اعلموا، أكرمكم الله، أن جميع أَرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر [¬٤] (*) إلبٌ [¬٥] واحد عَلى أَصحابنا في هذه المسئلة، محطّئون لنا فيها بزعمهم، مُحتجون علينا بما سَنَح لهم [¬٦]، حتى تجاوَز بعضهم حَد التعصب والتشنيع إلى الطّعن في المدينة وعدّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف؛ فمنهم من لم يتصوّر المسألة ولا تحقَّقَ [¬٧] مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس؛ ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن [¬٨] لم يحققهُ عَنّا؛ ومنهم من أَحالهَا [¬٩] وأضاف لينا ما لا نقوله فيهَا، كما فعله الصَّيرفي والمحاملي والغزالى، فأوردوا عَنّا [¬١٠] في المسئلة ما لا نقُوله، واحتجوا علينا [¬١١] بما يُحتَج به [¬١٢] على الطاعنين على الإجماع.
وها أنا أفصّل الكلام فيها تفصيلًا لا يجد المنصِف إلى جَحده بعدَ تحقيقه سبيلًا، وألين موضع الاتفاق فيه [¬١٣] والخلاف إن شاء الله تعالى [¬١٤].
فاعلموا أَن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تأثُره [¬١٥] الكافّة عن الكافة، وعملت به عملًا لا يخفَى، ونقَله الجمهور عن الجمهور عن زمن [¬١٦] النبي ﷺ [¬١٧]؛ وهذا الضرب منقسم على أربعة أَنواع:
_________________
(١) [¬١] بيان: ا ب خ ك ط - ت [¬٢] ﵀ ب ت خ - ك ط [¬٣] في ذلك: ا ب ت ط ك - خ [¬٤] الأثر والنظر: ا ت ك خ ط، النظر والأثر: ب [¬٥] إلب: ا ت ط حاشية ك ألف: ك خ [¬٦] سنح لهم: ب ت ك خ، نحتج عليهم: اط [¬٧] تحقق: ت ك، حقق: ا ب خ ط ك [¬٨] ممن: ا ب ت ط ك، عمن: خ [¬٩] أحالها: ا ب ت ك، أجلاها: خ [¬١٠] فأورد: واعنا: ا ب ت خ ك، اوردوا علينا ط [¬١١] واحتجوا علينا: ا ب ت ك ط، واحتجوا لنا: خ [¬١٢] بما يحتج: ت خ، نحتج: اط [¬١٣] فيه: ا ب ط ك خ، - ب [¬١٤] تعلى: ت ك ب خ ط ا [¬١٥] تأثره: ا ب خ ك ط ؤثره: ت [¬١٦] زمن: ب ت ك، - خ ط ا [¬١٧] صلى … وسلم: ب ت ك .. ﵇: أخ ط.
[ ١ / ٤٧ ]
أولها:
إما نقل شرع من جهة النبي ﷺ، من قول أو فعل، كالصاع والمد، وأَنه ﵊ [¬١] كان يأخذ منهم بذلك صدقاتِهم وفطرتَهم، وكالأذان [¬٢] والاقامة، وترك الجهر يسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكالوقوف والأحباس.
فنقلُهم لهذه الأمور [¬٣] من قوله وفعله، كنقلهم موضع قبره ومسجده، ومنبره ومدينته وغير ذلك مما عُلم ضرورة من أحواله وسيرَه، وصفة صلاته من عدد ركعاتها وسجداتها [¬٤]، وأَشباه هذا.
أو نقل إقراره عليه الصلاة و[¬٥] السلام لما شاهده منهم [¬٦] ولم ينقل عنه [¬٧] إنكاره، كنقل عهدة الرقيق [¬٨] وشبه ذلك؛ أو نقل تركِه لأمور وأحكام لم يلزمنهم إياها مع شهرتها لَديهم وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضراوات [¬٩] مع علمه ﵇ بكونها عندهم كثيرة.
فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجةً [¬١٠] يلزم المصير إليه [¬١١]، ويترك [¬١٢] ما خالفه من خبرَ واحد أو قياس [¬١٣]؛ فإن هذا النقل [¬١٤] محقق معلومه مُوجب للعلم
_________________
(١) [¬١] ﵊: ب ت ك، ﵇: اط خ [¬٢] وكالأذان: ا ب ت ط ك، كالأذان: خ [¬٣] الأمور: ب ت ك خ ط،: ا [¬٤] ركعاتها وسجداتها: ب ت ك خ ط، ركعات وسجدات: ا [¬٥] الصلاة و: ب ت، - أخ ك ك ط [¬٦] شاهده منهم: ا ب ت ط ك، شاهدته منهم: خ [¬٧] عنه ا ب ت ط ك، - خ [¬٨] الرقيق: ا ط ك، الدقيق: ب ت خ [¬٩] من الخضراوات: ا ب ت ط ك، مع الخضراوات: خ [¬١٠] حجة ا ب ت ك ط - خ [¬١١] إليه: ب ت ك خ، إليهم: ا ط [¬١٢] ويترك: ا ب ت ط ك، وترك: خ [¬١٣] أو قياس: ا ب ت ط ك، وقياس: خ [¬١٤]: فإن هذا النقال: ا ط ك، فإن هذا الفعل: ت، فإن هذا النوع: خ.
[ ١ / ٤٨ ]
القطعي، فلا يتُرك لما توجيه [¬١] غلبة [¬٢] الظنون؛ وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممّن ناظر مالكا وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف، والمدّ، والصّاع، حين شاهَد النّقلَ وتحقَّقه.
ولا يجب لمنصفٍ أن ينكر الحجة بهذا [¬٣]، وهو الذي [¬٤] تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا؛ ولا خلاف في صحة هذا الطريق [¬٥] وكونهِ حجة عِندَ العُقَلاء، وتبليغُه العلمَ يدرك ضرورة، وإنّما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينةَ مَن لم يبلغه النقل الذي بها.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا خلاف بين أصحابنا في هذا، ووافق عليه الصَّيْرَفي وغيره من أَصحاب الشافعي: حكاه عنه الأبَهري [¬٦].
وقد خالف فيه بعض الشافعية عنادا، ولا راحة للمخالف في قوله: إنّ ما هذا سبيلُه فَهُم وغيرُهم من أهل الآفاق من البصرة، والكوفة، ومكة سواء؛ إذ قد نزَل هذه البلاد، وكان بها جماعةً من الصحابة ونُقلت السنن عنهم، والخبر المتواتر من أي وجه وردَ لزم المصير إليه، ووقع العلم به، فصارت الحجة في النّقل؛ فلَم تختصّ [¬٧] المدينةُ بذلك، وسقطت المسألة. وهذه من أقوى عُمَدهم.
فنقول لهم: كذلك نقول لو تُصُورت المسألة في حق غيرهم، لكن لا يوجد مثل هذا النّقل كذلك عند غيرهم؛ فإنّ شرط نقل التواتر تساوي طرَفيه ووسطه وهذا، موجود في أَهل المدينة ونقلِهم، الجماعة عن الجماعة، عن
_________________
(١) [¬١] توجيه: ا ت ك ط خ، يوجب: ب [¬٢] غلبة: ا ت ط، غلب: خ، عليه: ب [¬٣] بهذا: ا ب ك خ ط، هذا: ت [¬٤] وهو الذي: ا ب خ ت ط. وهذا الذي: ك [¬٥] هذا الطريق: ا ب ت ك ط، هذه الطريقة: خ [¬٦] الأبهري: أخ ط حاشية ك، الآمدي: ك [¬٧] فلم تختص: ا ب ت ك خ، فتختص: ط
[ ١ / ٤٩ ]
النبي * ﷺ [¬١] أو والعمل [¬٢] في عصره وإنما ينقل [¬٣] أهل البلاد غيرها عن جماعتهم حين [¬٤] يرجعون إلى الواحد أو الاثنين [¬٥] من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد.
وبالحَرِيّ أن تُفرض المسألة في عمل أهل مكة في الأذان، ونقلهم المتواتر [¬٦] عن الأذان بين يَدَي] [¬٧] النبي ﵇ بها [¬٨]، لكن يعارض هذا آخرُ الفعلين من رسول الله ﷺ، والذي مات عليه بالمدينة.
ولِهذا [¬٩] قال مالك لمن ناظره في المسألة: ما أدري ما أذان [¬١٠] يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذّن فيه من عهده، ولم يُحفَظ عن أحدٍ إنكارَّ على مؤذن فيه.
النوع الثاني [¬١١]:
إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال.
فهذا النوع [¬١٢] اختلف فيه أصحابنا؛ فذَهب مُعظَمُهم إلى أنه ليس بحُجّة، ولا فيه ترجيح، وهو قول كُبراء البغداديين [¬١٣]، منهم ابن بُكَير، وأبو يعقوب الرّازي، وأبو الحسن ابن المتاب، وأبو العباس الطيالسي، وأَبو الفرج القاضي، وأبو بكر الأبهري، وأبو التمام: وأبو الحسن بن القصار [¬١٤]؛ قالوا: لأنَّهم بعض الأُمة، والحجة إنما هي بمجموعها، وهو قول المخالفين أجْمع.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر بن الطّيب وغيرُه، وأَنكَر هؤلاء
_________________
(١) [¬١] صلى. . . . . وسلم: ب ت خ، - ا ط ك [¬٢] أو العمل: ا خ ب ك ط، والعمل: ت [¬٣] وإنما ينقل: ب ت خ ك، وأما نقل: ا ط. [¬٤] حين: خ، حتى ا ب ط ت ك [¬٥] أو الاثنين: ا ب ت ك ط، والاثنين: خ [¬٦] المتواتر: ا ت ك ط. التواتر: التواتر: ب [¬٧] خبر … بين يدي: ا ب ت ط ك، - خ [¬٨] بها ا ت ك ط، - خ [¬٩] ولهذا: ت ك ط، وهذا: خ [¬١٠] ما أدرى ما أذان: ب ت ما أدري أذان: ا ك ط، - خ [¬١١] النوع الثاني، ا ت ط خ ك، الضرب الثاني: ب [¬١٢] فهذا النوع: ا ب ت ك خ، وهذا النوع: ط [¬١٣] كبراء البغداديين: ب ت ك خ، كثير من البغداديين: ا ط [¬١٤] ابن القصار: ا ب ت ك خ، ابن الصفار: ط.
[ ١ / ٥٠ ]
أن يكون مالك يقول هذا، وأن يكون مذهبه، ولا أَئمة [¬١] أصحابِه.
وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرِهم وهو قولُ جماعة من متفَقّهتم، وبه [¬٢] قال بعض الشافعية، ولمَ يرتضِه القاضي أبو بكر، ولا محققو أئمتنا وغيرهم.
وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع النوع حجة كالنوع [¬٣] الأول، وحكوه [¬٤] عن مالك؛ قال القاضي ابن نَصر [¬٥]: وعليه يدّل كلام أحمد بن المعذَّل، وأَبِى مُصعب، واليه ذهب القاضي أبو الحسن بن أبي عمر [¬٦]، من البغداديين، وجماعةٌ من المغاربة من أصحابنا، ورَأوْه [¬٧] مقدمًا على خبَر الواحد والقياس؛ وأطَبق المخالِفون أنه مذهب مالك. ولَا يصحّ عنه كذا مطلقا.
قال القاضي أبو الفضل ﵀ [¬٨] تعالى [¬٩]:
ولا [يَخلو عَمل أهل المدينة مع أخبار] [¬١٠] الآحاد من ثلاثة أوجه [¬١١]:
أما أن يكون مطابقًا لها، فهذا آكَدُ في صحتها إن كان من طريق النقل، أو ترجيحها [¬١٢] ان كان من طريق الاجتهادِ بِلَا خلاف [¬١٣] في هذا؛ إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهادُ آخرين وقياسُهم عِند من يقدّم القياس على خبَر الواحد.
وإن كان مطابقا لخَبرِ يعارضه خبرٌ آخر، كان عملُهم مُرجّحا لخبرهم، وهو
_________________
(١) [¬١] ولا أئمة: ا ب ت خ ك، والأئمة: ط [¬٢] به: ا ب ت ك ط، عليه: خ [¬٣] كالنوع: ا ب ت ك ط، الوجه: خ [¬٤] وحكوه: ب ت خ ك، وذكره: ا ط [¬٥] ابن نصر: ا خ ط، أبو نصر: ب ت ك [¬٦] عمر: ا ب ت ك ط، عمرو: خ [¬٧] ورأوه: ا خ ط ك، ورآه: ب ت [¬٨] ﵀: ب ت خ، ﵁: ا ب ط [¬٩] تعلى: ا ب ت ط ك. - خ [¬١٠] يخلو عمل … مع أخبار: ا ب ط ك، تخلو أخبار … مع أخبار: ت تخلو من أهل المدينة مع بني: خ [¬١١] أوجه: ا ب ت ط خ، وجوه: ك [¬١٢] ترجيحها: ك، ترجيحه: ا ب ت ط خ [¬١٣] بلا خلاف: ب ت خ ك، فلا خلاف: اط.
[ ١ / ٥١ ]
أقوَى ما تُرجِّح به الأخبار إذا تعارضَت [¬١]، وإليه ذهبَ الأستاذ أبو إسحق الإسْفَراييني (^١) ومن تابَعه من المحققين، من الأصوليين والفقهاء، من المالكية وغَيرهم.
وإن كان مخالفًا للأخبار جُملة [¬٢]، فإن كان إجماعهم من طريق النّقل تُرِك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين [¬٣] من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه؛ إذ لا يترك القطع واليقين لغلبة [¬٤] الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلافُ [¬٥]، كما ظهر هذا للْمُخالِفِ المنصف فرجع. وهذه نكتَة المسألة، كمسألة الصّاع، والمدّ، والوقوف، وزكاة الخضروات، وغيرها.
وإن كان اجتماعهم اجتهادًا قُدّم الخبر عليه [¬٦] عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم بين أصحابنا [¬٧].
فأما إن لم يكن ثَمّ عمل [¬٨] بخلاف ولا وفاق، فقَد سقَطت المسألة، ووجب الرجوع إلى قبول خَبر الواحد، كان من نقلهم أو نقل غيرهم، إذا صح [¬٩] ولم يعارض، فإن عارض هذا الخبرَ الذي نقلوه خبرٌ آخَر [¬١٠] نقَلَه غيرهم من أهل الآفاق [¬١١]، كان ما نقَلوه مرجّحا عند الأستاذ * أبي إسحاق وغيره من المحقّقين؛ الزيادة مَزِية مُشاهدتهم قرائن الأحوال، وتقعُّدهم [¬١٢] لِنقل آثار الرسول - عليه
_________________
(١) [¬١] تعارضت: ا ت ك ط، تعارضتا: ب، تعارضا: خ [¬٢] جملة: ب ت ك خ، بجملتها: ا ط [¬٣] عند التحقيق ك خ، عند المحققين: ا ط [¬٤] لغلبة: ا ب ت ك خ، لغابات: ط [¬٥] فيه الخلاف: ا ب ت خ ك. فيه من الخلاف: ط [¬٦] الخبر عليه: ا ت خ ط ب، خبر الواحد عليه: ك [¬٧] بين أصحابنا: ا ب ت ط ك، من أصحابنا: خ [¬٨] ثم عمل: ب ت خ، لهم عمل: ا ط ك [¬٩] إذا صح: ا ب ط ك، إذ صح: خ ت [¬١٠] خبر آخر: ا ب ت ط ك، خبرا آخر: خ [¬١١] الآفاق كان: ا ب خ ك ط، الآفاق فإن: ت [¬١٢] وتقعدهم لنقل ب ت ك، وتقعددهم لنقل: اط، وتفقدهم لنقل: خ.
(٢) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الشافع الشافعي الأصولي المتكلم، المتوفي سنة ٤١٨ هـ. وفيات الأعيان ١/ ٤، طبقات الشيرازي ١٠٦.
[ ١ / ٥٢ ]
السلام - وأنهم الجَمُّ الغَفِير، عن الجَمّ الغّفير، عنه [¬١].
وكثُر تحريف المخالف فيما نقّل عن مالك من ذلك سِوى ما قدَّمناه [¬٢]؛ فَحكَى أبو بكر الصَّيرفي (^١) وأبو حامِد الغزالى (^٢) أن مالكا يقول: لا يَعتبر إلا إجماع [¬٣] أهل المدينة دون غيرهم. وهذا ما لا يقوله مالك ولا [¬٤] أحدٌ من أصحابه. وحكَى بعض الأصوليين من المخالفين [¬٥] أن مالكًا يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة (^٣) اجماعا [¬٦]، ووَجّه وقولَه بأنه لعهلم [¬٧] كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم. وهذا ما لم [¬٨] يَقُله مالكٌ ولا رُوى عنه.
وحكَى بعضُهم عنّا أنا لا نَقبل [¬٩] من الأخبار إلا ما صحِبَه [¬١٠] عملُ أهل المدينة. وهذا جهلٌ أو كذِب، لم يفرّقوا بين قولنا بِرَدّ الخَبر [¬١١] الذي في مقابَلَته [¬١٢] عملهم، وبين ما لا نَقبل [¬١٣] منه إلا ما واقفه عملَهم، فإن احتجُّوا علينا في هذا الفصل بردّ مالك حديثَ البَيّعَيْن بالخيار الذي روَاه هو وأَهل المدينة بأصحَّ أسانيدهم، وقول مالك، في هذا الحديث بعد ذكره [¬١٤] له في موطئه: (^٤)
_________________
(١) [¬١] عنه: ب خ ط ك،، ا [¬٢] قدمناه: ا ب خ ك ط، قدمنا: ت [¬٣] إلا إجماع: ب ت خ ط، إلا بإجماع: اك [¬٤] يقوله مالك ولا: ب ت، يقوله هو ولا: ا خ ط ك [¬٥] من المخالفين: خ ب ت ك، عن المخلفين: ا ط [¬٦] اجماعا: ب ت خ ط ك، إجماع: ا [¬٧] لعلهم: تصويب، لعله: لعله ا ب ت خ ك ط [¬٨] وهذا ما لم: ا ب ت خ ك، وهذا لم: ط [¬٩] لا نقبل: ا ب ت خ ك، لا نقول: ط [¬١٠] صحبه: ا ب ت خ ط، صحيحه: ك [¬١١] برد الخير: اك ط، نرد الخبر ب ت خ [¬١٢] في مقابلته: ا ب ط خ، في مقابله: ت ك [¬١٣] ما لا تقبل: ك، من لا نقبل: ا ب ط [¬١٤] بعد ذكره له: ب ت خ، بعد قوله له: ا ك ط.
(٢) محمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المتوفي سنة ٣٣٠. هـ. وفيات الأعيان ١/ ٣٨٠ طبقات الشيرازي ٩١.
(٣) محمد بن محمد بن أحمد الشافعي المتوفي سنة ٥٠ هـ. وفيات ١/ ٤٦٣ - ٤٠١.
(٤) هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن عبد الرحمان - وبعضهم يذكر سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بدل أبي بكر بن عبد الرحمان - وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار. وهم من فقهاء التابعين، وقد ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي (ص ٢١ - ٣١).
(٥) في باب "بيع الخيار" من الموطأ ٢/ ٧٩، بلفظ "المتبايعان".
[ ١ / ٥٣ ]
"وليس لهذا عندنا حدّ محدود، ولا أمر معمول به فيه [¬١]، وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم [¬٢] وأشنع تشانيعهم، قالوا: وهذا ردٌّ للخبر الصحيح إذا لم يَجْرِ [¬٣] عليه عمل أهل المدينة، حتى قد أنكره عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي ذئب (^١) فيه كلاما شديدا معروفا (^٢).
فالجواب أنه إنما ابتُليتم بسوء [¬٤] التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده [¬٥] به ردَّ البيّعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث، وهو قوله: "إلا بيع الخيار"، فأخبر أن بَيْع الخيار ليس له عندهم حد لا [¬٦] يتعدَّى، إلا قدرَ ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيُرجَع فيه [¬٧] إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع وما يراد به.
بهذا فسَّر قوله محققو أئمتنا ﵏، وإنما [¬٨] ترك العمل بالحديث بغير تأول التفرق فيه بالقول وعقد البيع، وإن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومَين، وهذا هو المعنى المفهوم من المتفاعلين، وهما المتكلّفان للأمر الساعيان فيه، وهذا يدل أنه قبل تمامه، ويعضده قوله: لا يَبِعْ أحدكم على بيع أخيه (^٣) "، وهذا أيضا في المتساومين، فقد سماه بيعا قبل تمامه وانعقاده.
_________________
(١) [¬١] فيه: الموطأ. - ا ت ب خ ك ط. [¬٢] أعظم تهاويلهم: ب ك، أقبح تهاويلهم: ا، أقبح تعاويلهم: ط [¬٣] إذ لم يجر: ب، إذ لم نجد: ط، إذ لم يجد: ك. [¬٤] ابتليتم بسوء: ا ك ط، اتيتم من سوء: ك [¬٥] مراده: ا ب ك ت خ، مرادا به: ط [¬٦] حد لا: ك ط، خد ولا: ا ب خ ت. [¬٧] فيرجع فيه: ا ب ت خ ك، فيرجع فيها: ط [¬٨] وإنما: ب ت ك خ، وأما: اط.
(٢) محمد بن عبد الرحمان بن المغيرة، أبو الحارث القرشي المتوفي سنة ١٥٨ أو ١٥٩ هـ. طبقات الشيرازي ٤٠، وفيات الأعيان ١/ ٥٧٤.
(٣) قوله المعروف هو: " … لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" فيستتاب في الخيار، وإلا ضربت عنقه. ذكره أبو يعلى في طبقات الحنابلة ١/ ٣١٦،٢٥١.
(٤) الموطأ (مع شرح الزرقاني) ٣/ ٣٣٨.
[ ١ / ٥٤ ]
وقال بعض أصحابنا: الحديث منسوخ بقوله في الحديث الآخر: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويترادَّان". (^١) ولو كان لهما الخيار لما احتاجا [¬١] إلى تخالف وتخاصُم، وقد يكون قول مالك على طريق الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة لما خالفه كما تقدم، وقد قال بحديث البيعيَّن [¬٢] بالخيار والعمل به كثيرٌ من أصحابنا: ابن حبيب وغيره [¬٣].
ومما ذكره [¬٤] المخالفون عن مالك أنه يقول: إن المؤمنين الذين أمر الله باتّباعهم هم أهل المدينة؛ ومالكٌ لا يقول هذا، وكيف يقول هذا وهو يرى أن الإجماع حجّةٌ.
ومما عارض به المخالفون أن قالوا: إذا سلَّمنا بابَ النّقل الذي ذكرتم فما فائدة ذكر الإجماع والعمل، ومتى حصل [¬٥] النقل من جماعة منهم يحصل العلم بخبرهم، ويجب الرجوع إليه [¬٦] وإن خالفهم غيرهم.
فما فائدة ذكركم الإجماع مع الاتفاق على هذا؟.
فالجواب أنا نقول: إذا نقل البعض فلا يخلو الباقون، (إما) أن يؤثر عنهم خلاف اولا يؤثر، فإن لم يؤثر فهو ما أردناه، وإن علم الخلاف، فإن كان من القليل لم يلتفت إليه ولم تَقْدَح مخالفة [¬٧] القليل في الإجماع النقلى.
وقد اختلف في مخالفة القليل في الإجماع [¬٨] الاجتهادي (*) - على ما قرّره
_________________
(١) [¬١] لما احتاجا: ب ت ط ك خ، لم يحتاجها: ا. [¬٢] البيعين: لم يحتاجها: ا ب ت خ، البيعان. ط ك ابن حبيب: ا ت خ ط ك كابن حبيب: ب [¬٣] وغيره: ا ت ك ط خ، - ب. [¬٤] ذكره: ط ك خ ت ب، ذكر: ا. [¬٥] والعمل ومتى حصل: ب ت ك خ، والعمل مرتضى حصل: ا ط. [¬٦] إليه: ك ط، إليهم: ا ب ت خ [¬٧] تقدح مخلفة: ك ط، يقدح مخالفه بالقليل: ا. [¬٨] في الإجماع: اك، للإجماع: ب ت ط خ.
(٢) الموطأ ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٥٥ ]
قالوا: فإذا تقرر ما بسطتموه، رجَع الحكم إلى نقلهم وتواتر خبَرهم وعمَلهم، وبهِ الحُجّة، فما معنَى تسميته إجماعا.
قلنا: معناه إضافة النقل والعمَل إلى الجميع، من حيث لمَ ينقل أحدٌ منهم، ولا عَمِل بما يخالفه.
فإن قيل: فقد أحَلْتم المسألة، وصرتُم من إجماع إلى اجتماع [¬١] على نقل بقول أو عمَل؟
فالجواب: أن موجِب الكلام لنا في هذه المسألة مخالَفةُ العراقييّن وغيرهم لنا في مسائلَ طريقُها النَّقل والعَمل المستفيض، اعتمدوا فيها [¬٢] على أخبار آحاد، واحتجّ أصحابُنا بنقل أهل المدينة وعملِهم، المجتمَع عليه المتواتِر [¬٣]، على ترك تلك الأخبار لما قدمناه.
فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، (^١) وهذا ردٌّ إلى غير الرَّسول، بل إلى عَملِ [¬٤] قومٍ من أمَّتِه.
قلنا: بل ما ردَدناهُ إلا إلى الرسول؛ إذ تقرر عندنا بالنقل المتواتر أن ذلك العمل [¬٥] هو سنة الرسول ﷺ [¬٦]، وعملُه، وإقرارُه.
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
فأما قولُ [¬٧] من قال من أصحابنا: إن إجماعَهم من طريق الاجتهاد حُجة، فَحَجَّتُه ما لهم من فَضْلِ الصُّحبة والمخالطة والملابسة والمُساءلة، ومشاهدة الأسباب والقرائن؛ ولكلِّ [¬٨]
_________________
(١) [¬١] إلى اجتماع: ا ب ط ت خ، إلى إجماع: ك. [¬٢] فيها: ا ك ت خ ط، - ب [¬٣] المتواتر: ا ط ك ت خ، والتواتر: ب [¬٤] عمل: ب ط ك ت خ، عضل: ا [¬٥] العمل: ك ت خ ب ط، - ا [¬٦] الرسول صلى: ط ب ت خ ا، رسول الله: ك [¬٧] قول: ك ا ب ت خ، - ط [¬٨] ولكل: ا ب ت خ ك، وكل: ط.
(٢) الآية ٥٩ من سورة النساء.
[ ١ / ٥٧ ]
هذا فضلٌ ومزيةٌ في قوة الاجتهاد، وقد قال أصحابنا ومخالفونا: إن تفسير الصحابيّ الراوى لأحد مُحْتَمَلى الخبر أولى من تفسير غيره، وحجةٌ يُترك [¬١] لها تفسير من خالفه، لمشاهدته [¬٢] الرسول، وسماعه ذلك الحديث منه، وفَهمِه من حاله، ومخرَج ألفاظه، وأسباب قضيته [¬٣]، ما يكون له به من العلم بمراده مما ليس عند غيره، فرجَح تفسيره لذلك. فكذلك إجماع أهل المدينة بهذا السبيل، واجتهادهم [¬٤] مقدَّم على غيرهم ممن نأت داره ولم يبلغه إلا مجرد خبر معَرّىَ من قَرائنِه، سَليب [¬٥] من أسباب مخارجه.
ولهذا ما رجَّح الشافعي أحاديث شيوخ الصحابة على حديث أسامة في الدماء، قال: لأنّ ابن عمر وَعُبادة والمشيخة أعلم برسول الله ﷺ من أسامة، ولهذا رَجّح بعضن الأصُوليّن والفقهاء قياسَ الصحابيّ [¬٦] على قياس غيره، ولذلك رَجّح كثيرٌ منهم عَملَ الصحابيّ بالحديث إذا رواه، (*) على غيره من حديث لم يَعمل به راويه، وقد قال الشافعيّ مرةً: إجماع أهل المدينة أحبُّ إلى من القياس، وهذا قولٌ بأنَّ إجماعهم حجةٌ في وجه، بخلاف إجماع غيرهم الذي لا خلاف من أحد أنه لا تأثير له في الأحكام، إلا ما حكى عن بعض الأصوليين من [¬٧] أن إجماع أهل الحَرَمين والمِصَرين [¬٨] حجة كما قدمناه، وما رجح به [¬٩] أهل الأصول في تعارض الأخبار بعمل أهل مكة والمدينة.
وهذا، أكرمكم الله، منتهى الكلام في هذا الباب، ولُبابُ العقول
_________________
(١) [¬١] وحجه يترك: ب ت خ ك، وحجته يترك: ا ط [¬٢] لمشاهدته: ا ب ط ت خ، لمشاهدة: ك [¬٣] قضيته: ا ك ط، قصته: ب ت خ [¬٤] واجتهادهم: ا ب ت خ، واجتماعهم: ط ك [¬٥] سليب: تصويب، سليبا: ك ت، سلوب ا ط [¬٦] الصحابي: ك، الصاحب ا ط ت خ ب [¬٧] من: ا ط ك، - ب ت خ [¬٨] والمصرين: ا ك ب ت خ، والمصريين: ط [¬٩] رجح به: ا ب ت ك خ ك، رجح له: ط.
[ ١ / ٥٨ ]