقولون لا ينظر إلى الله إن، ناظرة بمعنى منتظرة
[ ١ / ١٧٢ ]
إلى الثواب.
قال كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى ﵇: رب أرني أنظر إليك.
أفترى موسى سأل ربه محالًا؟ فقال الله لن تراني في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما بقي بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما بقي إلى ما بقي.
وقال الله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.
قال زهير بن عباد قلت لمالك ما قولك في صنفين عندنا بالشام اختلفوا في الإيمان؟ فقالوا يزيد وينقص.
قال بئس ما قالوا قلت قالوا إنا نخاف على أنفسنا النفاق.
قال بئسما قالوا.
قلت فإن قالوا نحن مؤمنون إن شاء الله قالت الأخرى الإيمان واجب وإيمان أهل الأرض كإيمان أهل السماء.
قال: لا تقولوا.
قلت فإن قالوا نحن مؤمنون حقًا.
قال لا تقولوا قلت فما ينبغي للطائفتين أن يقولوا؟ قال يقولون نحن مؤمنون: فيكفوا عما سوى ذلك من الكلام.
فإن النبي ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . الحديث.
وقال تعالى: لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا.
قال زهير فقلت له فإن الطائفتين بعضها بعضًا.
فاسترجع وتعجب وقال لي وقد أفلح الناس يصلون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا ثم أمروا بالصلاة إلى البيت الحرام فقال الله: وما كان الناس ليضيع إيمانكم.
يعني صلاتكم إلى بيت المقدس وإني لأنكر بهذه الآية قول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان.
قال زهير وقد كان دخل على مالك من سأله عن نحو هذا فأمر به فأخرج وكأنه لمخزيًا قال غير واحد سمعت مالكًا يقول الإيمان قول
[ ١ / ١٧٣ ]
وعمل يزيد وينقص وبعضه أفضل من بعض.
قال والله في السماء وعمله في كل مكان.
قال ابن القاسم كان مالك يقول الإيمان يزيد وتوقف عن النقصان وقال ذكر الله زيادته في غير موضع.
فدع الكلام في نقصانه وكف عنه.
وقال مالك أنا مؤمن والحمد لله.
قال ابن أبي أويس قال مالك القرآن كلام الله وكلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق.
زاد غيره عنه، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر، والذي يقف أشد منه يستتاب وإلا ضربت عنقه.
وفي رواية ابن نافع عنه يجلد ويحبس من قال ذلك.
وفي رواية بشر بن بكير التنسي يقتل ولا تقبل توبته.
قال البركاني والتستري من شيوخنا العراقيين معنى الجوابين المستبصر الداعية ويضرب غيره وسئل عن حديث التنزيل ينزل أمره كل سحر وأما هو دائم فلا يزول.
وقال الوليد بن مسلم سألت مالكًا عن هذه الأحاديث فقال أقرأها كما جاءت.
فقيل له إن ابن عجلان يحدث بها فقال لم يكن من الفقهاء.
قال في رواية ابن القاسم وابن وهب إنه كان لا يعرف هذه الأشياء.
وكره مالك أن يحدث بها عوام الناس الذين لا يعرفون وجهه ولا تبلغه عقولهم فينكروه أو يضعوه في غير موضعه.
وجاء إلى مالك رجل فقال له ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق.
قال زنديق فاقتلوه.
فقال يا أبا عبد الله ليس هو كلامي، إنما هو كلام سمعته.
قال لم أسمعه أنا إلا منك.
قال أشهب كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه يا أبا عبد الله فأشرف له مالك ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه.
فقال له الطالبي إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني قلت مالك قال لي.
فقال له قل قال من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر قال العلوي ثم من؟ قال مالك ثم عمر.
قال العلوي ثم من؟ قال الخليفة المقتول ظلمًا
[ ١ / ١٧٤ ]
عثمان.
قال العلوي والله لا أجالسك أبدًا.
قال له مالك فالخيار لك.
قال عبد الرحمان بن القاسم عنه ما أدركت أحدًا إلا وهو يرى الكف بين عثمان وعلي ولا شك في أبي بكر وعمر أنهما أفضل من غيرهما.
زاد ابن وهب عنه وعلى هذا مضى الناس وفي رواية أبي مصعب سئل مالك من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ؟ وقال مالك أبو بكر ثم قال ثم من؟ قال عمر ثم قال ثم من؟ قال عثمان.
قيل ثم قال ها هنا وقف الناس.
هؤلاء خيرة رسول الله ﷺ أمر أبا بكر على الصلاة واختار أبو بكر عمر وجعلها عمر إلى ستة فاختاروا فوقف الناس ها هنا.
زاد في رواية وليس من طلب الأمر كمن لا يطلبه.
وفي رواية ابن وهب أفضل الناس أبو بكر وعمر قلت ثم من؟ فأمسك.
قلت إني امرؤ أقتدي بك في ديني فقال وعثمان في رواية أبي مصعب ثم استوى الناس وقال البزاز سألت أبا عاصم النبيل عن التقدمة في السلف.
قال حمزة وجعفر.
قلت إنما نحن في العشرة فسكت ثم قال: كان مالك يقدم حمزة.
قال مصعب الزبيري وابن نافع دخل هارون المسجد فركع ثم أتى قبر النبي ﷺ ثم أتى مجلس مالك فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم قال لمالك هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟ قال لا ولا كرامة قال من أين قلت ذلك؟ قال قال الله: ليغيظ بهم الكفار.
فمن عابهم فهو كافر ولا حق للكافر في الفيء واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين. . . . .
الآيات قال فهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا معه وأنصاره الذين جاءوا من بعده يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا. . . . . . الآية.
فما عدا هؤلاء فلا حق له فيه.
قال إسحاق بن عيسى رأيت رجلًا من أهل المغرب جاء مالك بن أنس فقال إن الأهواء كثرت قبلنا فجعلت على نفسي أن آتيك إن إنا رأيتك آخذ بما تأمرني به.
فوصف
[ ١ / ١٧٥ ]
له مالك شرائع الإسلام الصلاة والزكاة والحج والصوم ثم قال خذ بها ولا تخاصم أحدًا.
قال ابن وهب وغير واحد سئل مال عن أهل القدر أيكف عن كلامهم؟ قال نعم.
إذا كان عارفًا بما هو عليه.
قال ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؟ ويخبرهم بخلافهم ولا يواضع القول ولا يصلي عليهم، ولا تشهد جنائزهم ولا أرى أن يناكحوا زاد في رواية غيره، قال الله ولعبد مؤمن خير من مشرك.
قال في رواية أشهب ولا يصلى خلفهم ولا يحمل عليهم الحديث وإن وافيتوهم في ثغر فاخرجوهم منه.
قال ابن القاسم عنه ولا يسلم عليهم ولايعاد مرضاهم.
قال الواقدي ولا تجوز شهادة القدري الذي يدعو أو الخارجي والرافضي.
وقد روى عن مالك منع شهادته مجملًا وروي عنه إذا كان داعية.
قال مصعب سأل رجل مالكًا فقال الفواحش كتبها الله علينا.
قال نعم: قبل أن يخلقنا.
ولا بد لكل من كتب الله عليه ذلك أن يعلمها ويصير إلى ما قدر عليه وكتب.
قال الكرابيسي سمعت مالكًا وسئل عن القدرية من هم؟ قال من قال: ما خلق المعاصي.
وقال القاسم بن الحكم سألت مالكًا عن القدرية من هم؟ فقال سألت أبا سهيل كما سألتني فقال الذين يقولون الاستطاعة إليهم إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا.
قال الفروي سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك إن لنا رأيًا نعرضه عليك فإن رأيته حسنًا مضينا عليه وإن رأيته سيئًا تنكبنا عنه لا نكفر أحدًا بذنب.
المذنبون كلهم مسلمون قال ما أرى بها بأسًا.
فقال له داود ابن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وابن نافع الصائغ يا أبا عبد الله إن هذا يسوق الكلام إلى أن ديني دين الملائكة، وجبرائيل وميكائيل.
فقال لا والله الدين يزيد.
قال الله: ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم.
وقال إبراهيم
[ ١ / ١٧٦ ]
رب أرني كيف تحيي الموتى. . . .
الآية.
قد أثبت زيادة في دينه قال ابن وهب سمعت مالكًا يقول إن المرجئة أخطأوا وقالوا قولًا عظيمًا.
قال إن أحرق الكعبة أو صنع كل شيء فهو مسلم.
فقيل لمالك ما ترى فيهم؟ قال، قال الله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين.
قال ابن وهب سمعت مالكًا وقيل له إن أهل الأهواء يحتجون علينا بحديث كل مولود يولد على الفطرة.
الحديث فقال احتجوا عليهم بأخرى الله أعلم بما كانوا عاملين.
قال ابن نافع سألت مالكًا يقول إن العبد ارتكب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله شيئًا ثم نجي من الأهواء رجوت أن يكون في أعلا الفردوس.
لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء وكل هوى ليس هو منه على رجاء، إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم.
قال مالك أهل الأهواء كلهم كفار وأسوأهم الروافض.
قيل فالنواصب؟ قيل لهم الروافض رفضوا الحق فمن رفض الحق ونصبوا له العدواة والبغضاء معناه أن الأربعة أهل الحق فمن رفض واحدًا منهم فقد ناصب الحق قال مطرف رأيت مالكًا يحتجم يوم الأربعاء ويوم السبت منكرًا لما روي في ذلك.