قال القاضي عياض ﵁ قال الزبير بن حبيب كنت أرى مالكًا إذا دخل الشهر أحيا أول ليلة منه.
وكنت أظن إنما يفعل هذا ليفتتح به
[ ١ / ١٧٧ ]
الشهر.
وقالت فاطمة بنت مالك كان مالك يصلي كل ليلة حزبه فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها.
قال المغيرة خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة فمررت بمالك بن أنس فإذا أنا به قائم يصلي فلما فرغ من الحمد لله ابتدأ بالهاكم التكاثر حتى بلغ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم فبكى بكاءًا طويلًا وجعل يرددها ويبكي وشغلني ما سمعت ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت إليها فلم أزل قائمًا وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر.
فلما تبين له ركع فصرت إلى منزلي فتوضأت ثم أتيت المسجد فإذا به في مجلسه والناس حوله فلما أصبح نظرت فإذا وجهه قد علاه نور حسن.
قال محمد ابن خالد بن عتمة كنت إذا رأيت وجه مالك رأيت أعلام الآخرة في وجهه، فإذا تكلم علمت أن الحق يخرج من فيه.
قال أبو مصعب كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة لا يتحرك منه شيء.
فلما ضرب قيل له لو خففت في هذا قليلًا.
فقال ماينبغي لأحد أن يعمل لله عملًا إلا حسنه، والله تعالى يقول: ليبلوكم أيكم أحسن عملًا.
قال ابن وهب: ما رأت عيني قط أروع من مالك بن أنس.
وذكر ابن القاسم أن خادم مالك قالت له: إن لمالك اليوم بضع وأربعين سنة.
قلما يصلي الصبح إلا بوضوء العمة.
قال ابن المبارك رأيت مالكًا فرأيته من الخاشعين وإنما رفعه الله بسريرة بينه وبينه، وذلك أني كثيرًا ما كنت أسمعه يقول من أحل أن، يفتح له فرجة في قلبه وينجو من غمرات الموت وأهوال يوم القيامة فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية وروى نحوه عن مطرف.
قال ابن مهدي: ما رأيت أحدًا الله في قلبه أهيب منه في قلب مالك بن أنس.
وفي رواية أجل مكان أهيب.
قال ابن أبي أويس كان مالك يأمر بالمعروف ويحث عليه.
قال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ عنده تغير
[ ١ / ١٧٨ ]
لونه وانحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه.
فقيل له يومًا في ذلك.
فقال لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله على حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد أتى جعفر بن محمد وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اخضر واصفر.
قال مالك ولقد اختلفت إليه زمان فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صائمًا، وإما يقرأ القرآن.
وما رأيته قط يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على الطهارة: ولا يتكلم فيما لا يغنيه.
وكان من العباد الزهاد الذين يخشون الله وما أتيته قط إلا ويخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي وأخذ يعدد فضائله.
وما رواه من فضائل غيره من أشياخه في خبر طويل.
قال بعضهم رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير.
فقيل له في ذلك فقال وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا وأشار إلى لسانه.
ولقد أن رجلًا دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد فإذا قال هو فكيف بنا إلا أن يتغمدنا الله برحمته.
وقال مالك كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأتعظ أيامًا بنفسي.
قال بشر بن عمر كان مالك لا يضحك فقيل له في ذلك فقال الضحك يدعو إلى السفه وقد بلغني أن ضحك النبي ﷺ تبسم.
قال ابن وهب كان في كم مالك منديل مطوي على أربع طاقات فإذا سجد سجد عليه فقيل له في ذلك فقال أفعله لئلا يؤثر الحط على جبهتي فيظن الناس أني أقوم الليل.
قال ابن وهب وكان أكثر عبادة مالك في
[ ١ / ١٧٩ ]
السر بالليل والنهار حيث لا يراه أحد.
قال أبو بكر الأوسي كان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين وكان كثير القراءة طويل البكاء.
وقال ابن مهدي سمعت مالكًا يقول لو علمت أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها.
قال مطرف كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يلتزمه الناس ويقول لا يكون العالم عالمًا حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لا يكون عليه فيه إثم.
قال الشافعي رأيت بباب مالك كراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر فقلت ما أحسنها! فقال هي هبة مني إليك.
فقلت دع لنفسك منها دابة تركبها.
قال أنا أستحي من الله أن أطأ تربة نبي الله بحافر دابة.
قال أبو عمران الصدفي دخلت على مالك وعليه ثياب صوف.
فقال أخرجوه فقلت لا تفعل يا أبا عبد الله إنما أتيتك لأنك من ورثة الأنبياء.
فسألته عن جوائز السلطان فكرهها، فقلت له فإنك تقبل؟ فقال أتريد أن، تبوء بإثمي وإثمك؟ فقال المسيبي: ما كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيرًا ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون.
فقال مالك: الصبيان هم؟ قال لا.
قال أمجانين؟ قال لا، قوم مشائخ وغير ذلك عقلًا.
قال مالك ما سمعت أن أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا.
قال الرجل يل يأكلون ثم يقومون فيرقصون نوائب ويلطم بعضهم رأسه وبعضهم وجهه فضحك مالك ثم قام فدخل منزله.
فقال أصحاب مالك للرجل لقد كنت يا هذا مشؤومًا على صاحبنا، لقد جالسناه نيفًا وثلاثين سنة فما رأيناه ضحك إلا في هذا اليوم.
قال يحيى بن الزبير قال لي مالك اعتزلت أنت وعبد الله بن عبد العزيز؟ قلت نعم.
قال عجلتم، ليس هذا أوانه.
ثم لقيت مالكًا بعد عشرين سنة فقال هذا أوانه ثم اعتزل ولزم بيته.
قال بعضهم لم يشهد مالك الجماعة والجمعة سنين.
قال محمد بن عمر
[ ١ / ١٨٠ ]
لما خرج محمد بن الحسن لزم مالك بيته فلم يخرج منه حتى قفل محمد.
قال الواقدي ومصعب بن عبد الله كان مالك يحضر المسجد ويشهد الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجيب الدعوة ويقضي الحقوق زمانًا، ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز فكان يأتي أصحابها ويعزيهم، ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم والصلاة في مسجد النبي ﷺ، حتى الجمعة ولا يعزي أحدًا ولا يقضي له حقًا، فكان يقال له في ذلك فيقول ما يتهيأ لكل أحد أن يذكر ما فيه.
وفي بعض الرواية من الأعذار أعذار لا تذكر.
فاحتمل الناس له كل ذلك.
قال عتيق بن يعقوب ومصعب فلما حضرته الوفاة سئل عن تخلفه عن المسجد قال عتيق بن يعقوب وكان تخلفه عنه قبل موته بسنين فقال لولا أني في آخر يوم من الدنيا وأوله من الآخرة ما أخبرتكم؟ سلس بولي.
فكرهت أن آتي مسجد رسول الله ﷺ على غير طهارة استخفافًا لرسول الله ﷺ وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي.
وفي طريق آخر أنه قال خيفة أن آتي منكرًا وفي رواية خلف بن محمد عنه أني ضعفت عن ذلك.
وقيل بل كان عراه فتق من الضرب الذي ضرب فكانت الريح تخرج منه فقال كرهت أن أوذي مسجد رسول الله ﷺ وقال يعقوب بن عبد الرحمان كان مالك لا يتكلم عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.
وقال ابن وهب كان لا يفتي ولا يتكلم حتى تطلع الشمس.
زاد مروان بن محمد وسعيد بن الجهم وكان يسبح ويذكر الله إذا طلعت الشمس.
قال مروان قام إلى حلقته وذاكر أصحابه إلى حلقته وقال السلام عليكم.
قال مطرف لقد رأيته يومًا وهو جالس في
[ ١ / ١٨١ ]
المجلس بعد الصبح يدعو ووجهه يصفر ويخضر حتى أطال الدعاء فأتاه سائل عن مسألة فقطع عليه فالتفت مغضبًا، فقال يأت أحدكم الرجل وهو في دعائه وقد فتح الله عليه منه ما شاء أن يفتحه مما يستدعي به الإجابة فيقطع ذلك عليه فلا يعود أبدًا.
قال ابن أبي حازم كان بين رجل من قريش ومالك كلام، فقال له مالك إن كنت تريد عيبي فسلط الله عليك من يخرجك من بيتك شر مخرج فلما صلى بنا إمامنا الصبح جلس في محرابه، فقام فيه فرأى عمر بن الخطاب معه حرسي يقول اخرج الحمار الضال من المسجد.
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بل حلاله وحرامه وسنن نبيه، وما يقرب إليه فأنبته الإمام لينبه الناس على الرجل، وقد أخرج من المسجد ووضع في عنقه حبل.
وجيء به إلى دار السلطان فأخبر الناس الإمام برؤياه فأخبر الرجل بالقصة فجعل يضرع لمالك ويقول خلني يا خير من يقول حدثنا.
فاستغفر له مالك.
قال أبو مصعب سمعت مالكًا يقول إني لأذكر وما في وجهي طاقة شعر وما منا أحد يدخل المسجد إلا معتمًا إجلالًا لرسول الله ﷺ.
قال بشر بن عمر جئت مع مالك من منزله حتى دخل المسجد فانتهى إلأى جماعة فوسع لي في صدرها فأبى وجلس حيث انتهى به المجلس فقلت في نفسي هذا رجل منصف كنا لا نوسع لأحد في مجلسه لا يقعد في صدور مجالس الناس.
قال الحارث بن مسكين رحم الله مالكًا، ما كان أصونه للعلم وأصبره على الفقر ولزوم المدينة.
أمر له بجوائز ثلاثة آلاف دينار فما استبدل منزلًا غير المنزل الذي كان فيه ولا استفاد منه غلة ولا صنعة ولا تجارة.
قال ابن القاسم كان لمالك رحمه الله تعالى أربعمائة دينار يتجر له بها، فمنها كان قوام عيشه ومصلحته.
قال ابن أبي أويس كان مالك قد أكثر النظر قبل موته بسنين وكان كثير القراءة طويل البكاء ﵀.
[ ١ / ١٨٢ ]